تفاصيل الخبر

التدقيق الجنائي يترنح: "الفاريز" تشكو سلامة والحاكم يتحدث عن مطالب "تعجيزية" خارج العقد....

01/12/2021
الرئيس ميشال عون خلال اللقاء مع  وزير المال يوسف الخليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

الرئيس ميشال عون خلال اللقاء مع وزير المال يوسف الخليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة.


في الوقت الذي يقف فيه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون "وحيداً في الساحة" مطالباً بالإسراع في التدقيق المحاسبي الجنائي في حسابات مصرف لبنان الذي تتولاه شركة "الفاريز ومارسال" بموجب عقد مع الدولة اللبنانية تتجاوز كلفته مليوني دولار اميركي، يلاحظ المراقبون أن هذا التدقيق لم يبدأ بعد على رغم مرور اشهر على تطبيقه، وأن ثمة "قطبة مخفية" تقف وراء عدم المباشرة بالتدقيق وترتسم علامات استفهام كثيرة حول حقيقة الاسباب التي يقول البعض إن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يتأخر في تسليم المستندات المطلوبة من الشركة، فيما يرد الحاكم بأنه سلم المطلوب "وحبة مسك" لكن الشركة لا تزال تمتنع عن البدء بالتدقيق في المستندات التي تسلمتها، وهي تزيد طلباتها يوماً بعد يوم على نحو تحتاج فيه عملية التجاوب مع هذه الطلبات، وقتاً اضافياً لاعتبارات لوجستية وتقنية صرف. وهكذا من "هالك الى مالك الى قباض الأرواح" يسير ملف التدقيق الجنائي على درب المعاناة بين وزارة المالية وحاكمية مصرف لبنان، ما يجعل الانطباع يقول إن مسيرة التدقيق لن تصل الى نتيجة ولن يتم اكتشاف الجهة او الجهات التي اهدرت المال العام، وساهمت من خلال تسلطها في ايصال البلد الى الوضع المذري الذي وصل اليه مالياً واقتصادياً ومعيشياً....

يقول البعض إن وراء "تعطيل" عملية التدقيق رغبة " نافذين" و"مرجعيات" في الدولة، في عدم الوصول الى كشف المتسببين في سرقة اموال الدولة وصولاً الى حد افلاسها، وان الطبقة السياسية "متواطئة" مع هذه المرجعيات لانها جزء منها ولن تسمح بانكشافها خصوصاً قبيل الانتخابات النيابية وسط الجو الشعبي الضاغط الذي ينادي بمحاسبة المسؤولين عما وصلت اليه البلاد. فيما يقول البعض الاخر إن الجميع مصر على عدم تجيير اي انجاز لرئيس الجمهورية، خصوصاً في المرحلة الاخيرة من عهده، وعلى ابواب الانتخابات النيابية، لان الهدف هو العمل على تهميشه قدر الامكان ونزع اي صورة باقية عنه كرئيس قوي او كمسيحي قوي، بحيث يظهر وكأنه لا يمثل الا قلة قليلة ولم يعد يتمتع بأكثرية شعبية ولا نيابية، وبالتالي لا يحق له ولا للتيار الوطني الحر في المدى القريب التمتع بأي نفوذ اكثر مما يجب. من الطبيعي الا يكون هناك قدرة لأحد على الغاء التيار الوطني الحر او اي حزب او تيار آخر، ولكن هناك مجال كبير لاضعافه وتحجيم نفوذه في الخارج والداخل على حد سواء، وهذا هو المطلوب وتحديداً قبل الانتخابات النيابية المقبلة.

مسار طويل ومعقد

ولعل العودة الى مسار طرح موضوع التدقيق الجنائي تظهر ان الفكرة الاصلاحية التي طرحها الرئيس عون لم تنزل برداً وسلاماً على عدد من كبار المسؤولين والسياسيين على رغم انها وردت كبند اولي في الاصلاحات التي نصت عليها "خريطة الطريق" التي قدمها الرئيس الفرنسي"ايمانويل ماكرون" للقيادات السياسية في قصر الصنوبر في الاول من ايلول (سبتمبر) من العام الماضي ودارت نقاشات كثيرة، واحياناً "عقيمة" في جلسات مجلس الوزراء في حكومة الرئيس حسان دياب بدءاً بالشركة التي ستتولى التدقيق وصولاً الى اعلان وزير المال آنذاك غازي وزني ان "مرجعيته" السياسية ليست مع التدقيق الجنائي.

الا ان اصرار الرئيس عون على المضي في الملف اوصل في النهاية الى توقيع عقد مع "الفاريز ومارسال"... التي اشترطت يومها ان يوفر المصرف المركزي كل المستندات المطلوبة ولما حصل التأخير فسخت الشركة العقد وقبضت قيمة البند الجزائي البالغ 150 الف دولار، ليعود الامر من جديد موضع جدال انتهى بتوجيه الرئيس عون رسالة الى مجلس النواب يؤكد فيها على ضرورة تحقيق هذا التدقيق، فتجاوب المجلس على "مضض" مع مطلب الرئيس ووسع "بيكار" التدقيق ليشمل الوزارات والادارات والمجالس والصناديق... وقيل يومها ان من "يكبر حجره لا يصيب" وهذا ما حصل بالفعل. فأعيد توقيع العقد مع الفاريز ومارسال بعد تعهد من مصرف لبنان بتقديم المستندات المطلوبة، وذلك في اول ولاية حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، لاسيما وان مجلس النواب كان صوّت على قانون بتعليق العمل بالسرية المصرفية لاسقاط اي ذريعة لمنع تقديم المستندات المطلوبة. وبعد "معاناة" اخرى في ديوان المحاسبة ومجلس شورى الدولة، استأنفت الشركة عملها بعد توقيع العقد الجديد في شهر آب (اغسطس) الماضي على ان تقدم تقريرها المبدئي خلال 12 اسبوعاً من تاريخ مباشرة فريق عملها على ان تتقاضى تعويضاً قيمته مليونان ونصف مليون دولار، غير ان الشركة التي حصلت على نحو 900 ميغابيت من المستندات التي وصلتها من مصرف لبنان لم تباشر فعلياً التدقيق وارسلت قبل ايام انذاراً بالتوقف عن العمل بحجة انها لم تتسلم  كل المستندات المطلوبة، ما دفع الرئيس عون الى ترؤس اجتماع حضره وزير المال يوسف الخليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة عرضت فيه الوقائع كما هي. الشركة تطالب بمستندات لم تصلها، والحاكم سلامة يؤكد انه ارسل كل المستندات عن الاعوام 2016 و2017 و2018 و2019 و2020 حسب ما ينص عليه العقد، لكن الشركة طلبت مستندات عن العام 2015. ورغم عدم وجود العام 2015 في متن العقد تم ارسال المستندات عن ذلك العام، لتعود الشركة وتطلب محاضر اجتماعات المجلس المركزي لمصرف لبنان والتي يزيد عددها عن 300 محضر، والمستندات المرفقة في هذه المحاضر وهي تتجاوز الالاف من المستندات. كما طلبت كشوفات بحسابات الموظفين في مصرف لبنان، الذي اعتبره المجلس المركزي لحاكمية مصرف لبنان بأنه طلب لا يقع في موقعه القانوني فضلاً عن انه يستغرق وقتاً طويلاً لإعداده ويطاول خصوصية العاملين في المصرف ما دفع الى السؤال عن سبب هذا الطلب. ومع ذلك، يقول الحاكم سلامة، باشر مصرف لبنان بإعداد اللازم متسائلاً عن سبب عدم البدء بالتدقيق في المستندات المتوافرة والتي تفوق نسبتها 90 في المئة من المستندات المطلوبة ولماذا إصرار الشركة على تسلم "كل" ما تطلبه وإلا تهدد بالتوقف والانسحاب وتطالب بالتعويضات المقررة في حال "نكوث" الدولة اللبنانية بالتزاماتها.

مماطلة.... تواطؤ... إهمال متعمد؟

 في اجتماع بعبدا ابدى الوزير الخليل والحاكم سلامة الاستعداد لتقديم كل المستندات المطلوبة والتعاون مع "الفاريز" شرط ان تكون الشركة "واقعية" في مطالبها وان تباشر العمل على ان يصار الى تزويدها تباعاً بما تبقى من معطيات اذ من غير المنطقي ان تجمد البدء بالتدقيق حتى تقدم اليها كل المستندات في حين انها قادرة على مباشرة العمل بالكميات الكبيرة من الوثائق التي باتت في حوزتها، وتقرر ان يجري وزير المال اتصالات بالشركة لنقل هذه المعطيات، وهو ما تم في اليوم التالي مع تأكيد من الحاكم بأنه سيواصل تلبية طلبات "الفاريز" حتى لو ادت عملية تحضير المعلومات والاجابات الى تخطي التاريخ المذكور اعلاه، وان لم يتم تمديد العمل بقانون رفع السرية المصرفية ما يعني ان تأمين المعلومات سيستغرق وقتاً طويلاً سيتجاوز مهلة الشهر المتبقية امام القانون وربما اكثر لتنقضي الاسابيع الاثني عشر المعطاة من قبل الشركة من دون نتائج عملية، تماماً كما انقضى عام وشهران من دون ان يتحقق اي تدقيق ما عدا دفع 150 الف دولار للشركة كبند جزائي لعمل لم ينجز منه شيء.

كل هذه الوقائع تطرح الأسئلة التالية: هل وراء المماطلة تواطؤ او اهمال او تعمد بالتقصير؟ لا جواب واضحاً بعد لكن الاكيد من مسار التدقيق ان الشركة المكلفة هذه المهمة دخلت "اللعبة اللبنانية" وباتت شريكة اساسية فيها الى أن يثبت عملها عكس ذلك، بدليل أنها لم تبدأ التدقيق رغم وجود كمية كبيرة من المستندات في عهدتها، علماً ان ثمة من يخشى ان تكون "الفاريز" تتعمد عدم بدء التدقيق مدعية نقصاناً في المستندات لتنسحب وتتقاضى البند الجزائي، كما حصل في المرة السابقة!.