تفاصيل الخبر

جنبلاط حدد خياراته: تحالف مع المستقبل و"القوات" و"ربط نزاع" و"مساكنة الضرورة" مع حزب الله!

01/12/2021
النائب السابق وليد جنبلاط ورئيس الحكومة السابق سعد الحريري.

النائب السابق وليد جنبلاط ورئيس الحكومة السابق سعد الحريري.


 لم ينتظر رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط تبلور المشهد الانتخابي للاستحقاق النيابي في ضوء ما سيقرره المجلس الدستوري في شأن الطعن المقدم من نواب "التيار الوطني الحر" بالتعديلات على قانون الانتخاب الذي أقر العام 2017، فحدد منذ الآن تحالفه مع تيار "المستقبل" واصفاً هذا التحالف بــ"التاريخي" وأرفق هذا التحديد بتوجيه الدعوة الى الرئيس سعد الحريري، زعيم "التيار الازرق" بالعودة الى بلده لبنان، لأن غيابه عن الساحة لا يفيد، كما قال. وهذا الموقف الحاسم جاء اثر الزيارة التي قام بها النائب وائل أبو فاعور الى ابو ظبي حيث التقى الرئيس الحريري في مقر اقامته الجديد في عاصمة دولة الامارات العربية المتحدة حيث تفيد المعلومات انه قرر إنشاء شركة خاصة به يدير من خلالها ما تبقى له من اعمال بعدما انهى كل ما كان يملكه في السعودية من شركة "سعودي أوجيه" وغيرها من الشركات المتفرعة.... وبفعل موقف الزعيم الدرزي، فإن طلائع التعاون الجنبلاطي مع الحريري سيكون في بيروت حيث للدروز مقعد واحد، وفي اقليم الخروب في الشوف حيث للسنة مقعدان احدهما لمرشح الحزب الاشتراكي، وفي البقاع الغربي حيث للدروز حضور مع السنة في عدد من قرى هذا القضاء. أما في بقية الاقضية فإن الحضور السني والدرزي المشترك محدود لا بل شبه معدوم مثل قضاء عاليه حيث لا أصوات سنية يمكن الاعتداد بها، في حين ان الامر يختلف في قضاء الشوف حيث الكثافة السنية في الاقليم. تبقى دائرة حاصبيا حيث المرشح الدرزي محسوب على رئيس حركة "أمل" الرئيس نبيه بري الذي سوف يختار هذه المرة، مرشحاً درزياً في لائحته يشكل نقطة التقاء بين الزعيمين الدرزيين جنبلاط والنائب طلال ارسلان.

في المحصلة كرس جنبلاط، في مقابل اقترابه مجدداً من الرئيس الحريري رغم الملاحظات "القاسية" التي كان ساقها ضده في أوقات سابقة، كرس ابتعاده عن حزب الله أكثر فأكثر لأن الحزب ليس في وارد عقد اي تحالف انتخابي مع الحريري او مع جنبلاط على حد سواء وإن كان الحزب الاشتراكي وحزب الله نجحا في المحافظة على التعايش مع خلافاتهما خلال المرحلة السابقة الى ان اهتزت هذه التجربة بقوة تحت وطأة الاحداث الاخيرة لاسيما الخلاف مع دول الخليج.... من دون ان تقع. وبفعل إرادة من الطرفين، بقي التوتر بينهما تحت السيطرة حيث قالت مصادر متابعة إن التوضيحات المتبادلة نجحت في "لجم" تداعيات المواقف العالية السقف التي اطلقها جنبلاط في الآونة الاخيرة وخاطب فيها حزب الله مباشرة وقيادته قائلاً إن صبره "نفد" من طريقة تعاطي قيادة الحزب مع الاوضاع في لبنان خصوصاً بعد نشوء ازمة الخليج. صحيح ان القيادي في حزب الله غالب ابو زينب رد على جنبلاط بلغة لم تقل حدة، الا ان الطرفين سرعان ما بادرا الى احتواء التصعيد، فاستدرك جنبلاط تصريحه الناري بمواقف توضيحية لاحقة خففت نسبياً وطأته ووضعته في خانة "الصرخة العفوية"، وقابله الحزب برسالة غير مباشرة خلاصتها ان ما قاله ابو زينب، لا يعكس الرأي الرسمي للقيادة، وهذا ما كان يرغب جنبلاط بسماعه فتلقف الرسالة بايجابية وطلب من نواب الحزب وأركانه من السياسيين والاعلاميين عدم التعليق على تصريحات ابو زينب....


توضيحات اشتراكية....


في اي حال، العلاقة الهشة بين جنبلاط وقادة الحزب ليست بحاجة الى شروحات، فالأدلة كثيرة لمن يحسن القراءة السياسية وتقلبات "ابو تيمور"، وبالتالي فإن امكانية تجدد المواجهة الكلامية واردة في اي لحظة وسط استمرار غياب التفاهم على الخيارات الاستراتيجية فكيف اذا اضيفت اليها حماوة الاستحقاق النيابي المقبل الذي قد يضفي بدوره مزيداً من الهشاشة على الضوابط الناظمة لمعادلة ربط النزاع. وهذا ما يؤكده جنبلاط امام محدثيه لاسيما عندما يقول ان مبدأ "تنظيم الخلاف" او "ربط النزاع" او "مساكنة الضرورة" ... كلها لم تسقط بل لا تزال سارية المفعول. وحين يقال له ان تصريحه الحاد قبل مدة قصيرة حول نفاد صبره على الحزب، هدد بانهيار هذه المبادىء يجيب الزعيم الدرزي: "ليس على علمي وتصريحي لم يكن يرمي الى ضرب  قاعدة تنظيم الخلاف، ولكن يحق للمرء ان يرفع صوته احياناً لايصال موقف او صرخة ما. اليس كذلك"؟.

وامتداداً لهذا الطرح، تؤكّد اوساط قيادية في الاشتراكي، انّ جنبلاط ليس في وارد "فتح مشكل" مع حزب الله ولا الانخراط في اي مشروع ضدّه، ولكنه وجد في الوقت نفسه انّ من واجبه ومسؤوليته ان يحذّر من مخاطر الأزمة المندلعة مع الخليج، وان يدفع في اتجاه معالجتها وحصر مفاعيلها السلبية على المصالح الوطنية اللبنانية، وضمن هذا الإطار تحديداً أتى ردّ فعله.

وتشدّد الاوساط على انّه لم يعد ممكناً ولا جائزاً الاستمرار في المقاربة السابقة لملف العلاقة بالخليج ، معتبرة انّ حزب الله معني بإجراء مراجعة لتلك المقاربة، وبأن يأخذ في الحسبان الأهمية الفائقة للملف اللبناني - الخليجي، وان يستمع الى الأصوات الأخرى في البلد على قاعدة الشراكة المفترضة.

وتلفت الأوساط الاشتراكية، الى أنّ "موقفنا لا يندرج بتاتاً في سياق مؤامرة على حزب الله، بل انّ وليد جنبلاط أعلن صراحة عن رفض تشكيل جبهة ضدّه، لأنّ ليس مطلوباً ان يتحقق الحل مع الخليج عبر إيجاد مشكلة في الداخل، وبالتالي يجب ان لا يفترض الحزب اننا نكون متآمرين عليه اذا طلبنا منه أن يتعامل مع الأمور بطريقة أخرى".

وتعتبر الأوسط القيادية في الاشتراكي أن المطلوب بإلحاح من الدولة اللبنانية اتخاذ خطوة جدية نحو معالجة الأزمة التي تفاقمت بينها وبين بعض الدول الخليجية، ونأمل في أن يساعد الحزب جدياً في هذا الاتجاه وأن يبدي المرونة اللازمة التي تقتضيها المصلحة العليا.


.... ونقاط حزب الله على الحروف

في المقابل، لاحظ المراقبون انه على رغم انزعاج حزب الله من اتهامات جنبلاط لاسيما قوله إنه سبب "خراب بيوت اللبنانيين في دول الخليج"، فإن قيادة الحزب مارست سياسة الاعتصام بالصمت لفترة وجرى تعميم منظم ومدروس لشريط مصور للقيادي في "الحزب" غالب أبو زينب (ليس هناك من نفي رسمي من الحزب لنبأ مفاده انه غادر كل مسؤولياته في الحزب) يظهره وهو يردّ في ندوة سياسية نُظمت في احدى البلدات الجنوبية بشكل غير مباشر على كلام جنبلاط الاخير، متعمداً (ابو زينب) القول ان زعيم التقدمي بات بلسانين ووجهين معاً، فهو يتعمد اطلاق كلام "استفزازي" ضد "الحزب" وأدائه امام الاضواء الاعلامية، وفي الخفاء يبادر الى بعث رسالة الى الحزب فحواها: "تحمّلوني واعذروني فأنا مضطر الى ان اطلق هذه المواقف الانتقادية لكم لأسباب ودواع أنتم عالمون بها". ومع ان قيادة "الحزب" ابلغت من يعنيهم الأمر لاحقاً ان كلام ابو زينب ليس موحى به منها وانما هو "فشّة خلق" شخصية، إلا ان "الحزب" بدا معنياً تماماً عندما قال ابو زينب في تلك المداخلة ان "قيادة الحزب قد تتفهم اطلاق جنبلاط لمثل ذلك بين الحين والآخر، لكن المشكلة هي في ان تكرار هذه المواقف المشحونة دوماً بالعدائية والاستفزاز من شأنه ان يسمم اجواء البيئة الدرزية ضدنا". وما لم يقله ابو زينب علانية وصراحة تقوله اوساط في "الحزب" وهو انه قد يأتي يوم ونعجز عن ضبط ردة فعل قواعدنا على هذا الكلام وهذه المواقف..

وقد سبق لـ"حزب الله" ان تبلّغ فحوى سؤال طرحه احد عناصر التقدمي ممن شاركوا في المؤتمر العام الاخير للحزب على جنبلاط نفسه، سائلاً اياه: "أمَا آن أن ينتهي صبرك على حزب الله"؟ 

وقد بادرت قيادة التقدمي لاحقاً الى الافصاح عن استيائها من كلام ابو زينب، وطلب النائب عن الحزب بلال عبد الله في تغريدة له توضيحاً من قيادة "حزب الله" حول ما اذا كان ابو زينب ينطق بلسان "الحزب" رسمياً ام انه تجسيد لموقف شخصي.المعلومات عينها اشارت الى ان "الحزب" رد عبر قنوات التواصل المعمول بها بين الطرفين على رسالة التقدمي ورئيسه بمثلها، معلناً براءته من كلام ابو زينب الذي هو "موقف شخصي".

وفي كل الاحوال، استنتج جنبلاط وحزبه عملياً ان "حزب الله" وقاعدته ليسا هذه المرة في مزاج يسمح لهما بقبول "الشطحات"، وانه يتعين عليه ان يختار بين أمرين: إما ان يمضي قدماً في المواجهة والتصعيد مع "الحزب"، وإما ان يقدم ادلة عملية على انه ليس في وارد سلوك هذا المسلك الخشن.

ولاحقاً ظهر القيادي في الحزب التقدمي النائب وائل ابو فاعور على احدى الفضائيات المحلية ليبعث برسالة مشفرة الى "حزب الله" والى من يعنيهم الأمر، فحواها اننا عائدون الى ظلال "تفاهم ربط النزاع" ولكن على قاعدة شروط جديدة من ضمنها ان يكون للتقدمي حق الدعوة الى "حوار وطني" مع "الحزب" حول كل الملفات الخلافية وفي مقدمها ملف مواقفه الاقليمية لأن البلاد لم يعد في مستطاعها تحمّل نتائجها وتبعاتها. لقد بدا واضحاً ان "حزب الله" لا تزعجه كثيراً الدعوات الى فتح ورشات حوار معه اذ في مقدوره التفاعل مع اي حوار لفترات مفتوحة. وفي اليوم التالي لكلام ابو فاعور كان وفد من الحزب التقدمي يشارك في لقاء المصالحة الاوّلي الذي عقد برعاية قيادة الجيش بين "حزب الله" وعرب خلدة بغية طي صفحة الاشكالات التي حصلت بينهما. وبذلك يكون جنبلاط قد نجح في ابلاغ من يعنيهم الامر انه ليس في وارد الاذعان للامر الواقع الذي يعمل "الحزب" على فرضه، وان يحتفظ بحق الاحتجاج والاعتراض ورفع الصوت عند الحاجة، وفي الوقت نفسه قدّم لـ"الحزب" برهاناً على انه ليس في وارد "عَود على بدء" اي الى المرحلة التي كان فيها جنبلاط رأس الحربة في مشروع قوى 14 اذار من عام 2006 الى ايار (مايو) 2008. ولا يبدو "حزب الله" مستاء من هذه المعادلة الجنبلاطية، فهو لا ينتظر من زعيم المختارة اكثر من ذلك، وجلّ ما يريده أيضاً ألّا يأتي حين من الدهر ويأمر جنبلاط "في ساعة تخلٍ" بقفل قناة الاتصال اليومية مع "الحزب"، لانه عندما سبق لجنبلاط ان اوصد هذه القناة فإنه تعمّد في المقابل فتح باب المواجهة على مصراعيه مع "الحزب".

في اي حال من الواضح أن جنبلاط اختار في المرحلة الانتخابية المقبلة حلفاءه السنة (المستقبل) وسوف يتعاون مع "القوات اللبنانية" في الجبل وليس مع "التيار الوطني الحر" الذي سيضطر الى مواجهة جنبلاط في دائرة الشوف - عاليه، وجزئياً في دائرة بعبدا، من دون ان يعني ذلك حصول مواجهات، لأن زعيم المختارة يريد صفر مشاكل مع خصومه، سواء داخل البيت الدرزي او خارجه....

ومع السيد حسن نصر الله في صورة من الأرشيف.

ومع السيد حسن نصر الله في صورة من الأرشيف.