تفاصيل الخبر

هل يحقق 244442 منتشراً في اقتراعهم التغيير الذي يعمل له من داخل وخارج؟

01/12/2021
اقتراع اللبنانيين في السفارة اللبنانية في باريس سنة 2018.

اقتراع اللبنانيين في السفارة اللبنانية في باريس سنة 2018.


 في انتظار أن يقرر المجلس الدستوري قبول الطعن المقدم من "تكتل لبنان القوي" بالتعديلات التي أدخلت على قانون الانتخابات، او رفضه، ما سوف يؤشر سلباً او ايجاباً على مصير الدائرة السادسة عشرة الخاصة بالمنتشرين اللبنانيين في الخارج، فان تسجيل 244442 منتشراً للمشاركة في الانتخابات، شكل ظاهرة لا يمكن تجاهلها خصوصاً أن نسبة التسجيل المرتفعة أتت بعد حملات ترويج واسعة النطاق في دول الانتشار خاض معظمها انصار "الحراك المدني" الذين جيشوا المنتشرين على رفض الواقع السياسي الراهن في البلاد ودعوا غالبيتهم الى الاقتراع لـــ "التغيريين" الحقيقيين، في وقت لوحظ تراجع حركة الاحزاب في الاغتراب امام "حماسة" انصار "كلن يعني كلن"، لذلك اتت الارقام عالية جداً في قارات نسبة الى المسجلين في دورة 2018 الذين بلغ عددهم 92180 في العام 2017 اي بزيادة مقدارها 152,263 ونسبتها 165 في المئة. اما عدد المقترعين فقد وصل في دورة العام 2018 الى 46799 مقترعاً، فيما لا يمكن التكهن منذ اليوم بعدد المقترعين في الانتخابات المقبلة.

 ويقول متابعون إن الارقام التي سجلت تؤشر الى "مناخ" مقترعي الانتشار حيث بلغت النسبة الاكبر في اوروبا 74882 مسجلاً اي بنسة 30,6 في المئة  وفي اوستراليا وصل العدد الى 2268 مسجلاً، وفي اميركا اللاتينية 6350، وفي اميركا الشمالية 59211، وفي افريقيا 20327 وفي آسيا 61304 مع الاشارة الى ان المسجلين لا يشكلون سوى بنسبة 25 في المئة من اجمالي المقيمين في الخارج الذين يحق لهم الاقتراع والمقدر عددهم بنحو 970 الفاً. ويعزو البعض عدم حماسة المنتشرين رغم الدعوات التي وجهت اليهم، الى اعتبارات عدة ابرزها عدم معرفة الآلية التي ستعتمد في الاقتراع وأي قانون سيعتمد هل القانون القديم ام القانون المعدل، فضلاً عن ان تحرك المقترعين لن يكون سهلاً نظراً للمسافات البعيدة بين اماكن اقامتهم والسفارات او القنصليات اللبنانية التي يتم فيها الاقتراع، الا ان ما يشغل بال السياسيين اللبنانيين في الوقت الراهن هو اين ستصب أصوات المنتشرين من الخيارات المطروحة، هل ستكون لمصلحة التغيير او لابقاء القديم على قدمه من منظومة سياسية وجهت اليها اتهامات كثيرة وحملت مسؤولية الانهيار الذي وصلت اليه البلاد على اكثر من صعيد. وفي هذا السياق يعتبر البعض أنّ المغتربين اللبنانيين الذين تسجّل منهم 244442 في القارّات الستّ في العالم يُمكنهم أن يُحدثوا "التغيير المطلوب". فالانهيار الاقتصادي والمالي الذي أصاب لبنان لم يأتِ من العبث، بل كان لدول الخارج اليد الطولى فيه بهدف تغيير النظام في لبنان، أو الذهاب نحو الجمهورية الثالثة. وتعتقد هذه الدول بأنّ ما تصبو إليه، لا يُمكن أن يحصل إلا من خلال الانتخابات النيابية المقبلة، ولهذا تُمنّي النفس بأن تصبّ أصوات الناخبين لصالح المرشّحين "المستقلّين"، أو مرشّحي الجماعات المعارضة والمجتمع المدني، على ما يجري تسميتهم... ولكن هل بالفعل يُمكن لأصوات الناخبين المسجّلين أن تُشكّل "قوّة تغييرية" بات الجميع يسعى إليها في لبنان، من الشعب المفقّر والمجوّع والعاطل عن العمل، وصولاً الى الأحزاب السياسية التي تُحاول التغيير في سياساتها لتتلاءم مع المزاج الشعبي الجديد؟


أرقام وتأثير

تجيب مصادر متابعة بأنّ دول الخارج تُعوّل على أصوات اللبنانيين غير المقيمين على الأراضي اللبنانية، كونهم يُمثّلون الفئة الأكثر نقمة على الطبقة السياسية الحاكمة منذ ثلاثين سنة وحتى اليوم، وإلّا لما تركوا البلاد الى دول أخرى بحثاً عن فرص العمل ولقمة العيش. كما تجد هذه الدول بأنّ هذه الشريحة هي الأكثر تحرّراً من بعض القيود التي يفرضها عليهم الاقتراع في لبنان، مثل محاولات شراء أصواتهم والرشى التي تُدفع من قبل الأحزاب أو بعض اللوائح الانتخابية، وبرأيها أنّ العدد النهائي من المسجّلين الذين بلغ 244442 وفاجأها على نحو إيجابي، يُمكن أن يُشكّل "بداية تحوّل أو تغيير" في النظام اللبناني، إلّا إذا تلكأ هؤلاء بغالبيتهم يوم الانتخاب لذرائع عدّة، أو صبّت أصواتهم بالتالي لصالح الأحزاب التي ينتمون اليها، وليس لصالح المرشّحين المستقلّين من المجتمع المدني.

وتضيف المصادر نفسها ان تجربة انتخاب اللبنانيين المغتربين التي حصلت للمرة الأولى في الدورة الماضية، لم تكن مشجّعة لناحية إحداث تغيير ما، سيما وأنّه تسجّل آنذاك 92810 لبنانيين، تمّت الموافقة على طلبات 82965 منهم، فيما لم تُقبل طلبات 9845 مسجّلاً لعدم استيفاء الشروط القانونية، فيما لم ينتخب منهم سوى 46799 أي ما نسبته 56 في المئة من عدد الناخبين، و2.5 في المئة  من إجمالي عدد المقترعين في لبنان، أشارت الأوساط نفسها الى أنّ الظروف لم تعد كما كانت في العام 2018 على الإطلاق. فبعد انتفاضة 17 تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2019، أصبح الشعب اللبناني يعبّر عن رأيه بالطبقة السياسية الحاكمة بحريّة أكبر، من وجهة نظر دول الخارج، ولهذا ثار عليها وطالب بإسقاطها وفق مقولة "كلّن يعني كلّن"، واليوم تنتظر هذه الدول التي دعمته، ودعمت انتفاضته ان يترجم اقواله افعالاً في صناديق الاقتراع. واذا كان التعويل على لبنانيي الخارج، على ما عقّبت الاوساط، إلّا أنّ هذا لا يعني بأنّ اللبنانيين "الصامدين" في الداخل، راضون عن الطبقة الحاكمة، غير أنّ ظروفهم لا تسمح لهم بمغادرة البلاد، أو اللجوء الى الهجرة للتعبير عن نقمتهم هذه. ولهذا تعتقد المصادر بأنّه على الناخبين المقيمين أن يتضامنوا أيضاً مع ناخبي الخارج بهدف إحداث "كتلة نيابية تغييرية" من أكثر من 30 نائباً من أصل 128 تكون قادرة على اقتراح القوانين والمشاريع التي تتوافق مع طموحات الشعب.

غير أنّ توزّع اللبنانيين في سائر دول الخارج على الطوائف والأحزاب نفسها القائمة في الداخل، يجعل إمكانية التنافس على الأحجام والكتل النيابية، تحدّ من نسبة التغيير المطلوب. صحيح أنّ المنظمات غير الحكومية كانت الأكثر نشاطاً في كلّ من فرنسا وألمانيا وكندا وأوستراليا وأميركا والدول العربية من الماكينات الحزبية، لتشجيع اللبنانيين على التسجيل للمشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة في ربيع العام 2022، غير أنّ الأحزاب موجودة في هذه الدول، ولديها مناصروها الذين قد يدفعهم "شدّ العصب الانتخابي" الى الإدلاء بأصواتهم لصالحها رغم مغادرتهم للبلاد بفعل سياسات جميع القوى والمسؤولين السياسيين. أمّا انتخاب المغتربين لستّ مقاعد مخصّصة لهم في القانون الانتخابي الساري المفعول رقم 44 الصادر في العام 2017، والذي جرى تعديله أخيراً، ولا يزال ينتظر أن يبتّ المجلس الدستوري بالطعن بالتعديلات الذي قدّمه "التيّار الوطني الحرّ"، فترى الأوساط أنّ المشكلة تكمن في صعوبة تصنيف القارّات بحسب الطوائف الستّ الأساسية في لبنان. فرغم هجرة المسيحيين، على سبيل المثال، الى الدول الأوروبية بشكل أساسي، أو هجرة المسلمين الى الدول الافريقية أو العربية، غير أنّه لا يُمكن الجزم بأنّ هذه الدول أو تلك تضمّ لبنانيين من طائفة معيّنة واحدة. ففي كلّ دول العالم يعمل ويقيم لبنانيون من جميع الطوائف، الأمر الذي عرقل مسألة انتخاب اللبنانيين غير المقيمين لستّة نوّاب يمثّلونهم في المجلس النيابي بحسب الطوائف، يُضافون الى الـ 128 مقعداً. فانتخاب مرشّح واحد من طائفة معيّنة عن كلّ قارّة، يحرم الناخبين من الطوائف الأخرى من أن يكونوا ممثّلين فيها، ولهذا لم يتمّ اعتماد هذا التعديل من قبل المجلس النيابي، إذ وجد أنّ الأمر سيثير بعض الحساسيّات.

تبقى الأمور مرهونة بقرار المجلس الدستوري، فهل يسقط الدائرة السادسة عشرة فيقترع المنتشرون لـــ 128 نائباً، ام يقبل الطعن المقدم من "التيار الوطني الحر" ويصبح الاقتراع لستة نواب في ست قارات؟