تفاصيل الخبر

السباق مستمر بين تراجع الليرة والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي

01/12/2021
الرئيس نجيب ميقاتي يترأس اجتماع لجنة التفاوض مع صندوق النقد في حضور نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي ووزير المالية يوسف الخليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

الرئيس نجيب ميقاتي يترأس اجتماع لجنة التفاوض مع صندوق النقد في حضور نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي ووزير المالية يوسف الخليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة.


 لم يعد سراً أن السباق على أشده بين تراجع سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الاميركي، والخطوات البطيئة للحكومة اللبنانية في إنجاز التحضيرات لبدء التفاوض مع صندوق النقد الدولي وفق خطة التعافي الذي تعمل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي على إحيائها من جديد بعدما أنجزتها حكومة الرئيس حسان دياب و"نامت عليها"، ثم جاءت حكومة "معاً للانقاذ" كي "تنقذها" بعد إدخال تعديلات عليها، وفيما يستمر تدهور الليرة اللبنانية على نحو غير مسبوق وصل في الاسبوع الماضي الى اكثر من 25 الف ليرة مقابل الدولار الاميركي الواحد، يزيد تعليق جلسات مجلس الوزراء على خلفية مطالبة "الثنائي الشيعي" بتنحية المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، من تأزم الوضع المعيشي للمواطنين بعد تزايد خسائر الليرة اللبنانية التي اطاحت على حد سواء بقيمة الأجور ومخزون الودائع المصرفية، بالتزامن مع القفزات المتتالية للدولار بوتيرة قياسية مع استمرار التعثر الحكومي وارتفاع منسوب القلق من تداعيات حلول مقترحة على المداخيل المتهالكة مثل رفع سعر الدولار الجمركي ومضاعفة رسوم الخدمات العامة ( المتراجعة اصلاً) مثل الكهرباء والاتصالات والمياه بدءاً من العام المقبل.

ومن العوامل التي تزيد من انهيار سعر صرف الليرة عدم وجود ضوابط او قدرات على وقف هذا الانهيار اذ لا يكفي أن يحمّل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة التطبيقات الالكترونية "المجهولة" مسؤولية التلاعب بسعر الصرف نزولًا وصعوداً ما الحق خسائر محققة في مداخيل غالبية عظمى من اللبنانيين تتجاوز المليون موظف وعامل في القطاعين العام والخاص على بعد ايام من نهاية الشهر، فيما اصاب "الانتعاش الوهمي" الفئات غير الكثيرة المحظية بالاجور والبدلات بالعملات العربية والاجنبية، من هنا بدا واضحاً ان سياسات "الحياد" الرسمي التام عن تحركات المبادلات النقدية في الأسواق الموازية، تساهم من حجم الارتباك والفوضى في تسعير سعر صرف الليرة عند أدنى مستوى لها خلال عامين ونيّف من الاضطرابات التي تشهدها البلاد، بل إن مصادر مالية صوّبت الاتهام المباشر إلى الواقع الحكومي المتردي عقب فشل محاولات عودة مجلس الوزراء إلى الانعقاد، بينما تفرض التطورات الدراماتيكية على كل الصعد السياسية والاقتصادية، وتعقيدات الأزمات المستمرة مع بلدان الخليج، اللجوء الفوري إلى عقد اجتماعات طارئة ومفتوحة بهدف احتواء التدحرج الحاد للأوضاع عموماً نحو ارتطامات تخرج نتائجها عن النطاقين المعيشي والنقدي.

وينقل عن مسؤول مالي رفيع قوله انه مع انطلاقة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، قبيل شهر ايلول (سبتمبر) الماضي، لامس سعر الصرف 14 ألف ليرة لكل دولار وكاد يحقق المزيد من التحسن النوعي صوب سعر منصة المصرف المركزي 12 ألف ليرة، ثم انقلبت العوامل المحفزة إلى نقيضها في إعادة تأجيج المضاربات النقدية عقب أحداث الطيونة وتعطل اجتماعات مجلس الوزراء وارتفاع حدة السجالات الداخلية.

ويشير المسؤول المالي إلى الخطورة الموازية والمتمثلة في التآكل الإضافي والكبير الذي يتعدى الرواتب والأجور الشهرية، في إشارة إلى أنه يضرب بشدة في القيم الحقيقية للودائع في الجهاز المصرفي، حيث تزخر البيانات المصرفية بالتباسات موضوعية في طريقة احتساب مكوناتها ربطاً بتعدد أسعار الصرف الذي افقد الودائع بالليرة نحو 94 في المائة، حتى الساعة، من قيمتها إزاء العملات الصعبة، كذلك الأمر بما يتعلق بالسحوبات بسعر 3900 ليرة من الودائع الدولارية التي تفقد نحو 84 في المائة من القيمة المتداولة في السوق. ووفق أحدث الإحصاءات، يجري تقدير الودائع المحررة بالليرة بنحو 31.6 مليار دولار بسعر الصرف الرسمي (1507 ليرات)، أي ما يماثل نحو 20 في المائة من إجمالي محفظة الودائع في الجهاز المصرفي، بينما هي حقيقة أصبحت تقل عن 1.91 مليار دولار وفق الأسعار الجارية في الأسواق الموازية، أي ما يوازي نحو 1.4 في المائة من الإجمالي الظاهر للودائع والبالغ نحو 138 مليار دولار. وينطبق الأمر ذاته على محفظة التمويل المحررة بالعملة الوطنية والبالغة نحو 22.5 تريليون ليرة، أي ما نسبته نحو 47 في المائة من الودائع المحررة بالليرة. وليست الودائع المحررة بالعملات الصعبة بمنأى عن إشكاليات الاحتساب. فطالما يتعذر إجراء السحوبات منها بالدولار النقدي باستثناء الحصص الشهرية البالغة نحو 400 دولار لنحو 150 الف حساب.

المفاوضات مع صندوق النقد الدولي

في هذه الاثناء، وفي مقابل الوضع المزري لسعر صرف الليرة، يبقى الامل في ان يحصل تقدم على صعيد التحضيرات الجارية لبدء التفاوض مع صندوق النقد الدولي، لأن من شأن ذلك إحداث نوع من الثقة يؤدي الى لجم التدهور في سعر الصرف ويبدو ان مرحلة التفاوض الجارية حالياً مع الصندوق لا تحتاج الى انعقاد مجلس الوزراء باعتبار انه ليس هناك شيء نهائي بعد تم التوصل اليه ويمكن ان يقدم للمجلس، لكن من البديهي انه عند الانتهاء من وضع الخطة بشكل نهائي فالامر يحتاج الى انعقاد جلسة لمجلس الوزراء. لكن السؤال يبقى اين وصلت اليه المفاوضات مع صندوق النقد الدولي؟ تفيد المعلومات المستقاة من مصادر اللجنة الوزارية التي يرأسها نائب رئيس مجلس الوزراء سعادة الشامي ان المرحلة التي وصلت اليها المفاوضات مع الصندوق اصبحت في المرحلة النهائية لا سيما بالبحث في المواضيع التقنية، اي فيما يخص تحديث الارقام كما انه تم انجاز كل "الداتا" المطلوبة من لبنان بحيث اصبح الملف كاملاً لدى الصندوق، والبحث اليوم أصبح في طور الحديث عن السياسات الاقتصادية والمالية، والمفاوضات ستستمر خلال الايام المقبلة، أملاً بالوصول الى اتفاق جدي مع الصندوق بنهاية العام الحالي. ومن الطبيعي ان يكون لهذا الاتفاق انعكاسات ايجابية بالنسبة للبنان، خصوصاً ان كل ما تم يدل على الجدية في العمل لا سيما فيما يخص عملية القيام بالاصلاحات، لأنه من الواضح ان الصندوق لن يوافق على اي خطة اذا لم يقم لبنان بتنفيذ الاصلاحات المطلوبة منه، وبمجرد الوصول الى الاتفاق يعني الوصول على طريق العمل الصحيح، ما يؤدي ذلك الى اعطاء لبنان مبالغ مالية من اجل مساعدته كما انه مجرد ان يكون هناك برنامج مع الصندوق ستتشجع الدول المانحة لتقديم الدعم والمساعدة، وهذا سيؤدي الى انعكاسات ايجابية على وضع البلد. وحول ما اذا كان الاتفاق بين لبنان وصندوق النقد الدولي سيريح الوضع الاقتصادي وسيؤدي الى استقرار في سعر صرف الدولار خصوصاً ان التوقعات تشير الى ان السعر هو الى ارتفاع، يشير نائب رئيس الحكومة انه لا يجوز لأحد أن يتحدث عن توقعاته لسعر الدولار، حتى إن من يتعاطى بالشأن الاقتصادي لا يمكنه ان يتوقع اي شيء في هذا الاطار، داعياً الى عدم الالتفات الى الشائعات التي تصدر من هنا وهناك، مشيراً الى ان ارتفاع سعر الدولار مرتبط بالوضع السياسي. 

ويقول  الشامي: لدينا امل كبير بأن يوافق الصندوق على خطة لبنان، من هنا نحن نبذل كل ما في وسعنا لنجاح الخطة التي وضعناها حسب المتطلبات الاقتصادية والمالية للصندوق، وعلى الحكومة اللبنانية القيام بالاصلاحات الضرورية ان كان ذلك بطلب من الصندوق او لا. 

وعن المهلة التي تحتاجها المفاوضات مع الصندوق كي تظهر النتائج، يشدد الشامي على مواصلة العمل بشكل جدي، ويعتبر ان لا مهلة محددة للانتهاء من المفاوضات التي تعتمد على سرعة في تلبية الحكومة اللبنانية للمطلوب منها وعلى تجاوب المسؤولين في الصندوق لذلك، ولكن نسعى لكي تظهر النتائج في اسرع وقت ممكن. ويؤكد الشامي ان المفاوضات مع صندوق النقد تجري بناءً على الخطة التي وضعتها الحكومة الحالية مع الاستعانة ببعض بنود الخطة التي كانت وضعت من قبل الحكومة السابقة باعتبار ان هناك استمرارية، ولكنه يشير الى ان الارقام تغيّرت بشكل كبير منذ سنة ونصف السنة حتى اليوم. ويأمل نائب رئيس الحكومة الوصول بالمفاوضات الى خواتيم ايجابية، متمنياً ان تعقد هذه المفاوضات بين لبنان والمسؤولين بالصندوق وجهاً لوجه من خلال زيارة يقوم بها المسؤولون الدوليون الى لبنان خلال الاسابيع القليلة المقبلة لكي يتم اطلاعهم بشكل مباشر على تطورات الوضع الحالي.