تفاصيل الخبر

لقاء "الترويكا" الرئاسية في بعبدا يوم الاستقلال: "صورة" مريحة... من دون قرارات حاسمة!

24/11/2021
الاجتماع الثلاثي يوم الاستقلال بين الرؤساء ميشال عون ونبيه بري ونجيب ميقاتي.

الاجتماع الثلاثي يوم الاستقلال بين الرؤساء ميشال عون ونبيه بري ونجيب ميقاتي.


 في الشكل، كانت مريحة الصورة التي جمعت رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة  نجيب ميقاتي يوم عيد الاستقلال في قصر بعبدا بعدما شاركوا في العرض العسكري الرمزي الذي اقامته قيادة الجيش لمناسبة الذكرى الـــ 78 للاستقلال في وزارة الدفاع، والذي غادرها الرؤساء الثلاثة في سيارة الرئاسة الاولى الى القصر الجمهوري حيث اختلوا لساعة من الزمن. ومرد "الراحة" التي افرزتها الصورة أن الرؤساء الثلاثة كانوا يبتسمون في حوار ضاحك قصير امام عدسات المصورين لتبديد الانطباع الذي ساد على أن امكانية لقاء الرئيسين عون وبري مستحيلة بسبب الحملات المتبادلة التي سجلت بين الرجلين في الاسبوعين الماضيين، فأتى اللقاء لينهي قطيعة ابتدأت بعد ايام قليلة من تشكيل حكومة ميقاتي يوم حضر الرئيس بري الى قصر بعبدا للمشاركة في الصورة التقليدية.... وبعد ذلك "ما عاد دعس" ليحل التراشق الاعلامي بدلاً من التواصل المباشر. في الشكل اذن عاد الحوار المباشر بين الرؤساء الثلاثة من دون ان يعني ذلك عودة "الترويكا" لأن ظروف ولادة هذه "الترويكا" في عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي مختلفة كلياً. صحيح ان الوحيد الباقي من اركانها هو الرئيس بري، لكن لا الرئيس عون يشبه "ابو جورج"، ولا الرئيس ميقاتي يمكن مقارنته، بــ "ابو بهاء" الرئيس الشهيد الذي سقط لاسباب لم تعرف بعد وان كانت المحكمة الدولية الخاصة في لبنان اصدرت حكمها الغيابي على شخص اتهمته بتنفيذ الجريمة او على الاقل التخطيط  لها....

لكن السؤال الذي طرحته اكثر من جهة سياسية وديبلوماسية هل ان مفاعيل اللقاء الثلاثي ستبقى محصورة بــ "الصورة" من دون ان تكون هناك اي نتائج عملية مثل عودة مجلس الوزراء الى الانعقاد، وبت مسألة استقالة وزير الاعلام جورج قرداحي.... الواقع ان الانطباع الذي تركه لقاء الرؤساء عون وبري وميقاتي كان في الاجمال ايجابياً، من دون ان يعني ذلك ان اتفاقاً كامل الاوصاف امكن التوصل اليه بين الموجودين حول المواضيع الشائكة التي ظلت عملياً من دون حسم. فالمعلومات تشير الى انه في ما خص معاودة مجلس الوزراء الى الانعقاد دار نقاش صريح بين الرؤساء حول ان الظروف الراهنة باتت تفرض التئام المجلس لاسيما وان اللجان الوزارية اقرت العديد من الواضيع المدرجة على جدول اعمالها وبات الامر يتطلب عرضها على مجلس الوزراء، اضافة الى مباشرة درس مشروع موازنة العام 2022، ومسائل مالية اخرى، وتعيين لجنة الاشراف على الانتخابات، وتأمين نفقات الانتخابات كما اقترحتها وزارة الداخلية والبلديات بصرف النظر عن الموعد الذي سيستقر عليه تاريخ إجراء هذه الانتخابات، فضلاً عن ملء مراكز ديبلوماسية اساسية شاغرة وغيرها من المواضيع الملحة. لم يعترض احد من الرؤساء الثلاثة على ان مثل هذه المواضيع تحتاج الى عقد جلسات لمجلس الوزراء وليس جلسة واحدة، الامر الذي دفع الرئيس ميقاتي الى مصارحة الرئيسين عون وبري انه في صدد توجيه الدعوة الى عقد هذه الجلسة بعد عودته من زيارته الى روما والفاتيكان، على ان تكون الجلسة بعد عودة الرئيس عون من زيارته الى قطر حيث سيلبي دعوة اميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني للمشاركة في افتتاح بطولة كأس العرب " فيفا" 2021 التي تقام في الدوحة.


اقتراحات تهاوت

الا ان الرئيس بري لفت الرئيسين عون وميقاتي الى ان ظروف انعقاد مجلس الوزراء لم تنضج بعد، وانه من الصعب مشاركة وزراء "الثنائي الشيعي" الخمسة قبل معالجة "عقدة" المحقق العدلي القاضي طارق البيطار الذي يتهمه "الثنائي" بمخالفة الدستور من خلال ملاحقة الوزراء السابقين النواب علي حسن خليل وغازي زعيتر ونهاد المشنوق والوزير السابق يوسف فنيانوس على اساس ان مقاربة الادعاء على هؤلاء الوزراء السابقين هي من مسؤولية المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء في مجلس النواب المشكل من قضاة في اعلى مراتب القضاء ونواب، ويرأسه رئيس مجلس القضاء الاعلى الذي هو في الوقت نفسه رئيس المجلس العدلي. وفي سياق النقاش في هذه المسألة كان تشديد من الرئيس بري، وفق المعلومات ان لا تراجع عن هذا الموقف بالنسبة الى "الثنائي" الامر الذي طرح في البحث احتمالات عدة لم يستقر الرأي على اي واحد منها بشكل نهائي.  احد هذه الاحتمالات بأن يتنحى القاضي البيطار طوعاً من التحقيق علماً ان هذا الامر يرفضه القاضي المعني رفضاً قاطعاً لأنه يتناقض مع شخصيته وسلوكه المهني وكرامته الشخصية. اما الاحتمال الثاني الذي نوقش فتناول ضرورة بت محكمة التمييز في المخاصمة المقدمة بحق القاضي البيطار من الرئيس حسان دياب والنائب نهاد المشنوق على ان يكون التوجه "سحب" الشق المتعلق بالوزراء السابقين من ايدي القاضي البيطار واحالته الى مجلس النواب، على ان يستمر البيطار في التحقيقات من دون الوزراء والنواب الحاليين والسابقين لانتفاء الاختصاص. واستند النقاش حول هذا الاقتراح على النص الدستوري الذي يستحدث هيئة محاكمة الرؤساء والوزراء في المجلس. غير ان هذا الاحتمال اصطدم بأن محكمة التمييز لم تتمكن في جلستين متتاليتين من الفصل في هذا الموضوع نظراً للخلافات التي وقعت بين القضاة فيها الذين تناقشوا بحدة في حيثياتها.

وتضيف المعلومات ان الرئيس عون سأل الرئيس بري عن رأيه في الاحتمال الثالث وهو ان ينعقد مجلس النواب ويقرر تشكيل لجنة تحقيق برلمانية او يقرر تحريك هيئة محاكمة الرؤساء والوزراء لتضع يدها على الشق المتعلق بالوزراء السابقين، الامر الذي يؤدي عملياً الى توقف القاضي البيطار عن المضي في ملاحقة هؤلاء الوزراء، ويصبح ذلك من مسؤولية مجلس النواب. وفيما لم يكن الرئيس ميقاتي بعيداً عن تأييد مثل هذه الطرح، فوجىء الرئيسان عون وميقاتي بأن الرئيس بري لم يبد حماسة للاقتراح مبرراً ذلك بتوقع معارضة الكتلتين المسيحيتين في مجلس النواب، اي "تكتل لبنان القوي" و"القوات اللبنانية" مع احتمال غياب نوابهما عن الجلسة وتضامن نواب آخرين لاسيما من المستقلين فلا يتأمن النصاب القانوني لانعقاد الجلسة ويتكرس انقسام المجلس حول هذه المسألة مع بروز البعد الطائفي والمذهبي لها، لأن نواب "المستقبل" و "الثنائي الشيعي" سيؤيدون هذا الطرح فينفرز المجلس طائفياً وهو ما يرفضه بري بقوة. عند ذاك تدخل الرئيس عون قائلاً إنه يمكنه ان "يمون" على نواب "تكتل لبنان القوي" بالحضور لتأمين النصاب من دون تأييد القرار والامتناع عن التصويت، على ان تتوافر للقرار اكثرية معقولة. لكن بري فضل التريث قبل تحديد موقفه مكررا انه من الافضل ان تتم معالجة "عقدة" البيطار من خلال السلطة القضائية، اي محكمة التمييز ومجلس القضاء الاعلى، ما ابقى هذه المسألة معلقة لكن موضع درس.


 "عقدة" قرداحي... على حالها

مسألة اخرى لم يحسمها لقاء "الترويكا" الرئاسية، والمتمثلة بــ"عقدة" وزير الاعلام جورج قرداحي لاسيما وان استمرارها بات يهدد المصالح اللبنانية في عدد من دول الخليج وفي مقدمها السعودية، فضلاً عن تداعيات اخرى على صعيد العلاقة مع هذه الدول. وهنا ايضاً طرحت احتمالات عدة لكن ابرزها، احتمال يقضي بتجديد الطلب الى الوزير قرداحي ان يستقيل طوعاً بعد اقناع رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية بمثل هذه الخطوة. لكن هذا الاحتمال لم يعط فرصة كبيرة لان قرداحي نفسه كرر مراراً رفضه الاستقالة مقترحاً عقد جلسة لمجلس الوزراء تطرح فيها "قضيته" وتنتهي بمبادرته الى الاستقالة. غير ان انعقاد المجلس متعذر للأسباب المعروفة.

كذلك طرحت فكرة الاقالة فاستبعدت هي ايضاً لتعذر تحقيقها على ارض الواقع. ولم يتأكد الرؤساء الثلاثة من ان استقالة قرداحي يمكن ان تنهي الازمة مع السعودية وعدد من دول الخليج حيث برزت خشية من ان تستمر الاجراءات العقابية ضد لبنان بحجة ان ثمة من قال من المسؤولين السعوديين ولاسيما منهم وزير الخارجية فيصل بن فرحان، ان المسألة تتجاوز موقف قرداحي الى دور حزب الله في سيطرته على القرار الرسمي اللبناني وعلى معاداته للسعودية ودول الخليج من خلال تدخله في حرب اليمن وتداعياتها. وعندما اثيرت فكرة  طرح الموضوع على مجلس الوزراء - إن عقد - لم يبد الرئيس عون حماسة للاقتراح مفضلاً عدم اقحام مجلس الوزراء في هذه المسألة، لأنها نتجت من موقف فردي قاله قرداحي قبل ان يصبح وزيراً، ولم يصدر عن الحكومة او مجلس الوزراء حتى يأتي الموقف من المجلس، فالتصرف الفردي يعالج افرادياً وليس جماعياً ولا يتحمل مجلس الوزراء وزره، بل يبقى الامر من مسؤولية صاحب الموقف. وهكذا بقيت ايضاً "عقدة" قرداحي من دون حل وان كانت آراء اركان "الترويكا" الرئاسية التقت مع بعضها في معظم ما قيل في هذه المسألة.

في اي حال، اللقاء الثلاثي في عيد الاستقلال يمكن اعتباره منطلقاً لاستمرار التشاور بين الرؤساء الثلاثة علماً ان ثمة من يرى ان حل "عقدة" البيطار يسهل ايجاد تسوية لمسألة الوزير قرداحي عوضاً عن الاستمرار في الدوران في الحلقة المفرغة ذاتها خصوصاً ان الرئيس بري المعروف بأنه يخرج دائماً من سترته "أرانب" الحل، بدا صعباً عليه الوصول الى خيار نهائي، ما سوف يزيد من اسر الحكومة وان كان رئيسها ينوي الدعوة الى جلسة لمجلس الوزراء قد تنعقد في غياب وزراء "الثنائي الشيعي" ووزيري "المردة"، لكنها لن تنعقد حكماً اذا تضامن الوزير الذي يمثل النائب طلال ارسلان مع حليفه "الثنائي" وصديقه رئيس المردة، فيسقط النصاب وتطير الجلسة.... فأي من الخيارات سيعتمدها الرئيس ميقاتي ويستطيع ان يقنع شريكيه بها؟ السؤال في الآتي من الايام.... القريبة جداً.


الوزير جورج  قرداحي.

الوزير جورج قرداحي.

القاضي طارق  البيطار.

القاضي طارق البيطار.