تفاصيل الخبر

دمشق تعيد تفعيل وجودها السياسي في لبنان: توحيد البعث و"تعويم" حردان

24/11/2021
الرئيس بشار الأسد.

الرئيس بشار الأسد.


 انشغلت الأوساط السياسية اللبنانية في الأسبوعين الماضيين بحدثين تناولا حزبين من خط "الممانعة" قريبين جداً من سوريا، لا بل يعتبران الذراع المباشر لها، إذ لولا الوجود العسكري السوري في لبنان لما كانت لهما مشاركة في الحكومات اللبنانية التي تعاقبت بعد اتفاق الطائف، ولما كان حضورهما في مجلس النواب قد تفعّل طوال فترة الوجود السوري، ثم انحسر بعد الانسحاب العسكري والسياسي لسوريا من لبنان قبيل انشغال القيادة السورية بالحرب الداخلية ومحاربة الإرهاب. هذان الحزبان هما، حزب البعث العربي الاشتراكي (جناح سوريا) والحزب السوري القومي الاجتماعي، والقاسم المشترك بين الحزبين هو توالي الانقسامات داخل صفوفهما وولادة "انتفاضات" حزبية و"حركات تصحيحية" وغيرها من المسميات المشابهة.... وبدا واضحاً أن القيادة السياسية في سوريا عادت لتهتم بممثليها السياسيين في لبنان كما في السابق بعدما خف الضغط العسكري على الجبهات، لأسباب لم تتضح بعد، لكنها تحمل في طياتها الكثير من علامات استفهام من حيث التوقيت لاسيما وان "النفوذ" السوري في الحياة السياسية اللبنانية تراجع في الاعوام الماضية لاعتبارات مختلفة من دون أن ينعدم كلياً، ومن دون أن تنقطع العلاقات بين دمشق وحلفائها اللبنانيين علماً أن القيادة السورية كانت سلمت في وقت من الأوقات القرار في المسائل اللبنانية لحليفها الأبرز حزب الله، والروايات في هذا الصدد كثيرة لاسيما لجهة إحالة كل من كان يراجع الرئيس بشار الاسد في شأن لبناني، الى الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله الذي لعب دوراً كبيراً في مساعدة النظام السوري على تحرير مساحات واسعة من أراضيه وكان ظهير الجيش السوري واحياناً كان يتقدمه في مواقع عدة كانت تتطلب "حرب عصابات" لا يمتهنها الجيش النظامي بفعل تركيبته العسكرية وطبيعة تدريباته وعتاده في آن معاً.

توحيد البعث برئاسة حجازي....

لقد بدا واضحاً ان القيادة السورية أولت توحيد حزب البعث في لبنان اولوية بعد الانقسامات الحادة التي سجلت فيه والخلافات التي تحكمت بين المسؤولين فيه وعلى مستوى القاعدة ايضاً، فنظمت له مؤتمراً "توحيدياً" انتهى بتسمية الصحافي والمحلل السياسي علي يوسف حجازي اميناً قطرياً له. وتفيد المعلومات المتوافرة حول هذه الخطوة أن الرئيس الاسد وبصفته رئيساً للمجلس القومي للحزب (حل محل القيادة القومية المركزية التي اوجدها مؤسس الحزب التاريخي ميشال عفلق) وضع ثقله لانجاز عملية "التوحيد والتجديد" للامتداد السوري المباشر في النسيج الحزبي اللبناني (البعث) بعد اعوام من انعدام الوزن والغياب عن اي فعل، وبعد انقسامه الى ثلاث قيادات قطرية متنافسة إحداها بقيادة البعثي المخضرم (الوزير والنائب السابق) عاصم قانصوه والثانية بقيادة نعمان شلق وثالثة بين بين. فمن خلال توجيهات مباشرة من الاسد وجهت دعوة الى كل البعثيين اللبنانيين، على اختلاف انتماءاتهم وعلاقاتهم المتوترة بعضهم ببعض، للتوجه الى منتجع "صحارى" السياحي بالقرب من دمشق حيث عقدوا مؤتمراً قطرياً على مدى ثلاثة ايام اشرف عليه الامين العام المساعد للحزب في سوريا هلال هلال والسفير السوري في بيروت علي عبد الكريم علي. وانتهت اعمال هذا المؤتمر الى تسمية الامين القطري وقيادة قطرية من 12 عضواً معظمهم من وجوه جديدة، فيما ارضي القيادي البعثي المخضرم عاصم قانصوه بمنصب شرفي وهو ما اعتبره البعض "إبعاداً سلساً" للرجل. وبصرف النظر عن الملابسات والاجراءات التي لجأت اليها القيادة السورية لانجاز عملية "إحياء وتجديد" بعثها في لبنان، والذي تعود بدايات انتشاره الى منتصف الاربعينات من القرن الماضي وهي عملية احتاجت الى جهد استثنائي بسبب عمق الخلافات بين الاعضاء الذين تضاءلوا وانحسر وجودهم، فإن الأهم بقي حول اسباب الاهتمام المفاجىء بتوحيد الحزب في لبنان بعدما بقي لسنوات مشرذماً وعرضة للانقسام والتصارع الداخلي. وفي هذا السياق يعطي المقربون من دمشق في لبنان انطباعاً يؤشر الى أن عملية التوحيد هذه المرة "جادة" و"حازمة " لتفعيل الاطار السياسي لحزب البعث المرخص له في لبنان.

لذلك تم اختيار الصحافي حجازي الذي لم تكن له علاقات مباشرة مع القياديين البعثيين المختلفين بين بعضهم البعض ولم يشارك في "مناوشات" الانقساميين، لكن لديه حضور سياسي من خلال الاطلالات الاعلامية التي يكثر منها على مختلف المحطات التلفزيونية والإذاعية حيث يدافع بشراسة عن حزب الله ومحور "الممانعة" الى درجة ظن كثيرون أنه عضو في حزب الله، فيما هو عضو في حزب البعث وأصبح أمينه العام!.

ويروي المتابعون لعملية توحيد "البعث" أن العملية لم تتم من دون اعتراض الأمين العام القطري للحزب في لبنان نعمان شلق الذي سجل اعتراضاً ووجه رسالة الى الرئيس الاسد شكا فيها من "تدخل" السفير السوري في لبنان معتبراً أن ذلك "لا يخدم الحزب" لأن القيادة الجديدة ستكون مرتهنة له ، لكن اعتراض شلق لم يؤد الى تأجيل المؤتمر فلم يحضره وتضامن معه عدد من اعضاء القيادة القطرية، فيما حضر آخرون.... لكن القرار كان اتخذ وقيل إن إرادة الرئيس الأسد فرضت التوصل الى قيادة قطرية بالتعيين من دون انتخابات على رغم الاصوات التي خرجت معترضة، لكن ما كتب قد كتب، وتسلم حجازي الامانة العامة من القيادة السابقة بغياب شلق الذي كلف عضو القيادة فادي العلي انجاز عملية التسليم في مقر الحزب في رأس النبع في بيروت. وبذلك أصبح حزب البعث موحداً بعد انقسام داخلي استمر سنوات، ويبقى على القيادة الجديدة برئاسة حجازي أن تؤكد حضورها....

... وتعويم حردان في القومي

بالتزامن كان عمل القيادة السورية ناشطاً على خط توحيد الحزب السوري القومي الاجتماعي حيث تم تنظيم مؤتمر للحزب في ضهور الشوير قاطعه الجناح الآخر للحزب وشارك فيه نحو 220 عضواً، علماً أن أعداد الذين يحق لهم حضور اي مؤتمر من هذا النوع يتجاوز عادة 1300 عضو، وانتهى المؤتمر الى تسمية النائب اسعد حردان رئيساً للحزب على رغم أن الاخير كان تعهد في وقت سابق الا يترشح لاي منصب حزبي، بل يفسح في المجال امام الآخرين لتولي هذه المسؤولية، لكن القرار الذي صدر قضى بــ "تعويم" رئاسة حردان على أن يعمل على اعادة توحيد الحزب وإن كانت هذه المهمة تبدو للبعض صعبة بسبب الصراعات الداخلية التي تتحكم بالحزب، والخلافات بين المسؤولين فيه وكذلك في صفوف القاعدة.

في أي حال، يعتبر المراقبون أن حدثي توحيد حزب البعث بقيادة جديدة، وإعادة حردان رئيساً للحزب القومي، يؤشران الى أن دمشق أخذت قراراً بإعادة تفعيل حضورها السياسي في لبنان وتقوية دورها في المشهد السياسي اللبناني بعد غياب قسري فرضته الاحداث فيها. وثمة معلومات تناولتها وسائل اعلام عن أن القيادة السورية  شكلت أخيراً هيئة متخصصة بمتابعة الشأن اللبناني، وشرعت على الفور في إعادة وصل ما انقطع بينها وبين شخصيات ورموز وتجمعات ومراكز قوى في كل لبنان.

ولا ريب في أن دمشق تترجم بهذا الفعل "الإحيائي والتجديدي" عودة أولية الى الساحة اللبنانية ستأخذ مداها في قابل الأيام، لاسيما بعدما باتت تعتبر نفسها قوة تسمح لها بالتفكير بالعودة الى أداء دور اللاعب الاقليمي ولو تدريجاً بعدما أحالها اشتعال فتيل الأحداث فيها الى "ملعب للآخرين" وفق تعبير السياسي الراحل جان عبيد. ومن البديهي أن اوليات هذه العودة لا بد أن تكون من البوابة اللبنانية. وثمة من يعزو اسباب العودة الى بعض الانفتاح العربي على سوريا والحديث عن عودة مرتقبة لها الى الجامعة العربية، مصحوباً بحديث آخر فحواه أن ما من جهة بامكانها ضبط تناقضات الساحة اللبنانية الا سوريا. وبالطبع كان لا بد لسوريا التي لا تخفي رغبتها في العودة الى لعب دور في لبنان أن تنفي استهلالاً عن نفسها صفة العجز عن توحيد مرتكزات وجودها وحضورها في الساحة اللبنانية وفي مقدمها توحيد الحزبين الأقربين اليها وهما البعث والقومي السوري، او على الاقل إحياء دوريهما بشكل او بآخر.

النائب أسعد حردان.

النائب أسعد حردان.

الأمين القطري الجديد لحزب البعث علي حجازي.

الأمين القطري الجديد لحزب البعث علي حجازي.

النائب السابق عاصم قانصوه.

النائب السابق عاصم قانصوه.