تفاصيل الخبر

لا خطوات عملية من صندوق النقد الدولي قبل إنجاز الانتخابات النيابية في الربيع المقبل

24/11/2021
رئيسة صندوق النقد الدولي "كريستالينا جورجيفا".

رئيسة صندوق النقد الدولي "كريستالينا جورجيفا".


يحرص رئيس الحكومة نجيب ميقاتي على إبلاغ الوفود العربية والاجنبية التي تزور بيروت من حين الى آخر، أن حكومته ماضية في التحضير لبدء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي على البرنامج الذي سيعتمد للانطلاق بخطة التعافي الاقتصادي، وان اللجنة الوزارية التي يرئسها نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي تجتمع دورياً من اجل الاسراع في إعداد ورقة العمل اللبنانية التي نوقشت خطوطها العريضة مع عدد من الموظفين في الصندوق اتوا الى بيروت في رحلة استطلاعية من دون ان يكونوا مكلفين ببدء التفاوض بعد وفق الآليات التي يضعها الصندوق لهذه الغاية. الا ان تفاؤل الرئيس ميقاتي الذي عاد وكرره في لقائه مع الاتحاد العمالي العام بداية الاسبوع الحالي، يصطدم بواقعين، الاول بأن اي خطوة عملية من قبل الصندوق لن تكون ممكنة قبل انتهاء الانتخابات النيابية ومعرفة التركيبة التمثيلية الجديدة للشعب اللبناني في مجلس النواب وذلك انطلاقاً من ان الصندوق لا يمكنه ان يبرم اتفاقيات تلزمه مع سلطة انتقالية تتمثل بحكومة سوف تعتبر مستقيلة بحكم الدستور بعد بدء ولاية مجلس النواب الجديد. اما الواقع الثاني ان الثقة بما يسمى "المنظومة" السياسية الراهنة لا تزال ضعيفة لا بل شبه مفقودة وهذا يعني عملياً ان اي طرف خارجي سيمتنع عن تقديم مساعدات للدولة او للحكومة الحالية، كما سيتردد الى حد التوقف عن تمويل اي مشاريع استثمارية واصلاحية خوفاً من ان تستعمل هذه "المنظومة" المال المقدم لها في غير المكان المناسب او ان يذهب كله او قسم منه كما ذهبت اموال اخرى دفعت للبنان ولم تتحقق فيها المشاريع التي خصصت لها.

حيال هذا الوضع تبدي مصادر متابعة قلقها من ان يستمر البحث التحضيري يدور في حلقة مفرغة لاضاعة الوقت ريثما تتم الانتخابات النيابية ويتوضح المشهد السياسي المقبل للبلاد، لاسيما وان هذه المصادر قالت انه ليست هناك من مؤشرات على تقدم في المفاوضات مع صندوق النقد وان كل ما تردد عن انجاز اتفاق معه قبل نهاية السنة الجارية ليس سوى مبالغات، مكررة الملام عن انه لن يسمح بالوصول الى اتفاق مع صندوق النقد قبل موعد الانتخابات على ان يكون التنفيذ بعد ذلك. وفي هذا السياق قال مسؤول في الصندوق في معرض مراجعته حول آلية العمل إن الاتفاق ليس ممكناً مع "سلطة انتقالية". ويبدو ان الادارة الاميركية ليست بعيدة عن هذا التوجه، اذ سبق ان ردد اكثر من مسؤول اميركي التقى مسؤولين لبنانيين كلاماً مماثلاً مضيفاً اليه "لمسات سياسية" من مثل التساؤل عن دور حزب الله في العمل الحكومي من جهة، وفي عرقلة البرنامج الاصلاحي من جهة ثانية، او عن موقفه من بعض الاجراءات غير الشعبية التي قد تتخذها الحكومة في اطار موجبات البرنامج الاصلاحي الذي ستعتمده الحكومة في مرحلة لاحقة. وفي هذا الاطار اظهر وفد الكونغرس الاميركي الذي زار لبنان نهاية الاسبوع الماضي بعض القلق مما سمي "وضع العصي في دواليب الحكومة الميقاتية لمنعها من الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على برنامج يرتب موجبات لا تجد ترحيباً لدى حزب الله وفريق الحلفاء الذي يجاريه في توجهاته". وكانت للدعوات التي اطلقها  الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله للتوجه شرقاً، الى الصين وايران وغيرهما، عوضاً عن الاستمرار في مراعاة الغرب والاتكال على دوله، صدى غير مريح لدى الجانب الاميركي ما دفع بالمسؤولين اللبنانيين الى التأكيد بأن لبنان ينظر الى دول الغرب كدول صديقة ويتوقع منها دعما مباشراً وقوياً سواء من خلال صندوق النقد الدولي او البنك الدولي، او الهيئات الاوروبية الممولة ومنها البنك الاوروبي للاستثمار.


نحو برنامج إصلاحي شامل

وفي الحديث عن عمل صندوق النقد الدولي، توقفت مصادر متابعة من ان المسؤولين اللبنانيين لم يدركوا بعد  المنهجية التي يعتمدها الصندوق على رغم ان لبنان يخوض مع الصندوق تجربة تتزامن مع انهيار اقتصادي ومالي غير مسبوق يمر به. واشارت هذه المصادر الى كلام ردده مدير دائرة الشرق الاوسط وشمال افريقيا وآسيا الوسطى في الصندوق وزير المال السابق جهاد ازعور من ان حجم الازمة التي وصل اليها لبنان بلغ حداً كبيراً، كاشفاً عن ان الهدف من اي برنامج دعم مرتقب مع لبنان يجب ان ينطلق من الواقع اولاً اي من التطورات الاقتصادية والاجتماعية وان يبنى على برنامج اصلاحي شامل يعالج المشاكل المزمنة القائمة والمتجددة مثل تداعيات جائحة "كورونا" وان يعالج الوضعين المالي والمصرفي كمدخل للاستقرار الاقتصادي والنهوض، واستعادة ثقة المستثمرين بعد التراجع الكبير بالوضع المالي والمستويات غير المسبوقة للاسعار والتضخم وضعف الاقتصاد. ولا ينفي ازعور ان اي برنامج على المدى القصير ستكون له كلفة يجب تقليصها ويجب ان تكون هناك مثابرة ومواكبة وبناء ثقة، ما يفرض بالتالي توافر رؤية واضحة وتصور تضعه الحكومة للخروج من الازمة.

والملفت ان ازعور  لا يضع مهلاً زمنية لأي برنامج، لكنه لا يخفي الحاجة الى العمل الدؤوب والاتفاق على سياسة واحدة تخرج البلد من ازمته، وتأمين استمراره على المدى المتوسط لأن اي عمل غير هادف يكون اكثر كلفة وتأثيره محدوداً بحيث لا يحقق الهدف منه. ويوضح ان هناك دولاً وصلت الى اوضاع متردية جداً وباتت كلفة المعالجة مرتفعة ايضاً، ولبنان من هذه الدول. وكلما تأخرت المعالجة اصبحت الكلفة اكبر. ولهذا ربما ينظر البعض الى اول آليات المعالجة بأنها موجعة، ولا يرى اهمية التركيز على الا يدفع المواطن الذي يشكل النقطة الاصعب في النقاش مع الحكومات لأن هذا الامر ليس مجدياً بالنسبة اليها في السياسة. ونحن نركز مع كل الدول في المنطقة على هذه المسألة من اجل تأمين شبكة حماية للاكثر فقراً.

ويبدي ازعور حرصاً على التمييز بين البرامج وفق خصوصية كل بلد. فالبرامج ليست كلها برامج تمويلية، بل ثمة برامج اصلاحية تساعد الدول على تعزيز قدراتها على الاصلاح، او على الصمود كما حصل مع المغرب، حيث البرنامج لم يكن تمويلياً والهدف هنا يصبح اهم من التمويل. وثمة برامج توضع لمساعدة دول على اعفائها من ديونها كما حصل مع السودان. لكن الاهم في رأيه هو تعاطي الدول مع البرنامج على انه جزء من كل، اي يعالج جزءاً من المشكلة او الازمة ولكن لا يملك الحل الكامل، حيث يتشارك في الحلول الحكومات والقرارات المحلية او منظمات دولية اخرى مثل البنك الدولي او المؤسسات والدول المانحة وايضا القطاع الخاص لكن اهمية توقيع الصندوق انه يعطي الاشارة الى المستثمرين او المانحين ان عملية الخروج من الازمة بدأت ويكون محفزاً لتسريع الاصلاحات. والدول التي نجحت في برامجها هي تلك التي تعاملت معها كإطار محفز وكجزء وضع لتقييدها. فهدف البرامج برأي ازعور ليس ضمانة للخارج بل ضمانة للداخل. وتتخطى البرامج في رأيه الحكومات بحيث يشمل التواصل المجتمع المدني والبرلمانات والاعلام. وهذا الكلام يقود الى خلاصة ان مسؤولية البرنامج هي مسؤولية مشتركة في الاعداد والكتابة والصياغة والمقترحات تنطلق من اولويات كل دولة،  ومن التحديد الواضح لاهدافها التي تطلب على اساسها المساعدة الدولية، ولما تحتاج اليه لتحقيق تلك الاهداف، التي يصر مسؤولو الصندوق دائماً على التذكير بها، وهي تأمين الاستقرار الاقتصادي ومعالجة ازمات المديونية لتأمين النمو المستدام.

وتؤكد مصادر متابعة لمسار التفاوض مع صندوق النقد الدولي ان الكرة اليوم في مرمى الحكومة اللبنانية التي يفترض ان تحدد اولوياتها واهدافها، لأن اي برنامج بأهداف تمويلية لن يكون متاحاً ما لم يقترن برؤية واضحة وهادفة تضع البلاد على سكة التعافي، وهي حتى الآن لم تتبلور ملامحها. ذلك ان كل الكلام المتصل بالبرنامج مع الصندوق لا يزال يدور في مربع توحيد الخسائر المالية منطلقاً للتفاوض. ومع اعلان رئيس الحكومة قبل ايام ان هذا الامر تم وعاد واكده امس رئيس لجنة المال والموازنة النيابية النائب ابراهيم كنعان فإن الخطوة المقبلة المنتظرة يجب ان تتمثل بإعلان الرؤية الحكومية عبر خطة متكاملة تخوض على اساسها المفاوضات وصولاً الى صياغة البرنامج.


وفد الكونغرس الأميركي عند الرئيس نجيب ميقاتي.

وفد الكونغرس الأميركي عند الرئيس نجيب ميقاتي.

مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى في صندوق النقد الوزير السابق جهاد أزعور.

مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى في صندوق النقد الوزير السابق جهاد أزعور.