تفاصيل الخبر

... خالَني لهُ عبداً!

بقلم كوزيت كرم الأندري
17/11/2021
كوزيت كرم الأندري

كوزيت كرم الأندري


  لعلّ الخطيئة الكبرى التي اقترفتها في حقّكما، دال وهلي، هي أنني أجبرتكما، (غصباً عني) على الالتحاق بالمدرسة، مُطلق مدرسة. لذا جئت أعتذر منكما، أمام الجميع، علّني أريح ضميري تجاهكما. فلطالما كذبت عليكما، وأقنعتكما بما لست مقتنعة به.

 المدرسة سجن. نعم. سجنٌ تطول فصوله. والمنهج الذي تنكبّون على دراسته عفِنٌ...عفِنْ، ولن توظّفوا أكثر من خمسة في المئة من كل تلك المعلومات التي يَحشون رأسَيكُما بها.

 "مَن علّمني حرفاً كنت له عبداً"؟ لا. لستما عبدَين لأحد، وإن اعتقدَت بعض المدرِّسات - غير السَويّات - أن "من علّمني حرفاً صرت له عبداً"!

  "قُم للمعلم وفِّه التبجيلا، كاد المعلم أن يكون رسولا"؟ لا. حتماً لا. فنحن لسنا من هواة التبجيل، حتى لربّنا الذي خلقنا. نحن نؤمن بعلاقة صحيّة، متوازنة، ودّيّة، ندّيّة، لا تقوم على التفخيم والتعظيم والتهليل والتبجيل. أما الرُّسُل، فقد ولّى زمنهم، وبتنا في زمن الأقزام عموماً...

 دال وهلي،

 كذبْتُ عليكُما حين قلت لكما إن المعلمة تنوب عنّي في غيابي. فاتني أن قلّة منهنّ لا يزلن يمارسن هذه المهنة كرسالة، فتَجِدانَهُنّ مُربّيات مُتفانيات، لا مجرّد موظّفات ينتظرن "تأسة" الصرّاف الآليATM  في نهاية الشهر... 

 لم أقل لكما إن العُريّ الأخلاقي، الذي يطال أي فرد من أفراد المعمورة، قد يطال المعلّمة أيضاً، وإن أقوالها وأفعالها تَضِلُّ أحياناً طريقها إلى نواياها. ولم أقل لكما، كذلك، إن بعض المعلّمات، كسِواهنّ من نساء المجتمع، يتصفّحن ضد التطوّر، فتتقيّح في رؤوسهن الأفكار البالية. لذا ستُضطرّان، مراراً، إلى الدفاع عن البديهيات الإنسانية. فإن مأساتنا، كما تقول الرائعة غادة السمان، هي الخروج من مجتمع بدائي إلى مجتمع عصري من دون المرور بمرحلة الحضارة! 

 قلت لكما إن المدرسة خرّجت كُتّاباً وأطباءً ومحامين ومبدعين ولامعين في المجالات شتّى. لكنني أخفيت عنكما أنها خرّجت أيضاً معقّدين وتائهين وفاشلين ومجروحين ومكسورين ومنطفئين. فكما يبني المعلّم، بإمكانه أيضاً أن يهدم...

 اليوم، قرّرت أن أستقيل من دور الأم المسالمة لأقول لكما:

 السّاكت عن الحق كالناطق بالباطل، ومن الرفض تولدُ الأشياء. فحَرِيٌّ بكما أن تتمرّنا، منذ الآن، على أن الحرية اقتحام ومعاناة، كي لا ييبس في عروقِكُما الكبرياء. من يضرب أحدَكُما على خدّه الأيمن، مجازاً وواقعاً، فليصفَعْه على خدّه الأيسر. لم يعد من مكانٍ للطيّبين في هذا العالم المتوحّش. إن لم تكونا ذئبَين... أكلتكُما الذئاب.

 سيبقى إعجابي بكما المُضادّ الحيويّ، وحُبي لكما المخزون العاطفيّ ضد مطاحنات هذا الكوكب المجنون. ثِقا بأن لغضبي أظافر، إن طالت خرمَشت كل ما ومن يشكّل خطراً على صحّتِكُما النفسية قبل الجسدية. 

 أما بديلُ المدرسة، لا سيّما كما نعرفها في لبنان، فلا بدَّ أن يكون موجوداً في رأس عبقريٍ ما لم يولد بعد، وأنا مُعجبة به سلفاً، على أن يكونَ دستورُ التعليم فيها مبنياً على التشجيع. ثم التشجيع. ثم التشجيع. وعلى أن يكونَ العلاجُ فيها، دائماً وأبداً، بالحب. ثم الحب. ثم الحب.