تفاصيل الخبر

"عقدة" قرداحي في طريق الحل بالاستقالة والفصل بين دور القضاء ومجلس النواب يحيي الحكومة

17/11/2021
الرئيس ميشال عون يستضيف السفراء الثلاثة فوزي كبارة وميلاد نمور وهادي هاشم.

الرئيس ميشال عون يستضيف السفراء الثلاثة فوزي كبارة وميلاد نمور وهادي هاشم.


 هل دخلت الأزمة في لبنان مسار الحل، ولو على مراحل، أم أن المسألة متجهة الى مزيد من التعقيد لاسيما مع المملكة العربية السعودية وعدد من دول الخليج؟ هذا السؤال شغل الأوساط السياسية والديبلوماسية على حد سواء مع بروز مؤشرات ايجابية حيناً وسلبية احياناً، الأمر الذي جعل التناقض يحمل تارة هبة باردة وتارة أخرى هبة ساخنة ما أوحى بأن ثمة محاولات جدية للخروج من النفق تقابلها محاولات أخرى للبقاء فيه. إلا أن الأكيد أنه من غير الممكن أن يستمر الوضع على ما هو عليه، في وقت يزداد التدهور الاقتصادي مع ارتفاع اسعار السلع الاستهلاكية والدواء وتعالي صرخات الاحتجاج التي صحيح انها لم تترجم بعد تحركات شعبية واسعة، لكن الصحيح ايضاً ان الاحتقان يزداد يوماً بعد يوم والخوف كل الخوف من انفجار قريب يطيح بما تبقى.

المؤشرات الايجابية التي لاحت هذا الاسبوع توزعت على محورين، الاول "عقدة" وزير الاعلام جورج قرداحي الذي كانت تصريحاته قبل توزيره عن "الحرب العبثية" في اليمن سبباً لقطيعة خليجية من السعودية والكويت والامارات والبحرين، والمحور الثاني "عقدة" المحقق العدلي في جريمة مرفأ بيروت القاضي طارق بيطار التي انعكست سلباً على جلسات مجلس الوزراء فأبقتها مجمدة بطلب من "الثنائي الشيعي" الذي ربط استئناف جلسات الحكومة بايجاد حل لما سمي "تجاوزات" القاضي بيطار في مسألة الادعاء على وزراء سابقين بتهمة الاهمال والقصد الاحتمالي ما تسبب بوقوع كارثة المرفأ.

"عقدة" قرداحي... والاستقالة

 في "العقدة" الاولى حملت الايام الماضية اشارات عن خطوة سيتخذها الوزير قرداحي قد تضع تردي العلاقات مع دول الخليج على طريق الحل، ذلك انه صارح عدداً من المقربين منه انه بات على قناعة بضرورة خروجه من الحكومة للافساح في المجال امام الوساطات مع دول الخليج بعدما اتضح ان السعودية خصوصاً لن تقبل بأي وساطة، عربية كانت ام اجنبية، ما لم يستقل قرداحي وتقدم الحكومة اللبنانية اعتذاراً عما سببته مواقفه من "اساءة " الى المملكة وشعبها. ويبدو ان قرداحي ادرك ان الاستمرار على موقفه الرافض للاستقالة قبل الحصول على "ضمانات" بالعودة عن الاجراءات التي اتخذت ضد لبنان حكومة وشعباً لن يؤدي الى اي نتيجة، لا بل ستزداد الامور تعقيداً لاسيما بعد المعطيات التي عاد بها سفراء لبنان المبعدين من السعودية فوزي كبارة ومن البحرين ميلاد نمور ومن الكويت هادي هاشم والتي وضعوها امام رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قبل ايام خلال لقاء جمع الديبلوماسيين الثلاثة في قصر بعبدا. لقد نقل الديبلوماسيون الثلاثة معلومات وصفت بــ "الخطيرة" عن اجراءات تعتزم الدول الثلاث اتخاذها بحق لبنان واللبنانيين اذا لم تتم معالجة الازمة الراهنة بشكل سريع، قد تصل الى "ابعاد" بعض اللبنانيين ووقف الرحلات الجوية ورفض استقبال الانتاج اللبناني الزراعي والصناعي ووقف التحويلات المالية المباشرة وغير المباشرة وغيرها من الاجراءات "القاسية" الاخرى. وينقل مطلعون على موقف قرداحي انه بات يشعر بثقل المسؤولية التي سببتها مواقفه ورفضه الاستقالة لاسيما اذا ما وضعت الاجراءات "الزجرية" موضع التنفيذ. 

ولعل ما ترك اثراً عميقاً لدى قرداحي، ما ورد في عظة  البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي يوم الاحد الماضي خلال قداس الاحد عندما قال ان ثمة تلكؤاً لدى المسؤولين في معالجة الازمة الحادة مع دول الخليج وان استنزاف الوقت  "يدخلنا في ازمة استنزاف اقتصادية ومعيشية تصعب الحل ما يضر بمصالح مئات الوف اللبنانيين ومصالح التجار والصناعيين والمزارعين وقطاعات لبنانية اخرى". وزاد في ما يشبه الرسالة المباشرة الى قرداحي والفريق الذي يؤيده، ان حل هذه الازمة بشجاعة وطنية "لا يمس كرامة لبنان، بل ان تعريض اللبنانيين للطرد والبطالة والفقر والعوز والعزلة العربية هو ما يمس بالكرامة والسيادة والعنفوان(....) الكرامة ليست مرتبطة بالعناد انما بالحكمة وبطيب العلاقات مع كل الدول وخاصة دول الخليج الشقيقة ذلك ان دورها تجاه لبنان كان ايجابياً وموحداً وسلمياً لا سلبياً، ولا تقسيمياً وعسكرياً. ولا يحق لاي طرف ان يفرض ارادته على سائر اللبنانيين ويضرب علاقات لبنان مع العالم ويعطل عمل الحكومة ويشل دور القضاء ويخلق اجواء تهديد ووعيد في المجتمع اللبناني، ولا يحق بالمقابل للمسؤولين، كل المسؤولين، ان يتفرجوا على كل ذلك ويرجوا موافقة هذا الفريق وذاك. هذا هو فقدان الكرامة وهذا هو الذل بعينه...".

 لقد بدا واضحاً ان البطريرك الراعي لم يقصد بكلامه الوزير قرداحي فقط، بل كذلك حزب لله وامينه العام السيد حسن نصر الله، وقيادات عدة في الحزب الذين وقفوا الى جانب قرداحي في موقفه، على خلفية الخلاف المستحكم بين الحزب والسعودية. لكن قرداحي قرأ في الكلام البطريركي اكثر من لوم وعتب، بل تحميله مسؤولية مباشرة عما يمكن ان يحصل للبنان واللبنانيين في دول الخليج نتيجة مواقفه. واسر قرداحي الى قريبين منه ان قدرته على الاحتمال بدأت تتراجع وانه لن يقبل ان يعرض مصير لبنانيي الخليج للخطر، ولا مصالح لبنان الاقتصادية والتجارية في الظروف المتردية التي يعيشها لبنان راهناً. وعليه فإن خياره بالاستقالة لا رجوع عنه انما ما يهمه هو "المخرج" المناسب لهذه الاستقالة مع "ضمان" الا تذهب هباء منثوراً اذا لم تقترن بتراجع المملكة عن الاجراءات التي اتخذتها ضد لبنان. وهو لأجل ذلك باشر سلسلة اتصالات مع المعنيين لاسيما رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية الذي سماه في الحكومة وزيراً للاعلام، وعدد من المعنيين في حزب الله. وتشير المعلومات الى ان الوصول الى "المخرج" المطلوب سيقود حتماً الى نهاية "العقدة القرداحية" لبنانياً على الاقل في انتظار معرفة ما ستكون عليه ردود فعل السعودية والدول الخليجية الاخرى ويبدو ان لبنان الرسمي تلقى اشارات بأن تعطيل "عقدة" قرداحي ونزع الفتيل سوف يسهلان على "الوسطاء" مهمة اقناع الخليجيين باعادة النظر في مواقفهم من الحكومة اللبنانية من دون ان يعني ذلك تبديلاً في الموقف من حزب الله الذي سوف تستمر "الحرب الخليجية" ضده لاسيما بعد الوصف الذي يطلق على الحزب بأنه "ارهابي". وفي تقدير المطلعين ان مسألة حل "عقدة" قرداحي باتت مسألة ايام قليلة قد لا تتجاوز نهاية هذا الاسبوع فيقدم قرداحي "هدية" الى اللبنانيين مع ذكرى عيد الاستقلال الذي يحل الاثنين المقبل.

الفصل بين السلطتين التشريعية والقضائية

اما بالنسبة الى "عقدة" القاضي بيطار التي يؤدي حلها الى عودة الحياة الى مجلس الوزراء، فالاتجاه الى ان تكون من ضمن المؤسسة القضائية من خلال فصل مسألة الادعاء على الوزراء والنواب عن التحقيق العدلي وايداعها مجلس النواب من خلال تولي المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء مهمة "محاكمة" النواب علي حسن خليل وغازي زعيتر ونهاد المشنوق والوزير السابق يوسف فنيانوس بعد تشكيل لجنة تحقيق برلمانية، فيما يستمر القاضي بيطار في تحقيقاته مع غير هؤلاء من المتهمين بالتقصير او الاهمال من موظفين او مدنيين ساهموا من خلال اهمالهم في حصول الكارثة في المرفأ. وهذا "المخرج" يعني ان لا مساس بدور المحقق العدلي في التحقيق من جهة، ولا مخالفة للدستور في تجاوز دور المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء المؤلف من كبار القضاة وعدد من النواب من جهة اخرى، وبذلك يكون احترام دور السلطة القضائية مؤمناً، وكذلك دور السلطة التشريعية مؤمناً ايضاً انطلاقاً من مبدأ الفصل بين السلطات وتعاونها المنصوص عنه في الدستور ومندرجاته. وفي هذا السياق، تقول مراجع حكومية معنية ان الوصول الى هذا الحل يحفظ هيبة القضاء من جهة، ودور مجلس النواب من جهة ثانية وتكون "إزاحة" القاضي بيطار جزئية وليست كلية كما كان يريد البعض ويشكل بذلك الحل الوسطي مكسباً للجميع بدلاً من ان تبقى الخسارة محصورة في مكان واحد...

لكن السؤال: هل يعني ما تقدم من حل للعقدتين مقايضة بين رأس قرداحي ورأس بيطار؟ تسارع المصادر الحكومية الى رفض هذه المقولة جملة وتفصيلاً، وتعتبر ان الوصول الى هذا الحل المزدوج انتصاراً للعدالة من جهة، ولديمومة العمل الحكومي من جهة اخرى، اي ان الحل المزدوج "ينقذ" الحكومة من الاستمرار في حالة المراوحة التي جعلتها حكومة "لا معلقة ولا مطلقة"، وينقذ ايضاً العلاقات اللبنانية الخليجية من مصيرها المحتوم مع ما يحمل هذا المصير من انعكاسات سلبية على لبنانيي الخليج وعلى الاوضاع الاقتصادية الآخذة بالتردي مع اقتراب موعد الارتطام الذي يحذر الجميع من وقوعه!.

البطريرك بشارة الراعي يلقي عظة الأحد الماضي.

البطريرك بشارة الراعي يلقي عظة الأحد الماضي.

الوزير جورج  قرداحي.

الوزير جورج قرداحي.