تفاصيل الخبر

"لقاء الأقطاب" الموارنة في بكركي دونه عقبات سياسية وأمنية قد تطيح به....

17/11/2021
صورة من الأرشيف للقاء الأقطاب الموارنة مع البطريرك بشارة الراعي في بكركي.

صورة من الأرشيف للقاء الأقطاب الموارنة مع البطريرك بشارة الراعي في بكركي.


 الجو الذي أشاعه النائب فريد هيكل الخازن الأسبوع الماضي، عن توجه لدى البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي لجمع الاقطاب الموارنة في بكركي للحد من الخلافات القائمة بينهم والتي انعكست سلباً على جميع الموارنة الى اي طرف حزبي انتموا، لم يجد بعد الصدى المطلوب لدى القيادات المارونية التي تعمد بعضها تجاهل ما قاله النائب الخازن، فيما "انشغل" البعض الآخر في حسابات داخلية واجراءات تنظيمية، ما اوحى ان لا رغبة واضحة في التجاوب مع المبادرة البطريركية لاسيما مع اقتراب موعد افتتاح الموسم الانتخابي النيابي، حيث إن لكل فريق ماروني حساباته الخاصة وتحالفاته المرتقبة، اضافة الى شعارات يرفعها يتناقض بعضها مع البعض الاخر. صحيح ان ثمة من يقول إن البطريرك منهمك الآن في معالجة ذيول احداث الطيونة- عين الرمانة- على ان يتفرغ بعد ذلك الى التحضير بفعالية لــ "لقاء الاقطاب" لكن الصحيح ايضاً ان البطريرك يدرك في قرارة نفسه ان محاولته المرتقبة لتبريد الاجواء على الساحة المسيحية بعد طول احتقان دونها الكثير من العقبات المعلن منها والمستتر لذلك فهو بفضل التريث في اطلاق مبادرة "لم الشمل" المسيحي من جديد خوفاً من تعثرها كما حصل سابقاً نظراً لما يترتب عن مثل هذا التعثر من تداعيات في الشارع المسيحي المحتقن لاسيما من "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر" وبين الأخير وتيار "المردة" وإن كانت نسبة الاحتقان اقل حدة.

وفي هذا السياق، تتحدث مراجع مطلعة على موقف بكركي ان العقبات التي تواجه سعي البطريرك لــ "لقاء الاقطاب" موزعة على الاطراف المدعوين كافة. ذلك ان رئيس "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع يتحدث عن "عقبة امنية" قد تحول دون انتقاله في موعد معلن مسبقاً الى بكركي لأنه يتخذ اعلى درجات الحيطة والحذر خصوصاً بعد احداث عين الرمانة  وارتفاع منسوب التهديدات العلنية والمستترة التي يتلقاها واخطرها الحديث عن "الأخذ بالثأر". وهو ابلغ من يعمل على عقد مثل هذا الاجتماع الى انه يمكن ان يتغيب عنه للاعتبارات الامنية، وان كان ثمة من يرى ان "الحكيم" يأخذ من العائق الامني حجة لعدم اللقاء برئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل بعد القطيعة القوية التي حصلت بين الرجلين على اثر المواقف العالية النبرة التي صدرت عن كل منهما في اكثر من مناسبة، ولم تنفع المحاولات التي بذلت لاصلاح ذات البين بين الرجلين ما اجهض كل محاولة لجمعهما في "مكان محايد" مثل بكركي او في احد اديرة الرهبانية المارونية اللبنانية التي يتواصل عدد من رهبانها بالطرفين لهذه الغاية. ويتحدث بعض المتابعين لهذا الملف عن "شروط" وضعها جعجع للقاء باسيل من مثل عدم الحديث خلال اللقاء عن التحالفات السياسية المرتقبة في الانتخابات النيابية، في مقابل "شروط" اخرى من باسيل تركز على ضرورة عدم فتح صفحة الماضي، والولوج مباشرة الى الحاضر وكيفية التعاطي راهناً ومستقبلاً في الشأن المسيحي خصوصاً، والشأن الوطني عموماً.

وبرزت خلال الاتصالات، عقبة سياسية تتمثل بكون رئيس حزب الكتائب النائب المستقيل سامي الجميل الذي يفترض ان يمثل هو الكتائب في "لقاء الاقطاب" وليس والده الرئيس امين الجميل كما حصل في لقاءات سابقة، يحاول ان يغرد خارج سرب الاصطفافات السياسية ويقدم نفسه معارضاً قوياً لـــ "المنظومة" السياسية التي كان حزبه لسنوات خلت جزءاً منها... لا بل اكثر من ذلك، فإن توجهات حزب الكتائب في المرحلة الراهنة تنحو صوب "المنتفضين" وممثلي المجتمع المدني وما يصطلح على تسميته بــ "الحراك الشعبي"، وهو- اي الجميل الابن- نسج علاقات مباشرة مع عدد من الوجوه "الثورية" وفتح اثير اذاعة حزب (صوت لبنان) لــ "الثوار" والمنتفضين والرافضين للمجموعات السياسية التقليدية. لقد عبر النائب المستقيل الجميل في اكثر من مناسبة على ان حزبه ليس في وارد التحالف مع الزعامات التقليدية التي يحملها مسؤولية تدهور الاوضاع في البلاد، ويتهمها بأنها شكلت رأس حربة في مواجهة "الاصلاحيين والتغييرين" الحقيقيين، لذلك فهو ليس في وارد الدخول في اي لقاء يمكن ان يسفر عن طي صفحة الماضي والتزام شعار "عفا الله عما مضى" وغيرها من النقاط التي يعتبرها  "تسووية" ولا تلقى من الشارع المسيحي اي دعم، حسب مفهومه هو ووفق قراءته لمزاج المسيحيين في هذه المرحلة. ولعل المواقف التي اطلقها خلال جولته الاخيرة على عدد من الدول حيث الانتشار اللبناني له تأثيره، ابلغ دليل على رغبته في ان يبقى خارج الاطار التقليدي في التحالفات الانتخابية المرتقبة.

"عداء" باسيل وفرنجية 

عقبة اخرى، يتحدث عنها المتابعون للمسعى البطريركي تكمن في جمع رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل بزعيم تيار "المردة " سليمان فرنجية حيث بلغ العداء بين الرجلين حداً لا يوصف على رغم انهما في المسائل الاستراتيجية، يلتقيان في خط واحد، هو خط الممانعة حيث التواصل دائم بين كل منهما مع قيادة حزب الله المتهمة بالتنسيق الدائم مع دمشق وطهران في ما يخص بالتطورات اللبنانية. وقد انتقل هذا العداء- وان كان بنسبة اقل حدة- الى العلاقة بين زعيم "المردة" ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي لا يتردد "سليمان بك" بالتهجم عليه واطلاق النعوت والتوصيفات التي لا تليق بحليفين سابقين من جهة، وبزعيمين مارونيين من جهة اخرى. ولا ينفع البحث عن اسباب هذا التباعد، ولا تبادل  الاتهامات واللوم، فكل من الرجلين لم يقصر بحق الاخر ما جعل امكانية جمعهما على طاولة واحدة صعبة المنال، ولأن البطريرك الراعي يدرك كل هذه المعطيات فهو آثر عدم الاقدام على مغامرة جمع باسيل بفرنجية اذا لم تتوافر الاجواء المناسبة لذلك،  بحيث ينتج عن هذه  "الجمعة" مصالحة ما او هدنة في حدها الادنى على الاقل. وتؤكد المصادر المتابعة ان فرنجية المتضايق مما حصل مع احد ممثليه في الحكومة وزير الاعلام جورج قرداحي، يحاول بالتنسيق مع الرئيس نبيه بري ايجاد مخرج يحفظ كرامة ممثله في الحكومة من جهة، وتفادي حلول الاسوأ على اللبنانيين المقيمين منهم والمنتشرين في دول الخليج.

في اي حال، محاولة البطريرك الراعي تنظيم "لقاء الاقطاب" ليست الاولى، ذلك انه بعد انتخابه وتسلمه السدة البطريركية المارونية في 25 آذار (مارس) 2011، عمل الراعي على توحيد الصف المسيحي وانشأ لجاناً تختص بقانون الانتخاب وبيع اراضي المسيحيين واخرى تهتم بالديموغرافيا والانتشار، واتى من بعدها لقاء الاقطاب الموارنة الاربعة الذي ضم في حينه الى جعجع وفرنجية، الرئيس امين الجميل والرئيس ميشال عون. اما اليوم فثمة تغيير في وجهين من وجوه الاقطاب، النائب باسيل (مكان الرئيس عون) والنائب المستقيل سامي الجميل مكان والده، اي ان توجهات باسيل والجميل الابن ليست مماثلة لتوجهات الرئيسين عون والجميل. اضافة الى ذلك فإن ثمة من يرى  ان مستوى الخلاف في البلد يجعل من هكذا لقاء بدون فائدة، خصوصاً أنّ المشهد الوطني وليس المسيحي فقط منقسم بين خطّ "حزب الله" وإيران والمدعوم من باسيل وفرنجية، وبين خطّ استعادة الدولة والعمل على الحياد والذي يقوده الدكتور جعجع ومعه الأحزاب المسيحية السيادية.

وعندما طرح البطريرك مبدأ الحياد واستعادة الشرعية والمؤتمر الدولي الخاص بلبنان، بادر "حزب الله" إلى شنّ حملة على البطريركية المارونية ولا تزال هذه الحملة مستمرّة في حين أن بعض الأطراف المسيحية وعلى رأسها فرنجية وباسيل لم يُساندا البطريرك في مطالبه الوطنية، وبالتالي بات واضحاً أن المشكلة ليست بين الأطراف المسيحية السياسية فقط بل بين بعض الأطراف المسيحية والمسلمة التي تؤيّد حزب الله وبين نهج الحياد الذي يقوده البطريرك الراعي وذلك لإنقاذ هيكل الدولة، وسط تخوّف بكركي من مخطّط يقود إلى هذا السيناريو الجهنّمي.

من هنا، فإن المسألة ليست في الخلاف العقائدي المندلع بين حزبي "القوات" و"الكتائب" من جهة وبين تياري "المردة" و"الوطني الحرّ" من جهة أخرى، بل في الجدوى السياسية الآتية من مثل هكذا اجتماع، خصوصاً ان باسيل وفرنجية، ليسا مع طروحات الراعي الحيادية، فكيف يمكن إقناعهما بالتلاقي مع جعجع والجميل إذا كانا غير مقتنعين بطرح بكركي أولاً.

اضافة الى طموحات كل من الاقطاب الاربعة بالوصول الى قصر بعبدا السنة المقبلة وان كانت اوراق ثلاثة منهم لم تعد كما كانت في السابق، لا بل "اكتوت" – وربما احترقت- بفعل الاحداث التي حصلت في الآونة الأخيرة!.