تفاصيل الخبر

عدم تطبيق بند "بناء الدولة" في تفاهم مار مخايل أبرز أسباب التباعد بين "التيار" وبعبدا وحزب الله

17/11/2021
الرئيس ميشال عون والسيد حسن نصرالله خلال توقيع تفاهم مار مخايل عام 2006.

الرئيس ميشال عون والسيد حسن نصرالله خلال توقيع تفاهم مار مخايل عام 2006.


 مع كل أزمة سياسية تواجهها البلاد يبرز التمايز بين "التيار الوطني الحر" وحزب الله شريكه في تفاهم "مار مخايل" المبرم بينهما منذ شهر شباط (فبراير) 2006، ويكثر الكلام عن "تباعد" بين الطرفين يمكن ان يؤسس لقطيعة سياسية. ومع كل ازمة مستجدة تتزايد الملاحظات حول الاسباب التي ادت الى هذا التباعد السياسي وتشتد التوقعات عن مستقبل العلاقة بين "التيار" و"الحزب" مع اقتراب نهاية ولاية رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وعما سيكون عليه التعاطي بين الطرفين في الاستحقاق الرئاسي المقبل، وقبله الاستحقاق الانتخابي في ربيع 2022. وقد برز الفارق في المواقف مؤخراً حيال تطورين اثنين اولهما قديم نسبياً مرتبط بتشكيك حزب الله بــ "موضوعية" المحقق العدلي في جريمة مرفأ بيروت القاضي طارق بيطار وما تلاها من احداث على محور الطيونة - عين الرمانة، وثانيهما التطور المستجد بعد تعطيل جلسات مجلس الوزراء، ثم الموقف من وزير الاعلام جورج قرداحي والازمة التي سببتها مع السعودية وعدد من دول الخليج تصريحات ادلى بها قبل توزيره وتحدث فيها عن "عبثية" الحرب اليمنية والدور السعودي فيها والتي ادت الى ازمة ديبلوماسية تتفاعل سلباً يوماً بعد يوم. والملفت ان "التيار الوطني الحر" الذي كان يتجنب الاضاءة على التمايز بينه وبين "الحزب"، بات خلال الايام الماضية، يجاهر علناً وكان الاكثر حديثاً موقف النائب الان عون الذي القى الضوء على بعد  "التيار" عن "الحزب" في محطات كثيرة. في المقابل يتفادى قياديو الحزب، بمن فيهم امينه العام الاشارة الى الخلاف في وجهات النظر، ويكشفون بتحديد مواقفهم هم من دون التطرق الى مواقف شريكهم في "تفاهم مار مخايل" تفادياً ربما من اتساع الشرخ من جهة، ولعدم خسارة جمهور "التيار" من جهة اخرى، وهو المؤيد المسيحي البارز لــ "الحزب" وخياراته، من دون اغفال موقف تيار المردة الذي يظهر بخفر من حين الى آخر.


بند "بناء الدولة" سبب التباعد

 لكن الواقع ان هذا التباعد ليست سببه التطورات السياسية المستجدة، بل هو نتيجة تراكمات جعلت الحديث عن تباين بين الطرفين يـأخذ طابعاً مختلفاً عن الماضي، لعل اكثر حدة التناقض في تطبيق بعض ما جاء في "تفاهم مار مخايل" من تفاصيل لا تتصل في المواضيع الاستراتيجية حيث لا خلاف بين الفريقين على الاساس، وهو ما اشار اليه بوضوح رئيس "التيار" النائب جبران باسيل في اكثر من مناسبة. 

صحيح ان "التفاهم" ترك انعكاسات ايجابية على مراحل عدة في العلاقة بين الطرفين بدءا من عودة الاطمئنان الى النفوس في المناطق المسيحية والتضامن الوطني خلال العدوان الاسرائيلي في تموز (يوليو) 2006، مروراً بدعم العماد عون لرئاسة الجمهورية، لكن الصحيح ايضاً ان ثمة مواضيع قد تبدو تفصيلية للبعض، فيما هي اساسية للبعض الاخر وتتصل بالنظرة الى ادارة شؤون البلاد من جهة، ومواجهة التحديات الاصلاحية من جهة اخرى. وفي هذا السياق تتوقف مصادر متابعة في "التيار الوطني الحر" للعلاقة مع حزب الله، عند عدم "التزام الحزب" بمندرجات وردت في نص "التفاهم" ابرزها عدم تنفيذ ما ورد في البند الرابع من "التفاهم" اي البند المتعلق بــ "بناء الدولة"، حيث يرى "التيار" ان التباين برز من خلال بقاء ما ورد في هذا البند مجرد عناوين عامة "يقول التياريون" ان الحزب لم يظهر ترجمة عملية لها وان كانت الخطوط العريضة لبناء الدولة لا يمكن ان تشكل مادة خلافية. في حين ان الموافقة على التفاصيل هي التي باعدت عملياً في المواقف بين الطرفين.  وفي هذا السياق تقول المصادر المتابعة في "التيار" ان حزب الله لم يكن دائماً الداعم الفعلي لتوجهات "التيار" خصوصاً بعد تسلم العماد عون رئاسة الجمهورية واعلانه عن اطلاق ورشة التغيير والاصلاح التي التزمها في خطاب القسم. فالبند الرابع من "التفاهم" يدعو الى اعتماد معايير العدالة والتوافق والجدارة والنزاهة، وهو امر لم يظهر بوضوح في مواقف "الحزب" والتي ظلت رمادية انطلاقاً من عدم وقوف "الحزب" الى جانب "التيار" في تطبيق هذه المعايير تطبيقاً كاملاً، وكذلك الامر بالنسبة الى "التزام القضاء العادل والنزيه" لاحقاق دولة الحق والقانون، وما يتفرع منها من نقاط، ظل التيار ومعه رئاسة الجمهورية يشعران بأن الحزب لا يلاقيهما في مقاربة ضرورة احترام عمل المؤسسات الدستورية وإبعادها عن التجاذبات السياسية وتأمين استمرارية عملها وعدم تعطيلها، خصوصاً في ما يتعلق بالمجلس العدلي والمجلس الدستوري.

وتشير المصادر إلى أن  مقاربة ملف معالجة الفساد تعد نقطة أساسية في التباعد بين الفريقين، حيث يسجل التيار ومعه رئاسة الجمهورية عتباً شديداً على حزب الله لأنه لم يقف بقوة إلى جانب مسيرة مكافحة الفساد وتفعيل مؤسسات ومجالس الرقابة والتفتيش المالي والإداري وفصلها عن السلطة التنفيذية لضمان عدم تسييس أعمالها، فضلاً عن أن الحزب لم يجارِ توجه التيار ومعه رئاسة الجمهورية في كشف مكامن الفساد والمضي في التحقيقات القضائية التي تكفل ملاحقة المسؤولين واسترجاع المال المنهوب على حد ما ورد في ورقة التفاهم،  وقد فضل الحزب اما البقاء على الحياد حيناً أو النأي بالنفس أحياناً، وبدا مسايراً أكثر لخيارات وتوجهات شريكه في الثنائية الشيعية أي حركة امل ورئيسها رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يقول التيار ومعه رئاسة الجمهورية إنه عرقل إقرار قوانين تساهم في محاربة الفساد بكل وجوهه، وما وجود اقتراحات قوانين قدمها التيار، في أدراج مجلس النواب حتى اليوم إلا الدليل على ذلك.

وتوضح المصادر نفسها أن التيار كان يأمل أن يقف الحزب أكثر إلى جانبه في ما خص ملف الفساد  ولكن غاب  الدعم  المنتظر من الحزب عملياً، ما اجهض مساعي التيار ومن ثم رئاسة الجمهورية في تحقيق ما يجب تحقيقه في هذا المجال. وادى ذلك أيضا إلى تعطيل عملية الإصلاح طوال السنوات الخمس من ولاية الرئيس عون خلافاً لما ورد في ورقة تفاهم مار مخايل. وتضيف: لم يدعم الحزب الرئاسة والتيار في التوجه لاصلاح إداري شامل يكفل وضع الشخص المناسب في المكان المناسب لاسيما أولئك المشهود لهم بالجدارة والكفاءة ونظافة الكف بحيث بدت مؤسسات الرقابة شبه معطلة على الرغم من محاولات الرئاسة من تفعيلها بعد تغيير القيمين عليها،  لكن قاعدة المحاصصة التي اعتمدت والتي كان يؤمل أن يؤيدها الحزب غلبت كل المبادىء التي اتفق عليها في التفاهم وضاعت المهل التي كان يفترض أن توضع لمعالجة هذه النقاط لاسيما وأن عامل الوقت صار يضيق مع اقتراب انتهاء ولاية الرئيس عون بعد ١١ شهراً تقريباً. وتعتبر المصادر أنه لو التزم الحزب بما تم الاتفاق عليه في بناء الدولة لكانت الأمور أفضل مما هي عليه اليوم لا سيما بالنسبة إلى القضاء على الفساد ولو تدريجياً وإصلاح الإدارة ومؤسساتها والمحافظة على القضاء العادل والنزيه، والدليل ما يتعرض له الجسم القضائي حالياً من تفكك وشرذمة وارتهان قد يفقد السلطة القضائية دورها ومسؤولياتها في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.لكن هذه المصادر تقول إن ما من خلاف بين الطرفين على المسائل الاستراتيجية والعنوان الأساسي وهو حماية السلم الأهلي وضمان الاستقرار ومنع استفراد للمقاومة او إضعافها من خلال التأمر عليها،  لأن هذه المبادئ هي التي يؤمن التيار بها لأنها تحقق قوة لبنان في هذه المرحلة،  وإن كان ثمة بعض التململ من المواقف الحادة التي التزمها الحزب فضلاً عن مسايرته شريكه حركة "امل".


التحالف الانتخابي شبه محسوم


 في ضوء ذلك يبقى الكلام عن التحالف بين التيار والحزب في الانتخابات النيابية المقبلة سابقاً لأوانه، لكن ثمة من يرى أن لا مناص لحزب الله من التفاهم مع التيار لاسيما في الدوائر المختلطة على اعتبار ان أي دعسة ناقصة من جانب الحزب تجاه التيار وجمهوره ستكون القوات اللبنانية المستفيدة الأولى منها لتعزيز حضورها في مجلس النواب من خلال زيادة ممثليها، الأمر الذي يفرض إعادة تقييم مسار النظرة المشتركة إلى عنوان «بناء الدولة» حتى وإن كانت المهلة المتبقية من ولاية الرئيس عون أقل من عام، لاسيما وأن التباعد بين الرئاسة والتيار من جهة وحركة امل ورئيسها من جهة ثانية يكاد يلامس القطيعة وما جرى من مواجهة اعلامية بينهم خير دليل على ذلك،  مع العلم أن الحزب بدا في موقف الوسط فلا جارى التيار والرئاسة في مواقفهما ولا دعم الحركة ورئيسها في الحملة على بعبدا والتيار في آن معاً. 

من هنا يرى المتابعون ان المشهد السياسي الراهن يشي بأن المصلحة المشتركة لا بد ان تعيد في النهاية جمع ما انقطع بين "التيار" و"الحزب" لأن مسألة الانتخابات النيابية المقبلة هي من المسائل التي لن يتساهل الطرفان في مقاربتها من موقع خلافي ولا بد من اصلاح الخلل الذي اصاب العلاقة من خلال جنوح "الحزب" الى مجاراة "التيار" ورئيس الجمهورية في مواقفهما من المسائل الاصلاحية الضرورية في نظر بعبدا ولو كان ذلك في الاشهر الاخيرة من ولاية الرئيس عون،لاسيما وان الحزب بنى كثيرا على مسألة مكافحة الفساد لكنه لم يقم عملياً بما يترجم هذا الخيار على ارض الواقع. فــ "الحزب" يدرك ان الذهاب بعيداً في مسألة الاصلاحات ومكافحة الفساد يتناقض وموقف حليفه في "الثنائي" اي حركة "امل" الذي لا يبدو رئيسها الرئيس نبيه بري في وارد التجاوب مع توجهات "التيار" ورئاسة الجمهورية في الذهاب بعيداً في ملف الفساد لانه سيطال مؤسسات ومجالس واشخاص تدين بالولاء لحركة "امل" ورئيسها الذي لن يقدم للرئيس عون في نهاية عهده ما احجم عن تقديمه في بداية العهد. لكن الواضح ان الحزب يزن في ميزان الصيدلي مثل هذه المقاربات في مرحلة دقيقة لا يريد فيها اي خلل في العلاقة مع شريكه في "الثنائية الشيعية" لألف سبب وسبب.

هل يعني ذلك ان التباعد بين "التيار" والحزب سيزداد اتساعاً؟ تسارع مصادر الطرفين الى الرد سلباً على هذا السؤال مؤكدة انه مهما تباينت المواقف في التفاصيل اليومية، فإنها ستبقى متقاربة في العناوين الاستراتيجية!.


رئيس مجلس النواب نبيه بري .

رئيس مجلس النواب نبيه بري .