تفاصيل الخبر

لهذه الأسباب قرر ميقاتي "الصمود" ولن يقدم "رأس" حكومته لخصوم الداخل والخارج!

17/11/2021
الرئيس نجيب ميقاتي خلال اللقاء مع الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" في غلاسكو.

الرئيس نجيب ميقاتي خلال اللقاء مع الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" في غلاسكو.


 كلما تعالت الأزمات السياسية الطارئة وبرزت العقبات أمام حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي لم يتجاوز عمرها بعد الأربعة اشهر، كلما انطلقت أصوات وكتبت تحليلات وصدرت مواقف تسأل متى يستقيل الرئيس ميقاتي الذي عجز حتى الآن عن معالجة الازمات المستجدة والتي تتناسل أزمة في اثر أزمة. لا بل اكثر من ذلك، ذهب البعض الى حد الحديث عن "مفاجأة" سيعلنها رئيس الحكومة بعد عودته من قمة دول المناخ في غلاسكو في اسكوتلندا الاسبوع الماضي. الا ان "المفأجاة" كانت في إصرار الرئيس ميقاتي على "الصمود" وعدم الاستقالة، وحتى ان عبارة "الاستقالة " لم ترد في اي من اطلالاته الاعلامية او حتى في الجلسات الضيقة لفريق عمله وصولاً الى حد ابلاغ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ان الازمات المتلاحقة وآخرها الازمة التي فجرها وزير الاعلام جورج قرداحي وأضرت بالعلاقات اللبنانية - الخليجية، لن تقوده الى الاستقالة بل سيبقى يتحمل المسؤولية ويسعى الى المعالجات الممكنة من دون ان يخفي استياءه الشديد مما آلت اليه الامور والتطورات. ولعل ما ازعجه كان عدم تجاوب الوزير قرداحي مع دعوته اياه، بلغة ديبلوماسية راقية، الى تقدير دقة الموقف وهو ما يعني التقدم باستقالة طوعية تشكل مدخلاً لتصحيح الوضع. وازداد ازعاجه عندما بلغه ان الوزير قرداحي لم يكتف برفض طلبه "الديبلوماسي"، بل اتهمه بأنه يمارس عليه "ضغطاً شديداً" لدفعه الى الاستقالة ونقل قرداحي هذا الاتهام الى حلفائه لاسيما الى حزب الله ورئيس تيار "المردة " سليمان فرنجية الذي يقف في الوسط بين صديقه الرئيس ميقاتي وممثله في الحكومة الوزير قرداحي محتاراً في ما عليه ان يتخذ من موقف للحد من التدهور في العلاقات اللبنانية الخليجية وانعكاساتها السلبية على اللبنانيين عموماً، وعليه شخصياً وهو احد ابرز المرشحين لرئاسة الجمهورية.....

لكن الواقع ان انزعاج ميقاتي ليس فقط من موقف وزير الاعلام ورفضه الاستقالة، بل كذلك هناك ايضاً موقف حزب الله من قضية التحقيق في انفجار مرفأ بيروت الذي عطل جلسات مجلس الوزراء بغية الحصول على ما يريده لجهة اعفاء القاضي بيطار من التحقيق في هذا الملف، خصوصاً ان ميقاتي لم يكن راضياً على مذكرات الاحضار التي اصدرها القاضي بيطار بحق الوزراء السابقين علي حسن خليل وغازي زعيتر ويوسف فنيانوس ونهاد المشنوق وهو يؤيد ضمناً احالة ملف الوزراء السابقين على هيئة محاكمة الرؤساء والوزراء في مجلس النواب. ويرى ميقاتي ان معالجة ملف القاضي بيطار يمكن ان تتم من خلال المؤسسة القضائية التي ينتمي اليها، وتحديداً مجلس القضاء الاعلى الذي سارع الى الاتفاق مع الرئيس عون على تعيين الاعضاء الجدد لملء الفراغ الذي عطل عمل المجلس وحال دون اكتمال نصابه. 

غير ان هذا الملف الحساس الذي ادى الى تعطيل جلسات مجلس الوزراء يرى ميقاتي بأنه لا يستدعي مثل هذا الموقف التعطيلي الذي اضر بالحكومة و"فرمل" اندفاعتها وهي بعد في بداية الطريق والمطلوب منها الكثير لمعالجة الاوضاع المتردية في البلاد اقتصادياً ومالياً واجتماعياً الخ....

على رغم الانزعاج المزدوج صبر ميقاتي على مفاعيله ولم يطرح الاستقالة بل ازداد تمسكاً بموقفه الذي ابلغه الى الرئيسين عون ونبيه بري، والى كل من اتصل به من المرجعيات العربية والدولية لتشجيعه على المضي في تحمل المسؤولية والاستمرار في اعتماد المعالجات الهادئة على اساس انها ستؤدي الى ايجاد حلول للازمتين المستعصيتين، ازمة القاضي بيطار وازمة الوزير قرداحي. لقد قرر ميقاتي المضي في موقفه المسؤول الذي اظهره "رجل دولة " لا يتهرب من المسؤولية وان كانت على حساب طعن حلفائه به لاسيما اولئك الذين كان يعتقد انهم سيقفون الى جانبه لتمرير المرحلة الدقيقية الراهنة من تاريخ لبنان. وبدا واضحاً ان ميقاتي استند في موقفه "الصامد" على اسس ثاتبة ابرزها الآتي:

اولاً - إبداء الحرص الشديد على اعادة وصل ما انقطع مع السعودية، وانه ما زال رغم كل ما بلغه ينتظر ان تُفتح له ابواب عاصمتها.

 ثانياً - الحفاظ على الحكومة الحالية ولو بقيت في مربّع التعطيل، فهو يعرف ان انفراط عقد هذه الحكومة يعني ان الامور مندفعة باتجاه تعميق الازمة وفي اتجاه التدحرج نحو مزيد من الاهتراء في مؤسسات الدولة الواهنة اصلاً، فضلاً عن ان فرص استيلاد حكومة سواها توشك ان تكون معدومة.


 ثالثاً- تعميق حالات الانقسام بين المكونات السياسية والطائفية اللبنانية، ما يعني تقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ في شارع كل مكون طائفي.


تجارب سابقة علمته

تقول مراجع متابعة لمسار مواقف ميقاتي صاحب التجربة الثلاثية في رئاسة الحكومة انه قد يكون على قدر من الصحة ان يقال ان ميقاتي يدخل للمرة الثالثة الى السرايا الحكومية رئيساً للسلطة التنفيذية، لكنه يعرف ضمناً جسامة ما اقدم عليه طائعاً ويعي حجم التحديات والازمات التي عليه ان يتحملها.

فهو، كما هو معلوم، أتى للمرة الاولى الى سدة هذا المنصب عنواناً لمرحلة انتقالية ليعبر فيها لبنان على صهوة هدنة سُمّيت "الاتفاق الرباعي" من زلزال ما بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الى مرحلة وعد بالاستقرار خارج مظلة الوصاية السورية. لكنه كان اكثر جرأة وتحدياً في العام 2011 لحظة قبِل خوض غمار التجربة بُعيد هزة سياسية تجسدت في اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري ساعة دخل الى البيت الابيض وما تداعى عن هذا الحدث من غضبة سنية عارمة تُرجمت احتجاجات في شوارع بيروت وطرابلس وسواهما. في حينه كان على ميقاتي ان يواجه، الى ذلك، مفاعيل وارتدادات اشتعال الحرب في الساحة السورية وما نجم عنها من تداعيات ومشاريع تصفية حسابات في الساحة اللبنانية المنقسمة على ذاتها والداخلة في اشتباكات وحروب صغيرة في طرابلس (حرب المحاور) والبقاع الشمالي القصيّ (أحداث عرسال والجرود) والجنوب (ظاهرة الشيخ احمد الاسير) في صيدا. وكان على ميقاتي ايضا ان يتحمل وزر "الاتهام" الصارخ والجاهز بانه يترأس حكومة "حزب الله". وقد صمد الرجل طوال ما يقرب من عامين واجه خلالهما ما اعتبره البعض اهوالاً زادتها تفاقماً حرب السيارات المفخخة في الضاحية الجنوبية وسواها.

بعدها كان ثمة من يتوقع ويراهن ان يؤول ميقاتي المثخن بجراحات تلك التجربة الشاقة الى الظلال. لكنه ببراعة وفي ظل مرونة اكتسبها من فلسفته "الوسطية"، نجح بالعودة الى محطة سياسية محت صورة ما قبلها، اذ عاد رئيساً لكتلة نيابية طرابلسية مستقلة من اربعة نواب، ثم حضر بفعالية في نادي رؤساء الحكومات السابقين الذي قام لدعم رئاسة الحكومة.



قرار ميقاتي "الصمود"

ومع عودة ميقاتي الى رئاسة الحكومة وبروز العقبات امامه الواحدة تلو الاخرى، تقول الاوساط السياسية ان في مقدوره التحجج بنكوث حلفائه او المشاركين معه في الحكومة بوعودهم في دعمه، فيخرج من السرايا ويلقي مسؤولية ما حصل على من خذله، لكن الواقع الراهن يشير الى ان ميقاتي ماض في رحلة التحدي والمواجهة لانه امام فرصة قد لا تتكرر ليثبت امام الرأي العام انه "رجل دولة" يتحمل مسؤولية ما يفعل لاسيما وان شعار حكومته "معاً للانقاذ" لذلك وضع فكرة الاستقالة جانباً واختار "الصمود" على امل ان تتبدل الاوضاع وان يساهم في تحقيق هذا التبدل مستنداً على قناعة لديه بأنه يقف على ارض صلبة توفر له فرصة الاستمرار والمواجهة، متسلحاً ايضاً بدعم شعبي مستتر حيناً وظاهر احياناً، فضلاً عن دعم اميركي وفرنسي ومصري وروسي وايراني بدليل انه استطاع ان يلتقي خلال وجوده في غلاسكو بأكثر من عشرين شخصية عالمية خلال يومين، كان لسان حالها ان يبقى في موقعه وان كان الدعم الخليجي له، ولاسيما الدعم السعودي، غير متوافر في الوقت الراهن، لكنه قد يتحقق. حتى ان حزب الله، الذي عطل عملياً من خلال مواقفه الاخيرة، العمل الحكومي يدرك ان من مصلحته - اي من مصلحة حزب الله - بقاء الحكومة، الامر الذي سيمكن ميقاتي من "امتصاص" العاصفة التي هبت في وجهه، لأن كل المعطيات تدل على أن الآتي من الايام سيصب في مصلحة استمراره إن هو صمد وواجه... وهذا مــــا قرر ميقاتي فعله حتى إشعار آخر، ولن يقدم "رأس" حكومته على طبق من فضة الى خصومه في الداخل والخارج على حد سواء.


ومع الرئيس ميشال عون.

ومع الرئيس ميشال عون.

وخلال لقائه منذ أيام مع الرئيس نبيه بري.

وخلال لقائه منذ أيام مع الرئيس نبيه بري.