تفاصيل الخبر

التحرك العربي أجهضه رفض قرداحي الاستقالة واستحالة إقالته وموقفه فجر الخلاف بين السعودية وحزب الله

10/11/2021
الأمين العام المساعد للجامعة حسام زكي خلال اللقاء مع الرئيس ميشال عون.

الأمين العام المساعد للجامعة حسام زكي خلال اللقاء مع الرئيس ميشال عون.


كل المؤشرات تدل على أن لبنان يواجه منذ اسبوعين شللاً شبه كامل في كل مؤسساته الدستورية، وتحديداً السلطات التي يفترض أن ترعى شؤونه. فالسلطة التنفيذية منذ ان طالب وزراء "الثنائي الشيعي" بإقالة قاضي التحقيق العدلي في جريمة مرفأ بيروت القاضي طارق بيطار، ثم زاد منسوب الشلل بعد الخلاف مع السعودية وعدد من دول الخليج على أثر الموقف الذي أعلنه وزير الإعلام جورج قرداحي، قبل توزيره، ووصف فيه الحرب في اليمن بأنها "عبثية" ما أغضب الرياض الغاضبة اصلاً على الحكم والحكومة على حد سواء بسبب مقاربتهما للعلاقة مع حزب الله، والسلطة التشريعية تعاني ايضاً من انقسام بين الكتل النيابية حول معظم المواضيع الحساسة، بما في ذلك قانون الانتخاب الذي سيطعن به "تكتل لبنان القوي" برئاسة النائب جبران باسيل قبل انتهاء المهلة القانونية للطعن. ثم جاء دور السلطة القضائية نتيجة البلبلة التي يشهدها قصر العدل بفعل دعاوى الرد والرد على الرد والارتياب المشروع وعدم الاهلية وتجاوز الدستور التي طاولت اكثر من قاض على خلفية التحقيق في جريمة المرفأ والتي وصلت الى مجلس القضاء نفسه الذي انقسم الاعضاء فيه وباتت جلساته اشبه بــ "سوق عكاظ" بدلاً من ان تكون مناسبة لمناقشة الاشكالات القانونية المطروحة في ما خص وضع القاضي بيطار وغيره من القضاة الذين تم التشكيك بأدوارهم وحيادهم ونزاهتهم وصاروا محور النقاشات والصدامات في وسائل الإعلام والحلقات القانونية الكبيرة منها والصغيرة.  

ولعل ما يدفع الاوساط السياسية الى القول إن الشلل في المؤسسات مستمر الى اجل غير مسمى، هو عدم وجود اي حلول في الافق المنظور نتيجة تصلب الاطراف المعنيين في مواقفهم والذي ادى الى عدم استقالة الوزير قرداحي طوعاً من منصبه، وعدم امكانية اقالته في مجلس الوزراء الذي لا يلتئم شمله، علماً انه حتى لو اجتمع فلا شيء مضموناً في هذا الاتجاه، اضافة الى وصول الخلاف حول وضع القاضي بيطار الى اقصى درجات التصعيد. لقد تعطلت بالفعل لغة الكلام والنقاش وبالتالي الحلول من الداخل، ومع مرور الايام تصعب المقاربات اكثر فاكثر سواء بالنسبة الى عقدة الوزير قرداحي، او ملف القاضي بيطار، الامر الذي يدل بوضوح لا لبس فيه ان المساعي الداخلية لن تؤتي ثمارها في المدى المنظور خصوصاً ان كل طرف له تبريراته، المنطقية وغير المنطقية، لما يجري الى درجة ان تبادل اللوم بين الاطراف المعنيين بات هو الحدث، بدلاً من ان يكون البحث عن حل عملي هو الحدث.... كل ذلك يحصل والبلاد تواجه واقعاً اقتصادياً غير مسبوق والاقتراب من الارتطام بات امراً وشيكاً ولن يتعدى، حسب المطلعين، الاسابيع القليلة خصوصاً اذا ما استمر العناد سيد الموقف.


ميقاتي لن يستقيل....


وفي موازاة هذا الواقع  المأزوم، يقف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، الذي لم تمر ثلاثة اشهر بعد على تشكيل حكومته، عاجزاً هو الآخر عن ايجاد المخارج، فهو من جهة لا يرى حلاً الا باستقالة قرداحي، وهذا الامر بات صعباً جداً، ومن جهة ثانية لا يريد تفجير الوضع السياسي اكثر من خلال استقالته لأنه يدرك، كما غيره من القيادات انه سيكون من الصعب تشكيل حكومة جديدة لأن سبب المشاكل التي واجهت حكومته، ستبقى ماثلة امام اي حكومة جديدة ما يعني بقاء الالغام اياها قائمة سواء بالنسبة الى موضوع التحقيق في جريمة مرفأ بيروت، او في موضوع العلاقة مع السعودية وعدد من دول الخليج حتى ولو ادت الاستقالة الى حل عقدة الوزير قرداحي، لأن المسألة لم تعد بين شخص الوزير المشكو من تصريحاته، بل انتقلت الى لب المشكلة وهو موقف السعودية من حزب الله ودوره في الصراعات الاقليمية وخصوصاً في حرب اليمن التي تهم السعودية بشكل اساسي. والواقع ان الرئيس ميقاتي المستاء كثيراً مما آل اليه الوضع الحكومي في البلاد، يرى في المقابل ان استقالة حكومته لن تقدم ولن تؤخر، بل بالعكس فإن اضرار الاستقالة اكبر بكثير من اضرار عدم الاستقالة، لأن بقاء الحكومة يبقي في مقدور الوزراء ان يقوموا بالمهام المطلوب منهم ولو في ما يشبه حالة تصريف الاعمال لتعذر انعقاد مجلس الوزراء، لكن اللجان الوزارية لا تزال قائمة وهي تحضر ما هو مطلوب منها، حتى اذا ما حلت المشاكل، وهو امر مستبعد في المدى المنظور، تكون الاقتراحات جاهزة للدرس في مجلس الوزراء واتخاذ القرارات المناسبة.


... ومهمة حسام زكي أجهضت


لقد راهن الرئيس ميقاتي من خلال اللقاءات التي عقدها في غلاسكو على هامش اجتماعات قمة دول الخليج، على تحرك عربي وضغط دولي يساعدان في حلحلة العقد المستجدة، ولاسيما عقدة العلاقات مع السعودية وعدد من دول الخليج، مع يقينه بأن هذا الرهان قد يأخذ وقتاً، لذلك قرر ابقاء حكومته حية ترزق معطياً للوقت فرصة اضافية، متكلاً على وعد قطري بالتحرك للمساعدة وعلى ضغط فرنسي لتسهيل الوصول الى حل. الا ان الوساطة القطرية لم تكن قد بدأت فعلياً، فيما بدا ان الضغط الفرنسي ينتظر خطوات معينة من الداخل اللبناني لم تحصل بعد. وعوض ان يأتي وزير الخارجية القطري الى بيروت كما كان وعد امير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الرئيس ميقاتي لمباشرة مسعاه، حل في العاصمة اللبنانية الامين العام المساعد لجامعة الدول العربية السفير حسام زكي في مهمة قال انه تم تنسيقها بين الامين العام للجامعة احمد ابو الغيط ووزير الخارجية السعودية فيصل بن فرحان بن عبد الله آل سعود. الا ان المحادثات التي اجراها السفير زكي في بيروت مع رؤساء الجمهورية ومجلس النواب والحكومة ووزير الخارجية دلت على ان اولى خطوات الحل في ازمة العلاقات اللبنانية- السعودية- الخليجية تبدأ من بيروت باستقالة الوزير قرداحي على ان يصار بعد ذلك الى نقل حصيلة البحث مع المسؤولين اللبنانيين الى الرياض لتحديد الخطوات التالية وهي اعادة السفراء ووقف الاجراءات التي اعتمدتها المملكة بحق لبنان وعدم المضي بأي اجراءات اخرى قيل انها ستتخذ مثل وقف الرحلات الجوية بين لبنان والسعودية، ووقف التحويلات المالية وغيرها من الاجراءات الردعية التي تكمل اجراءات سبق ان اتخذتها المملكة قبل اشهر لجهة منع دخول السلع اللبنانية الزراعية والفاكهة وكل انواع الانتاج اللبناني الخ.... لقد قال زكي بوضوح امام المسؤولين اللبنانيين ان الملفات كثيرة بين لبنان والسعودية على خلفية دور حزب الله في حرب اليمن وغيرها، لكنه اقر في المقابل ان معالجة هذه الملفات تستلزم وقتاً والمهم البدء بقضية الوزير قرداحي التي حملت عنوان تحرك ممثل الجامعة العربية فاذا امكن الوصول الى حل لها تستكمل المهمة الى معالجة القضايا الاخرى العالقة، واذا لم يكن الحل ممكناً تنتهي مهمة السفير زكي عند هذا الحد مع ما يمكن ان يحصل بعد ذلك من مضاعفات. لكن زكي ادرك من خلال اجوبة المسؤولين اللبنانيين ان الاستقالة غير واردة، فيما الاقالة غير ممكنة، من دون ان يغفل الحرص الذي لمسه الموفد العربي على اقامة افضل العلاقات بين لبنان والسعودية ورفض الاساءة الى المملكة او السماح بأن يكون لبنان معبراً لاي استهداف للسعودية. كذلك سمع السفير زكي بأن ما قاله قرداحي لا يعبر مطلقاً عن موقف الدولة اللبنانية التي ترغب في فتح قنوات الحوار مع الرياض وصولاً الى مأسسة العلاقات بين البلدين بحيث لا تؤثر مواقف اي فرد او جماعة على هذه العلاقات لاسيما وان لبنان يعتمد النظام الديمقراطي وحرية الرأي والفكر ضمن ضوابط القانون.

 

المشكل الحقيقي بين السعودية وحزب الله


لكن السفير زكي فهم، وهو ديبلوماسي عريق ومخضرم وخبير في العلاقات بين الدول العربية انه لم يعد خافياً أن ظاهر المشكلة غير باطنها، وطرفها الفعلي المباشر مع السعودية ليس الدولة اللبنانية، بل حزب الله، مذ دلّ وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان على مكمنها. بذلك بات يصعب إيجاد قاسم مشترك بين ما أدلى به زكي في بيروت وموقف المملكة. عزّز حجّة الرياض، ودلّ هو الآخر على تقاطع تصوّره معها للمشكلة، رفض حزب الله استقالة قرداحي أو إقالته، ومقاربته الأزمة على أن أياً من إجراءيْ الإقالة أو الاستقالة يصيبانه هو بالذات، ويستجيبان شرطاً سعودياً كان مطلوباً في الأيام الثلاثة الأولى من المشكلة، قبل أن يفصح بن فرحان في 30 تشرين الأول عن جوهرها بعيداً من ذريعتها المتداولة. تبعاً لذلك، أبلغ الحزب إلى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أنه لن يسمح بإقالة قرداحي في مجلس الوزراء، وسيمنع اكتمال نصاب الجلسة. كان قد بلغ إلى السرايا أيضاً، أن الحزب يترك لوزير الإعلام اتخاذ القرار الذي يختاره لنفسه، بعدما أظهر النائب السابق سليمان فرنجيه، مرجعية توزير قرداحي، مرونة بإزاء هذا الخيار المفترض. تدريجاً، تبين أن المشكلة لا تقيم في تصريح وزير، ولا حلها في إقالته أو استقالته، على الأقل وفق مقاربة حزب الله للأيام العشرة المنصرمة، مذ اندلع السجال. قبل أيام، أرسل فرنجية مجدّداً رسالة إلى حزب الله في النطاق نفسه: استعداده تحمّل وزر تداعيات المشكلة باستقالة طوعية لوزيره قرداحي، بغية إيجاد ثغرة في الحلّ تريح ميقاتي وتقلل ردود الفعل السنّية الداخلية.

قيل - تبعاً للمعلومات نفسها - إن وطأة المشكلة حملت فرنجية، قبل التواصل مع الحزب، على استمزاج الرئيس السوري بشّار الأسد رأيه في المعالجة التي يقترحها. مساء الأحد الماضي، تلقّى رئيس تيّار المردة جواباً قاطعاً من حزب الله يرفض كلا المخرجيْن المتداوليْن: لا إقالة لقرداحي ولا استقالة. عنى بذلك أنه بات هو المعني بالمواجهة الناشبة بينه والمملكة. الأكثر استدلالاً أن موقفه لا يقتصر على رفض الضغط على الوزير لحمله على التنحي، بل يشي بضغوط معاكسة لجأ إليها الحزب، هي الحؤول دون خروجه من حكومة ميقاتي. لم يعد البديل المتاح من فكرة الإقالة، المتعذّرة في مجلس الوزراء من دون الثنائي الشيعي وحلفائه، والاستقالة الممنوعة كخيار طوعي، سوى المضي في المواجهة.

 

فرص المعالجة تضيق


ويقول قريبون من قيادة حزب الله ان الحزب لا يريد ان يعطي للسعودية المختلف معها حتى العظم، اي دور يفهم منه ان الرياض تقرر بشكل او بآخر السياسة الداخلية والخارجية للبنان، في وقت يرى الحزب ان مثل هذا الامر هو شأن لبناني عموماً، وأمر يهم حزب الله خصوصاً، فضلاً عن اعتقاد الحزب بأن الرياض تضطلع بدور أساسي سلبي في إحداث خلل في موازين القوى السياسية الداخلية التي يسهر على إدارتها، بغية إشغاله وإقلاقه. أول مؤشراته اتهام كل حكومة يصير إلى تأليفها منذ عام 2011 بأنها «حكومة حزب الله». ثانيها مقاطعة عهد عون منذ السنة الأولى له إلى الأمس القريب وقطع سفيرها أي اتصال به. ثالثها تجاهل ميقاتي وحكومته بعد تجاهل حكومة الرئيس حسان دياب والسخرية منها. رابعها إخراج الرئيس سعد الحريري من المعادلة الداخلية بحضه على نحو غير مباشر على العزوف عن الترشح للانتخابات النيابية المقبلة في ما يعدّه الحزب حليفاً أساسياً له لضمان الاستقرار المذهبي في الداخل، وتخفيف وطأة التشنج السنّي حيال فائض القوة الشيعي.

وكل هذه المعطيات تدل على ان المواجهة ليست بين الوزير قرداحي والسعودية، بل باتت بين حزب الله والمملكة، الامر الذي زاد الوضع تعقيداً وجعل امكانية الحل غير واردة ما يعني ان فرص معالجة ما حصل باتت اضيق مما كانت عليه وقد تصبح ازمة مفتوحة، لاسيما وان بيروت باتت تشعر حتى الان على الاقل، ان الديبلوماسية الفرنسية التي عوّل ميقاتي على دور فاعل لها للمساهمة في حل الازمة، لم تقم بعد بأي تحرك يفهم منه سعيها الى معالجة الازمة والضغط لعدم تفاقم الوضع، بل ان كل ما فعلته باريس حتى الان على الاقل، هو اقناع ميقاتي بعدم الاستقالة، واستطراداً على اللبنانيين تحمل مسؤوليتهم في معالجة ما حصل بدلاً من ان يتحملها الاخرون عنهم دائماً، ما يعني ان باريس لا يمكن ان تتدخل في كل شاردة وواردة على غرار تدخلها في القضايا الكبيرة والأساسية. فهناك أزمات على لبنان أن يعالجها من دون أن يطلب دوماً تدخل العواصم الخارجية لحلها، فيما تحتاج الاستحقاقات الكبرى إلى مقاربات دولية وإقليمية مختلفة.

وبحسب المعطيات، استفهمت باريس عما جرى وحاولت جس نبض السعودية من باب الاستطلاع فقط، مع علمها المسبق بأن الرياض لا تزال غير معنية بمجريات الوضع اللبناني. ثمة كلام يقال في هذا الإطار بأن السعودية لا تزال على موقفها منذ انتخاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وهي غير مهتمة بكل ما يجري في لبنان من تطورات، ولن تكون الأحداث الحالية مناسبة لتغيير موقفها. لا بل شهدت السنوات الخمس الماضية فترات ديبلوماسية مماثلة، وهي وإن لم تصل إلى حد سحب السفراء، إلا أنها شهدت غياباً متقطعاً لديبلوماسييها. واستطراداً، فإن الأزمة على اختلاف وجهتها الحالية ليست جديدة، وباريس رغم الامال التي عقدتها على تمويل السعودية لمؤتمرات عقدتها من اجل لبنان، تيقنت اكثر من اي مرة ان الرياض ليست في وارد تغيير مواقفها او اعادة ضخ اموال في اي قطاع. وعليه يتوقع المراقبون ان تستمر الازمة بين لبنان والسعودية لانها فعلياً أزمة مستعصية بين الرياض وخيارات حزب الله وسياسته المناهضة لها.


وخلال اللقاء مع الرئيس نبيه بري.

وخلال اللقاء مع الرئيس نبيه بري.

وفي السراي مع الرئيس نجيب ميقاتي.

وفي السراي مع الرئيس نجيب ميقاتي.

وزير الإعلام جورج قرداحي.

وزير الإعلام جورج قرداحي.

الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط.

الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط.

وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان.

وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان.