تفاصيل الخبر

ظاهرتان مقلقتان عند الحدود الجنوبية: تكرار عمليات تسلل سودانيين.... وخطف الرعيان

10/11/2021
دورية للجيش واليونيفيل قرب الشريط الشائك.

دورية للجيش واليونيفيل قرب الشريط الشائك.


 يقول مصدر أمني لبناني إن ثمة استنتاجاً بدأ يفرض نفسه في الآونة الأخيرة مفاده أن الحدود الجنوبية باتت "خاصرة رخوة" يستخدمها طرفا النزاع، اي حزب الله واسرائيل، ميدان مناوشات مباشرة، وساحة جاهزة لأي مواجهة مستقبلية يبحث عنها أحد طرفي النزاع. ويعزو المصدر هذا الاستنتاج الى عمليات محدودة تحصل خلال الليل وتضاء خلالها سماء جزء واسع من الحدود اللبنانية الجنوبية خصوصاً في القطاع الأوسط يرافقها اطلاق نار من اسلحة متوسطة وتحرك كثيف للدوريات الاسرائيلية التي تظهر مستنفرة قرب بعض المواقع والنقاط اللبنانية. هذه "الظاهرة" التي تكررت خلال الاسبوعين الماضيين دفعت بقيادة القوات الدولية "اليونيفيل" الى اجراء اتصالات عاجلة بالطرفين المعنيين بالوضع الامني على الحدود فتبين لها ان القوات الاسرائيلية تفتعل مثل هذه الضوضاء كلما اشتبهت بمتسلل او اكثر عبر السياج الحدودي، فتحرك قواتها وتطارد "المتسللين" وتعتقلهم، لتعيدهم بعد اخضاعهم للاستجواب عبر "اليونيفيل" الى السلطات الامنية والقضائية المختصة. ويضيف المصدر الامني ان مثل هذه الاحداث لم تعد تقلق سكان المنطقة الحدودية على رغم ان منسوبها ارتفع خلال العامين الماضيين حيث سجلت التقارير الرسمية ما يقارب 120 محاولة تسلل وعبور للسياج الحدودي الفاصل بين لبنان والجليل الاعلى المحتل. واتضح ان شريحة واسعة من هؤلاء هم غير لبنانيين وكانت فيهم النسبة الكبرى من ابناء الجالية السودانية الذين دخلوا كما هو معلوم الى الاراضي اللبنانية من سوريا عبر المنافذ والمعابر غير الشرعية (لأن السفارة اللبنانية في الخرطوم لا تمنح اطلاقاً بناء على أوامر من السلطات اللبنانية سمات دخول لأي سوداني). وقد اضطر هؤلاء الى تجشم المخاطر وسلوك هذا المسلك الوعر الى العمق الاسرائيلي في اعقاب انفجار الازمة الاقتصادية والمالية في لبنان وتضاؤل فرص العمل لهم.

والواقع انه في جانب من جوانب المشهد ترتسم صورة مغامرة من مغامرات ومخاطر الهجرة الاجتماعية المعروفة في العالم كله تماثل الى حد بعيد ما يعرف بــ "هجرة المراكب غير المأمونة في البحار"، والتي عادة ما تنتهي بالموت غرقاً او بالاعتقال في المعسكرات لسنوات قبل ايجاد دول اللجوء.

لكن الوضع المتكرر على الحدود الجنوبية، بات يتجاوز حدود "مغامرة" الجائعين والباحثين عن رغيف العيش وفرصة العمل المتواضع، لتصبح كما يقول المصدر الامني، نوعاً من المواجهات العسكرية – الامنية الصامتة مع اسرائيل اذ باتت تنطوي في عمقها على وقائع ومعطيات استطلاعية تكشف نقاط الضعف والثغرات في جهاز الرصد والاستكشاف الاسرائيلي الذي يفترض ان يكون اكثر استعداداً كونه في منطقة عمليات لاسيما وان المتسللين عبر الحدود استطاعوا في كل مرة اجتياز مسافات طويلة نسبياً ووصلوا احياناً الى داخل المستعمرات الاسرائيلية قبل ان يتمكن الجيش الاسرائيلي من كشفهم واعتقالهم. كذلك افرزت مثل هذه العمليات عن مشاغلة جهاز الانذار والاستطلاع الاسرائيلي الى درجة الانهاك خصوصاً ان هذا الجهاز يتكون- وفقاً للمصدر نفسه- من جهاز رصد بشري يفترض ان يكون مزوداً بجهاز انذار مبكر وباحدث طراز من كاميرات المراقبة الحديثة. وفي تقدير المصدر الامني نفسه ان ما يجري هو عبارة عن "ربط نزاع" يمارسه الجانبان اللبناني والاسرائيلي نظراً الى حاجة الجانبين الى "نفي" صفة الاستقرار والهدوء الطويل الأمد و"التطبيع" وانهاء العمليات عند منطقة حدودية هي حيز نزاع دائم وفق تقديرات الطرفين المتقابلين على جانبي الحدود وحساباتهم الاستراتيجية.


ظاهرة خطف الرعيان

وفيما يرى المصدر ان ما يجري يمكن إدراجه في اطار العمل العسكري الامني بامتياز وجزء من عمليات التحدي والاستنفار المتبادل، ترى جهات سياسية وامنية معنية بالوضع في الحدود، ضرورة التوقف ايضاً عند ظاهرة خطف رعاة الماشية التي تمارسها الدوريات الاسرائيلية بشكل شبه يومي منذ فترة غير قصيرة، لاسيما في مناطق العرقوب الجردية المقفرة، وتحديداً تلك المناطق المتاخمة لما يعرف بـ"مزارع شبعا وكفرشوبا وتلال السدانة"، والتي هي المناطق المتنازع على ملكيتها ولم تحسمها بعد كل القوانين الدولية، وليس خافياً ان هذه المنطقة (المزارع) هي عبارة عن منطقة فراغ تدخلها مجموعات "حزب الله" لتنفيذ عمليات ضد دوريات الاحتلال الاسرئيلي ساعة يكون الحزب بحاجة إلى الرد على "ضربة" اسرائيلية وُجهت اليه في مكان ما في الساحة السورية او في الداخل اللبناني. وبحسب المعلومات المتداولة فإن القوات الاسرائيلية تتعمد ألا تقيم نقاطاً ثابتة في هذه البقعة الجغرافية بل تسيّر دوريات مؤللة فيها خلال ساعات النهار. وبناء على واقع الحال هذا يتوجس العقل الاستخباري الاسرائيلي خيفة من الرعاة المنتشرين في تلك المناطق المتاخمة لهذه المزارع الخالية من اي نشاط سكاني، ويعتبر انهم على بساطتهم هم مادة يمكن للمقاومة استخدامها لجمع المعلومات الاستخبارية او لزرع العبوات لاحقاً او لكي يصيروا أدلّاء عند الحاجة.

وعليه، فإن هذا العقل قد نظم ما يشبه عملية غارة ومواجهة يومية على هؤلاء الرعاة (لا يتعدى عددهم الـ 15) وتبادر إلى خطفهم دورياً واخضاعهم للترهيب والترغيب قبل ان تعود وتسلمهم إلى "اليونيفيل" التي بدورها تسلمهم للسلطات اللبنانية. وثمة قائل إن الغاية الاسرائيلية القصوى هي تهجير جماعي وكلّي لهؤلاء الرعاة.

ويبدو في الآونة الاخيرة ان "المهربين المحترفين" قد استفادوا من "نقاط الضعف الاسرائيلية" التي تم كشفها تدريجاً خلال الاعوام الماضية وبدأوا يستغلونها لفتح "سكك" تهريب مخدرات واسلحة فردية (مسدسات) إلى العمق الإسرائيلي، وقد أعلن الجانب الاسرائيلي انه ضبط نحو 6 شبكات تهريب حتى الآن.

وتعتبر الجهات السياسية والامنية نفسها ان خطورة ما يجري تكمن في احتمال تطور مثل هذه الاحداث الفردية ظاهرياً، الى حوادث اكثر جدية خصوصاً اذا ما تطور حادث ما الى مواجهة واسعة يدخل فيها حزب الله طرفاً اساسياً ضد الاسرائيليين ما يؤدي عملياً الى اشعال الجبهة الهادئة بحذر حتى الان. وهذا ما دفع " اليونيفيل" بالتنسيق مع الجيش اللبناني الموجود على الحدود، الى تنظيم دوريات دائمة لضبط الوضع ومراقبته عن قرب بعدما تعذر نشر كاميرات مراقبة على طول " الخط الازرق" نتيجة اعتراض الجانب اللبناني العسكري والاهلي كي لا تصبح هذه الكاميرات ادوات مراقبة يستثمرها العدو الاسرائيلي بشكل او بآخر. وخلال الاجتماع الثلاثي الروتيني الذي يعقد دورياً في الناقورة اثار الجانب الاسرائيلي تكرار عمليات التسلل من دون ان يحمل الجانب اللبناني، على غير عادته، مسؤوليتها، مطالباً باعتماد تدابير اكثر تشدداً على الحدود تجنباً لما قد يحصل من انتكاسات امنية لا ترغب اسرائيل حاليا بحدوثها!.