تفاصيل الخبر

نجاح عسكري لزيارة العماد عون الى واشنطن فماذا عن البعد السياسي للقاءاته؟

10/11/2021
العماد جوزيف عون خلال اللقاء مع الجنرال "كينيث ماكينزي".

العماد جوزيف عون خلال اللقاء مع الجنرال "كينيث ماكينزي".


  تابع المراقبون في لبنان، والديبلوماسيون العرب والأجانب بكثير من الاهتمام وقائع زيارة قائد الجيش العماد جوزف عون الى واشنطن الاسبوع الماضي، تلبية لدعوة رسمية تلقاها من قائد القيادة الاميركية الوسطى (سينكتوم) الجنرال كينيث ماكينزي، واللقاءات التي عقدها مع عدد واسع من اعضاء الكونغرس الاميركي اضافة الى مسؤولين في مجلس الامن القومي، ومساعدة وزيرة الدفاع للشؤون السياسية مارا كارلاين التي نقلت موقف الادارة الاميركية لجهة دعم الجيش اللبناني على اساس ان بلادها "الشريك الامني الاساسي له" ولجهة الاشادة بأداء الجيش "الذي يحظى باحترام واسع وبدوره في الاستقرار الداخلي"، مؤكدة مواصلة دعمه والتعاون معه". ولعل اكثر ما توقف عنده المراقبون هو "الحفاوة" التي استقبل بها العماد عون وبرنامج اللقاءات التي عقدها والتي تخطى بعضها الحيز العسكري ليدخل في البعد السياسي، وهو ما يثير الاهتمام الاكبر في الداخل اللبناني مع تكاثر الحديث عن الدور المميز الذي يلعبه الجيش وقائده في الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان منذ احداث 17 تشرين الاول (اكتوبر) والتي تناسلت منها ازمات عدة لعل اصعبها واقساها الضائقة الاقتصادية التي تمر بها البلاد حالياً.

ودعت مصادر مطلعة الى التوقف عند تزامن زيارة العماد عون الى واشنطن مع حدثين متقاربين وإن تباعدا في النوعية، الاول استمرار الادارة الاميركية في فرض عقوبات على شخصيات لبنانية كان آخرها النائب جميل السيد ورجلا الاعمال داني خوري وجهاد العرب ما يعني ان السياسة الاميركية في مجال العقوبات لا تزال مستمرة ولم تتوقف مع تسلم الرئيس الاميركي جو بايدن زمام القيادة الاميركية، على عكس ما راهن الكثيرون من ان إدارة بايدن لن تسلك المسار نفسه لادارة دونالد ترامب في ما خص العقوبات. اما الحدث الثاني فهو الاضطرابات الامنية التي وقعت عند محور الطيونة – عين الرمانة- الشياح والتي القت بظلالها على الوضع الامني في البلاد وسرت بعدها تكهنات سياسية تتعلق بدور الجيش في ظل محاولات البعض اقحام المؤسسة العسكرية في الصراعات الداخلية وسط انقسام سياسي يتزايد يوماً بعد يوم حول موقع لبنان وعلاقاته الدولية والعربية. اضافة الى ما قيل عن دور مباشر لعسكريين في الجيش في اطلاق النار على متظاهرين اقتحموا حي "الفرير" في عين التينة، وهم من خارج المسيرة السلمية التي كانت انطلقت في اتجاه قصر العدل احتجاجاً على "انحياز " المحقق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار. وفي هذا السياق قالت المصادر نفسها ان العماد عون تلقى "نصيحة" اميركية بالحفاظ على الدور الذي لعبه "بجدارة" خلال الاحداث التي شهدها لبنان على مدى السنتين الماضيتين، وبالتالي فإن واشنطن لا تزال متمسكة بالجيش وبدعمه وتراهن  على "الدور المتوازن" الذي يلعبه الامر الذي ضمن تماسكه خصوصاً انه لا يزال المؤسسة الوحيدة التي يمكن الرهان عليها في الحفاظ على تماسك البلد وعدم انهياره كلياً. 

كما تم التشديد على عدم "تورط" الجيش في اي مواجهات داخلية قد يسفر عنها سقوط مدنيين وهو ما قد يؤدي الى حرمان المؤسسة العسكرية وقائدها من الدعم السياسي من قبل الكونغرس في حال توجيه اتهامات بالتورط في قتل مدنيين.

الشق العسكري معلن....

وفصلت مصادر مطلعة زيارة العماد عون الى واشنطن الى شقين الاول عسكري والثاني سياسي، في الاول كانت المعطيات حولهه متوافرة للاعلام، في حين غابت اي تفاصيل عن الشق السياسي من الزيارة، وإن كانت هذه المصادر اعتبرت الشق الثاني يوازي بأهميته الشق الاول الذي كان عنوانه الابرز توفير الدعم للجيش اللبناني ذلك ان العماد عون يدرك الاليات التي تعتمدها الادارات الاميركية في تقديم الدعم للجيش وقد عبر عن ذلك في كل اللقاءات التي عقدها مع المسؤولين الاميركيين ومع مجموعة من الباحثين الاميركيين من اصل لبناني من معهد الشرق الاوسط للدراسات ومركز "كارنغي" للشرق الاوسط، اضافة الى مجموعة الدعم الاميركية من اجل لبنان، وهذه المجموعات تعتبر مؤثرة في القرارات التي تصدر عن الادارة الاميركية لاسيما تلك المتعلقة بسياستها الخارجية ومواقفها من المسائل المطروحة بين الدول. ونقلت المصادر عن العماد عون قوله امام الحاضرين عن ادراكه صعوبة الحصول على تمويل نقدي مباشر من خارج الموازنة التي يقرها الكونغرس بعدما حصل الجيش على كل قيمة المساعدة السنوية، كاشفاً عن ان الجيش يعمل على محاولة توفير مساعدات عاجلة غير نقدية، تمكنه من صرف موازنته لتوفير رواتب الجنود واحتياجاتهم، عبر التخفيف من الإنفاق على الأمور اللوجيستية والتجهيزات العسكرية والصيانة. وأكّد العماد عون، في كلمته، أن «الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان أثّرت بشكل كبير في الجيش، ما اضطر القيادة إلى اتخاذ تدابير استثنائية كثيرة لمواجهتها». وأشار إلى أن «الجيش مستمر في أداء مهماته بكل عزيمة وإصرار للمحافظة على الأمن والاستقرار ومنع الانزلاق إلى الفتنة». ونوّه قائد الجيش بـ«الدور الذي يقوم به أبناء الوطن المغتربون الذين يبذلون جهوداً لافتة لحشد الدعم الدولي لجيشهم".

وكشفت مصادر قريبة من الادارة الاميركية ان وزارة الدفاع الاميركية تبحث في تحويل أموال متبقية من موازنات أخرى لم يجرِ إنفاقها، كأموال عائدة لباكستان منذ العام 2018 وأموال أخرى من موازنة عام 2019. وتبلغ قيمة تلك الأموال نحو 67 مليون دولار، سيتم تخصيصها لتمويل إنفاق الجيش على تلك المشاريع، بما يمكنه من توفير الأموال لدفع رواتب الجنود وتوفير الغذاء والرعاية الطبية. وأضاف أن الولايات المتحدة باتت عملياً تموّل كل أنشطة الجيش اللبناني، بما فيها المعدات العسكرية وصيانتها.

والسياسي مستتر!

وفي وقت تكتمت فيه المصادر العسكرية اللبنانية عن مضمون النقاش السياسي مع قائد الجيش، وخصوصاً ما يتعلق بوضع حزب الله ودوره على الساحة اللبنانية سياسياً وعسكرياً واجتماعياً، كان لافتاً تزامن وجود قائد الجيش في واشنطن مع جملة موافق صدرت عن مشرعين ديموقراطيين وجمهوريين على حد سواء، دعوا فيها إدارة الرئيس بايدن الى التنسيق مع الاتحاد الاوروبي لدعم خطة العمل القاضية بفرض عقوبات على مسؤولين لبنانيين بهدف دفعهم الى اتخاذ تدابير حساسة لاصلاح بلادهم واعادة بنائها في ظل الانهيار المالي غير المسبوق واستمرار التداعيات الاقتصاية والجسدية والبيئية التي خلفها تفجير مرفأ بيروت. وفي هذا السياق كتب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ بوب منديز وكبير الجمهوريين في اللجنة جيم ريش رسالة إلى كل من وزير الخارجية أنتوني بلينكن ووزيرة الخزانة جانيت يلين، أعربا فيها عن دعم الكونغرس للعقوبات التي فرضت على النائب جميل السيد ورجلي الأعمال اللبنانيين جهاد العرب وداني خوري «لدورهم في تهديد الديمقراطية وحكم القانون في لبنان ومشاركتهم في الفساد المستشري في البلاد». وقال السيناتوران: «الولايات المتحدة دعمت علناً الجهود الدولية لمساعدة لبنان على تطبيق إصلاحات وإعادة بناء اقتصاده بشفافية لدعم الشعب اللبناني وليس لمساعدة زعمائه». لكنهما أشارا إلى أن هذا الدعم يتطلب من الزعماء السياسيين الالتزام بإصلاحات حقيقية جوهرية، وأدانا «النخبة السياسية في لبنان وتفضيلها لمصالحها الضيقة بدلاً من مصالح الشعب، في وقت يعرقل فيه (حزب الله) المدعوم من إيران وداعميه أي تحرك حكومي تحتاج إليه البلاد ويهدد الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية». وشدد المشرّعان على ضرورة أن تكون الولايات المتحدة واضحة في دعمها للشعب اللبناني من خلال الحرص على أن الزعماء يعملون لصالح كل الشعب، وإلا فإنهم سيواجهون محاسبة المجتمع الدولي.

وأشار كل من منديز وريش إلى أهمية تضافر الجهود الدولية لمواجهة «نفوذ حزب الله والحرص على أن الزعماء اللبنانيين سيتخذون خطوات ملموسة لمواجهة التحديات في البلاد». وأضاف: «نعتقد أن العقوبات تعمل بشكل أفضل عندما يتم تنسيقها دولياً، وأن العقوبات الأميركية يمكن فرضها على كل من يهدد الديمقراطية والمحاسبة والإصلاح في لبنان، خاصة (حزب الله) ووكلاءه. لهذا السبب تحث الإدارة لاتخاذ خطوات لدعم خطة العمل التي أعلن عنها الاتحاد الأوروبي بشأن العقوبات والعمل عن كثب مع الشركاء في بروكسل وغيرها لتنسيقها، كي يفهم القادة اللبنانيون بمن فيهم أعضاء (حزب الله) وداعموه نتائج أعمالهم، وهذا يتضمن تجميد أصولهم".

أسهم رئاسية متصاعدة

واذا كان العماد عون حصل، وفق المصادر المطلعة على مسار زيارته، على دعم ليبقى أداء المؤسسة العسكرية على حاله من خلال تأمين دعم عيني للافراد والضباط الى جانب رواتبهم لتحسين اوضاعهم، فإن الشق السياسي من الزيارة، استناداً الى المصادر نفسها، لا يقل اهمية عن الشق العسكري وإن كانت المعطيات حوله شحيحة، لاسيما وان زيارة واشنطن لم تكن الاولى، ولا هي يتيمة اذ سبقتها زيارات "نوعية" الى باريس وقطر وغيرهما لقي فيها العماد عون اهتماماً استثنائياً جعلت المراقبين يدرجونه على لائحة المرشحين للرئاسة قبل عام من انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون الذي كانت له الكلمة الفصل في اختياره قائداً للجيش من بين اسماء عدة مرشحة. ولعل ما يرفع الاسهم الرئاسية للعماد عون، تراجع اسهم المرشحين الاخرين لاسباب مختلفة، ولاسيما منهم رئيس "تكتل لبنان القوي" النائب جبران باسيل، ورئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع، ورئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة.... و ما زاد في اعتقاد المراقبين بتقدم اسهم العماد عون، هو البرنامج غير العسكري الذي اعد له في واشنطن، ومواكبة السفيرة دوروثي شيا له في كل لقاءاته، لاسيما مع اعضاء الكونغرس ومجموعات الابحاث ذات التأثير على قرارات الادارة الاميركية.


ومع مساعدة وزيرة الدفاع للشؤون السياسية "مارا كارلاين".

ومع مساعدة وزيرة الدفاع للشؤون السياسية "مارا كارلاين".