تفاصيل الخبر

هل يخسر لبنان دعم دول الخليج في التفاوض مع صندوق النقد الدولي؟

10/11/2021
رئيس لجنة التفاوض مع صندوق النقد نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي.

رئيس لجنة التفاوض مع صندوق النقد نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي.


 تبدي مصادر اللجنة الوزارية المكلفة التحضير للتفاوض مع صندوق النقد الدولي، خشيتها من أن تؤثر القطعية التي أعلنتها السعودية وعدد من دول الخليج العربي، على مسار ومصير هذه المفاوضات التي لم تتجاوز بعد حدود المحادثات "الودية" تحضيراً لاطلاق مفاوضات كان من المتوقع ان تثمر في الاشهر القليلة المقبلة برنامجاً تمويلياً يساعد لبنان على تفادي الانهيار الاقتصادي المرتقب.... صحيح ان المفاوضات الجدية لم تبدأ بعد وإن كان الصندوق اعلن عن بداية "مشجعة" للتفاوض مع الحكومة اللبنانية، الا ان جميع المعنيين، من داخل اللجنة الوزارية ومن خارجها، يتوقعون مفاوضات "شاقة" مع صندوق النقد قبل الوصول الى مذكرة تفاهم معه يؤمل ان تتم قبل نهاية العام الجاري يتطلع لبنان من خلالها الى الحصول على بضع مليارات من الدولار تساعده تدريجياً على سلوك طريق التعافي بالتوازي مع تعهد باجراء اصلاحات كشرط اساسي للحصول على الاموال وتوزيع الصندوق على برنامج تمويلي يسهل امام الحكومة اللبنانية اعادة احياء ما تبقى من مؤتمر "سيدر"، اضافة الى مساعدات ومنح وبرامج تمويلية من جهات دولية، لكن بالتزامن مع الاجتماعات التقنية والتشاورية الجارية بين الوفد اللبناني المفاوض ووفد صندوق النقد، ثمة خشية من مسار المفاوضات الذي بات نجاحها رهن التطورات السياسية الداخلية في لبنان من جهة، ومصير الحكومة من جهة اخرى، وهذا ما دفع برئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي الى التأكيد ان الحكومة مستمرة وان استقالتها غير واردة في ظل الازمة المستجدة مع دول الخليج. وفي هذا السياق، نقل عن مسؤولين في الصندوق انهم يتابعون يومياً التطورات السياسية والاقتصادية في لبنان للبقاء على اطلاع كاف حول سير الامور واتخاذ القرارات المناسبة. فالتقارير اليومية حول لبنان تصل الى مسؤولي الصندوق الذين يؤكدون ان الازمة اللبنانية - الخليجية لا تؤثر بشكل مباشر على مسار المفاوضات، وانما الخلاف السياسي الداخلي ومصير الحكومة التي في حال تحولت الى تصريف الاعمال، فان هذا الامر يحتم وقف المفاوضات. لكن، وحتى اشعار آخر، فإن المفاوضات مستمرة وشروط التفاوض قائمة مع التزام كل طرف متابعة الملفات التي اوكلت اليه، فالمصرف المركزي يتابع وضع تصور لتوحيد اسعار الصرف واعادة تقييم الخسائر واعادة هيكلة القطاع المصرفي، فيما يتابع رئيس لجنة التفاوض نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي، ملف الخسائر والجوانب الماكرو اقتصادية والمالية. اما وزير المال يوسف الخليل فيسهر على الملف المالي واعادة تقييم خسائر الدولة وآلية اطفائها، وينصرف وزير الاقتصاد والتجارة امين سلام الى متابعة الملفات الاقتصادية والبطاقة التمويلية.


مسار المفاوضات رهن مصير الحكومة

الا انه، وعلى رغم تأكيد الجانب اللبناني، ومعه فريق صندوق النقد، ان مسار المفاوضات مستمر وان اللقاءات لن تتوقف مع مشاركة الخبراء، فإن ثمة من يؤكد بأن مسار المفاوضات يبقى رهن المسار السياسي ومصير الحكومة، وان الازمة مع دول الخليج ستحمل انعكاسات سلبية على لبنان، ليس على مستوى التفاوض مع صندوق النقد ولكن خلال المرحلة التي تلي توقيع الاتفاق. فأي برنامج تمويلي مع الصندوق قد يحصل لبنان بموجبه على ما بين 2.1 ملياري دولار وصولا إلى 4 مليارات، فيما تعويل لبنان هو على الاموال التي قد يحصل عليها بعد التوقيع على البرنامج التمويلي مع الصندوق وتحديد الجهات الدولية والدول المانحة الاخرى وعلى رأسها الدول الخليجية، علماً ان الرهان في السابق كان على الحصول على ما يقارب 9 مليارات دولار من هذه الاطراف وهو ما أصبح صعب المنال بعد الازمة الحالية. فكل المعطيات تؤكد ان دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء قطر، لن تحضر اي مؤتمر مالي – اقتصادي لمساعدة لبنان في المرحلة المقبلة. كما يراهن لبنان على تحرير جزء مما تبقى من اموال مؤتمر "سيدر"، وللدول العربية والمؤسسات المالية العربية جزء اساسي من المساهمات التي قدمت إلى لبنان خلال هذا المؤتمر. يومها، أعلن البنك الإسلامي للتنمية تخصيص 750 مليون دولار للبنان على مدى 5 سنوات، إضافة إلى منح الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لبنان قرضاً بقيمة 500 مليون دولار. كما منحت المملكة العربية السعودية لبنان قرضاً ميسراً بقيمة مليار دولار، فيما أعلنت الكويت إعطاء لبنان قرضا ميسراً بقيمة 680 مليون دولار على مدى 5 سنوات. أما حصة قطر فكانت بقيمة 500 مليون دولار. 

في هذا السياق، يشدد النائب ياسين جابر على "ضرورة ان يساعد الجميع في لبنان في تلقف الاحتضان الدولي الذي حصل عليه الرئيس نجيب ميقاتي خلال مشاركته في مؤتمر المناخ في غلاسكو لناحية المساعدة في إنضاج الحل للأزمة مع الخليج"، مشيراً إلى ان التصريحات والمواقف التي سمعها الرئيس ميقاتي خلال لقاءاته "تؤكد ان لا أحد من القوى الكبرى يريد ان يشهد لبنان المزيد من الانهيار، كما تساعد هذه اللقاءات والمواقف الدولية في عدم تصاعد الاجراءات العقابية ضد لبنان".

في اي حال ، فإن لبنان ينتظر الحصول على توقيع صندوق النقد على برنامج تمويلي، وهو توقيع يعدّ نوعاً من "شهادة" من المؤسسة الدولية بأن لبنان سيلتزم تنفيذ الاصلاحات، ما يعني بدء ترميم ما تبقى من ثقة أمام المجتمع الدولي، ليحمل لبنان هذا التوقيع ويجول به على الدول العربية والغربية والجهات المانحة بحثاً عن اي دعم، اضافة إلى رهان لبنان على عقد مؤتمرات دولية لمساعدته على حشد مساعدات عربية وغربية، وهو ما لن يحصل في حال لم تصحح العلاقة اللبنانية – الخليجية. فأي مؤتمر لا تشارك فيه الدول الخليجية التي تعتبر تاريخياً من الدول المانحة، سيفقد حكماً ثقة المجتمع الدولي ولن يخرج بأي مساعدات للبنان. ومن هنا، يعود جابر ليؤكد "ضرورة بقاء الحكومة لإنجاح مسار التفاوض مع صندوق النقد، والشروع فوراً بالاصلاحات المطلوبة، فليس بالوعود تتحقق الامنيات ويحصل لبنان على المساعدات. وصندوق النقد كان دوماً يشدد على ضرورة وجود حكومة للتفاوض معها"، لافتاً إلى انه "ليس بالهروب يمكن معالجة المشكلة الحالية مع الخليج بل بالوعي والتروي والنقاش البنّاء الذي يساهم أيضاً في معالجة التحديات الحالية".

تأثير دول الخليج

الا ان السؤال الاساسي الذي تطرحه الاوساط المتابعة يبقى هل يمكن ان تؤثر دول الخليج على مسار تفاوض لبنان مع الصندوق؟ إن أي برنامج تمويلي موجّه لأي دولة عضو في صندوق النقد يجب ان يحصل على موافقة مجلس الرؤساء التنفيذيين ومجلس المحافظين في الصندوق، وأي دولة يمكنها ان تعترض او تمارس ضغوطاً لوقف اي برنامج تمويلي موجه من الصندوق لأي دولة أخرى. لكن قوة الاعتراض رهن بحصة الدولة المعترضة في الصندوق. فبيانات صندوق النقد تظهر أن الدول العربية الأعضاء في المؤسسة الدولية تبلغ حصتهم نحو 5.72 %، أما السعودية فتعتبر عضواً فعالاً ومهماً في الصندوق، حيث تأتي في المركز الأول بين الدول العربية والإسلامية الأكثر مساهمة في الصندوق، إذ تبلغ مساهمتها فيه 9.993 مليار وحدة حقوق سحب خاصة مع نحو 12.591 مليار دولار، تمثل نحو 2.1% من إجمالي حصص الأعضاء البالغ عددهم نحو 189 عضواً، وتأتي في المركز الثاني عشر عالمياً من حيث حصة المساهمة، فيما تصل حصة الامارات إلى 0.49% والكويت إلى 0.41% والبحرين إلى 0.08%. في هذه الحال، تؤكد مصادر متابعة لمسار المفاوضات مع صندوق النقد ان السعودية والدول الخليجية لن تؤثر على اي قرار في ما يتعلق بمسار المفاوضات مع لبنان، ولكن يمكن ان تؤثر هذه الدول على حلفائها وعلى رأسهم الولايات المتحدة التي تعتبر في المرتبة الأولى من التصنيف العالمي من حيث الحصص في صندوق النقد بنحو 82.994 مليار وحدة حقوق سحب خاصة بنحو 104.57 مليارات دولار.


النائب ياسين جابر يشدد على ضرورة تلقف الاحتضان الدولي الذي حصل عليه الرئيس نجيب ميقاتي خلال مشاركته في مؤتمر المناخ في غلاسكو.

النائب ياسين جابر يشدد على ضرورة تلقف الاحتضان الدولي الذي حصل عليه الرئيس نجيب ميقاتي خلال مشاركته في مؤتمر المناخ في غلاسكو.