تفاصيل الخبر

مواقف قرداحي "ظهّرت" الخلاف المتراكم مع السعودية لكن المظلة الدولية لن تسقط حكومة ميقاتي

03/11/2021
الرئيس نجيب ميقاتي خلال لقائه مع الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" في غلاسكو.

الرئيس نجيب ميقاتي خلال لقائه مع الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" في غلاسكو.


 يبدو أن قدر حكومة الرئيس نجيب ميقاتي أن تواجه أسبوعاً بعد أسبوع، أزمة حادة تضع مصيرها على المحك ولم يمضِ على تشكيلها ثلاثة أشهر إذ هزتها ثلاثة أحداث جعلتها في موضع لا تحسد عليه، وبات رئيسها أسير مواقف كتل نيابية مشاركة في الحكومة وممثلة فيها "خير" تمثيل..... وإذا كانت الحكومة مرّت في معمودية تشكيلها بأقل ضرر ممكن، إلا أنها واجهت في الاستحقاق الثاني في موضوع التحقيق العدلي في انفجار مرفأ بيروت، الكثير من "التحديات" و"شد الحبال" لاسيما بعد وقوع أحداث الطيونة - عين الرمانة وسقوط 7 ضحايا وعدد من الجرحى وقد سبقتها مواجهة سياسية حادة داخل مجلس الوزراء على خلفية مطالبة وزراء "الثنائي الشيعي" بــ"إزاحة" المحقق العدلي في جريمة المرفأ القاضي طارق البيطار بعد اتهامه "الثنائي" علناً بــ"الانحياز" و"ممــارسة الاستنسابية" وصولاً الى حـد "العمالة"، الأمر الذي أدى الى تعليق جلسات مجلس الوزراء بعد أقل من شهر على تشكيل الحكومة للافساح في المجال امام الاتصالات السياسية والمعالجات القضائية على أمل الوصول الى حل يعيد الحياة الى الحكومة ومجلس الوزراء، في وقت بدا أن ثمة استحالة بالوصول الى هذا الحل بعد انكفاء مجلس القضاء الاعلى عن القيام بدوره والاكتفاء بسماع القاضي بيطار "توصيته" بالإسراع في التحقيق، فيما استمر المحقق العدلي بإصدار مذكرات التوقيف رافضاً التخلي عن مسؤولياته إلا إذا تم عزله أو كفت يده....

وفيما كانت الانظار متجهة الى "معالجة ما" لملف احداث الطيونة - عين الرمانة ووضع القاضي بيطار تمكن مجلس الوزراء من الانعقاد من جديد، برزت قضية أخطر لأنها تجاوزت الداخل اللبناني الى العلاقات مع المملكة العربية السعودية وعدد من دول الخليج "بطلها" هذه المرة، وزير الإعلام جورج قرداحي الذي كان ادلى، قبل توزيره، بحديث تلفزيوني سجل في 5 آب (أغسطس) الماضي، وأذيع في 26 تشرين الاول (اكتوبر) الماضي على "الجزيرة نت" وصف فيه الحرب على اليمن بأنها "عبثية"، مسجلاً ملاحظات على دول التحالف ولاسيما السعودية والامارات العربية المتحدة لاسيما في ما خص قتل الاطفال والنساء المؤيدين لــ "الحوثيين". لم تتأخر ردود الفعل على هذه التصريحات، وأخذت السعودية زمام المبادرة بإدانة كلام الوزير قرداحي ثم سحب سفيرها في لبنان والطلب الى السفير اللبناني في الرياض مغادرة البلاد فضلاً عن اجراءات اخرى مثل وقف الاستيراد من لبنان وتحويل الأموال وغيرها من الإجراءات القاسية التي استمرت على رغم توضيحات الوزير قرداحي، وتأكيد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي بأن ما نطق به قرداحي إنما يعبر عن رأيه الشخصي وليس رأي الدولة رئيساً وحكومة المنادي بأفضل العلاقات وأطيبها مع السعودية وسائر دول الخليج. ثم كرت السبحة لتشمل الكويت والبحرين ودولة الامارات في إجراءات ظلت ديبلوماسية فقط ولم تصل الى حد الإجراءات القاسية التي اعتمدتها الرياض بحق لبنان، فيما بقي موقف قطر وسلطنة عمان يقتصر على إدانة كلام وزير الإعلام من دون أي إجراءات.


تصعيد داخلي... وسعودي- خليجي

وفي الوقت الذي لم تلق فيه الدعوات التي وجهت الى الوزير قرداحي للاعتذار عما صدر عنه من مواقف، اي تجاوب من قبله، وكذلك رفض تقديم استقالته من الحكومة، ذهبت الاحداث الى حد التصعيد مع انتقال الموقف السعودي خصوصاً ومواقف بعض دول الخليج، الى إثارة قضية حزب الله و"هيمنته" على القرار الرسمي اللبناني لصالح الجمهورية الاسلامية الايرانية وغيرها من الاتهامات المماثلة التي نقلت الحدث من مكان الى آخر مصحوباً بتصعيد سياسي وإعلامي غير مسبوق. وكما في كل حادثة انقسم السياسيون بين فريق رفض مواقف قرداحي ودعاه الى الاستقالة وفريق دعم موقف قرداحي وتضامن معه ورفض استقالته او إقالته وفي مقدمة هذا الفريق حزب الله، في وقت كانت فيه مواقف حليفته حركة "أمل" ورئيسها الرئيس نبيه بري "ضبابية" لم ترتق الى مستوى موقف حزب الله وتيار "المردة" ورئيسه سليمان فرنجية الذي رفض طلباً من البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي بدعوة الوزير قرداحي الى الاستقالة طوعاً تاركاً للوزير أن يتخذ الموقف الذي يريده، علماً أن كلام فرنجية من بكركي حمل "دعماً ضمنياً" لوزيره خصوصاً بعد قوله اذا استقال قرداحي او أقيل فلن يسمي وزيراً بديلاً عنه "وما بدي بقا كون بها لحكومة".... وهذا الموقف من فرنجية تمسك به قرداحي وأبلغ البطريرك الذي دعاه الى بكركي في اليوم نفسه أنه لن يستقيل ولن يقبل أن يكون "كبش فداء" لأنه حسب قوله، لم يرتكب أي خطأ يستوجب الاعتذار أو الاستقالة لاسيما أن ما قاله حول الحرب في اليمن كان رأياً شخصياً وقبل تعيينه في الحكومة وأنه استعار توصيف "العبثية" ليصف الحرب في اليمن، من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتييريس، وأنه قال ذلك بهدف تشجيع الجهود المبذولة لوقف هذه الحرب....

المظلة الدولية مفتوحة في غلاسكو

وفيما كان التصعيد السعودي في أوجه، كانت الأزمة المستجدة حاضرة في مدينة غلاسكو حيث عقدت قمة المناخ ورئس الوفد اللبناني إليها الرئيس ميقاتي الذي أجرى على هامش القمة لقاءات مهمة مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ووزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن ومستشارة المانيا أنجيلا ميركيل وغيرهم من قادة دول العالم، كما كانت له لقاءات مع مسؤولين خليجيين منهم أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الذي وعد بإيفاد وزير خارجيته الى بيروت للبحث في سبل معالجة الأزمة بين لبنان والسعودية والإمارات والبحرين والكويت، علماً أن المشكلة الكبرى هي مع السعودية. أما اللقاءات الخليجية الأخرى فقد كانت سريعة ومنها مع نظيره الكويتي، فيما تعذر عقد لقاء مع نظيره السعودي. حصيلة كل هذه اللقاءات تختصر برغبة دولية في مساعدة لبنان والطلب الى المسؤولين السعوديين وقف الإجراءات القاسية بحق لبنان، على أن تشكل استقالة الوزير قرداحي، بداية مسار المعالجة، على رغم أن المسؤولين السعوديين أقروا بأن كلام وزير الإعلام اللبناني كان حلقة في سلسلة حلقات عدائية ضد السعودية فضلاً عن الموقف السعودي من حزب الله الذي يدعم الحوثيين في قتالهم في اليمن ضد التحالف، وخصوصاً السعودية.

اذاً العقدة باتت معروفة، وبداية حلها معروفة أيضاً وهي استقالة قرداحي لبدء المفاوضات بهدف وقف الإجراءات السعودية ضد لبنان، علماً أن قرار الوقف قد لا يتخذ، وبذلك تكون الاستقالة تمت من دون أي مقابل سعودي تماماً كما حصل قبل مدة مع وزير الخارجية السابق شربل وهبه الذي ردد عبارات في إحدى المقابلات التلفزيونية "لم تعجب" المسؤولين السعوديين فطالبوا باستقالته، لكنه بادر هو الى التنحي عن موقعه الوزاري في وزارة الخارجية تفادياً لأي إجراء "انتقامي" ضد لبنان وشعبه. لكن المشهد اليوم مع الوزير قرداحي يختلف لأنه ليس في وارد الاستقالة ما لم تتوافر "ضمانات" بأن استقالته ستؤمن وقف الاجراءات السعودية ضد لبنان، اضافة الى أن قرداحي ليس وحيداً في المواجهة، إذ يقف الى جانبه- وربما يتقدمه- حزب الله وتيار "المردة" الذي سماه وزيراً، فضلاً عن الدعم الذي يلقاه من دمشق الذي قيل إنها كانت "مرتاحة" لتوزيره. والمقلق في هذا السياق، أن ما من أحد قادر في الواقع الراهن أن يضمن تجميد التدابير السعودية والخليجية لاسيما بعدما نقل السعوديون المواجهة مباشرة الى حزب الله وليس الوزير قرداحي فقط، وهذه المسألة لها حساباتها ومنها احتمال تضامن وزراء الحزب و"المردة" وربما وزراء "أمل" -على رغم التمايز بين موقف "أمل" وحزب الله في هذا الموضوع- الا أنه عند "الحزة" لا يمكن للرئيس بري أن يبتعد عن قرارات حليفه الذي بات يشعر أن "المعركة" معركته ولم تعد مقتصرة على قرداحي. وعليه يبدو الرئيس ميقاتي في وضع صعب فلا هو استطاع إقناع قرداحي بالاستقالة، ولا هو قادر على إقالته لأن ذلك يتطلب انعقاد جلسة لمجلس الوزراء مع خشية من تضامن وزراء "الثنائي الشيعي" و"المردة" مع وزير الاعلام، وحصول انقسام يفجر الحكومة علماً أن كل من التقاه في غلاسكو من زعماء دول العالم أوصى بعدم استقالة الحكومة لأن لبنان سيدخل إذ ذاك في المجهول وتصبح البلاد في وضع أسوأ بكثير مما هي عليه الآن ويتحقق الانهيار الكامل اقتصادياً ومعيشياً وربما أمنياً ايضاً.

الرياض تريد حواراً رفيعاً مع واشنطن

لكن السؤال الذي تفاعل في الأوساط السياسية والديبلوماسية على حد سواء، هل أن الضغط السعودي يقتصر على لبنان أم أن الشقيق الأصغر هو جسر عبور أو صندوق بريد يصل الى واشنطن التي تمر العلاقة بينها وبين السعودية في مرحلة غير مستقرة منذ انتخاب الرئيس الاميركي جو بايدن الذي لم يلتق بعد أي مسؤول سعودي رفيع، خصوصاً ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ويقتصر التواصل بين البلدين على وزيري الخارجية الأميركي والسعودي فقط. أصحاب هذا الرأي يقولون إن الرياض التي تدرك مدى الدعم الأميركي للحكومة اللبنانية من خلال التسهيلات التي تقدمها لها لتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد وصولاً الى حد إعفاء لبنان من مفاعيل "قانون قيصر" لتأمين استجرار الغاز والكهرباء من مصر عبر الأردن وسوريا، أرادت من خلال الضغط على لبنان "استجرار تواصل مباشر معها ينهي التباعد المتخذ بقرار أميركي مع القيادة السعودية الرفيعة المستوى ورفعه الى مستوى الرئيس بايدن وولي العهد السعودي، بحيث تصب حصيلة أي "تنازلات" سعودية في الملف اللبناني المستجد، في مصلحة تقارب سعودي- اميركي ارفع، لاسيما وأن وضع الرياض حزب الله كهدف مباشر ومطالبتها بــ "معاقبته" ليس بالأمر السهل في ظل الظروف الاقليمية والدولية الراهنة مع استمرار الحوار الأميركي - الإيراني وإن بصورة بطيئة، إضافة الى الحوار السعودي - الإيراني ايضاً، علماً أن اتهامات الرياض تركز على "ارتباط" حزب الله بإيران. أما الدخول الفرنسي على الخط فقد يكون مفيداً خصوصاً إذا ما شكل باباً لتواصل اميركي- سعودي رفيع المستوى.

في أي حال، الأكيد أن مواقف وزير الإعلام كانت النقطة التي أفاضت الكأس، وبالتالي فإن معالجة تداعيات تدهور العلاقات بين لبنان والسعودية قد تأخذ وقتاً ما يحتاج الى "صمود" الرئيس ميقاتي، بالتنسيق مع الرئيس عون، بعدم إسقاط حكومته التي باتت فعلياً خطاً أحمر دولياً لن يكون مسموحاً بتجاوزه من أي جهة، خصوصاً من السعودية، لأن البديل سيكون كرة نار تلهب لبنان فقط خصوصاً اذا ما انهار الوضع الأمني الذي يبقى هاجس الجميع أن يظل ممسوكاً وهو ما تؤكد عليه كل الدول مجتمعة، لاسيما الولايات المتحدة الاميركية التي أعطت لزيارة قائد الجيش العماد جوزف عون الأسبوع الماضي على واشنطن بعداً لافتاً.


 


ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يريد حواراً مع الإدارة الأميركية.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يريد حواراً مع الإدارة الأميركية.

الوزير جورج قرداحي .. أصل المشكلة.

الوزير جورج قرداحي .. أصل المشكلة.