تفاصيل الخبر

المساعدات الاجتماعية لموظفي الدولة مؤجلة والبطاقة التمويلية أسيرة خلافات حكومية!

03/11/2021
لجنة المال النيابية في أحد اجتماعاتها برئاسة النائب إبراهيم كنعان.

لجنة المال النيابية في أحد اجتماعاتها برئاسة النائب إبراهيم كنعان.


 إذا كانت الحكومة اللبنانية غرقت في هموم طارئة نتجت عن أحداث غير متوقعة مثل أحداث الطيونة - عين الرمانة، والأزمة التي نشأت مع دول الخليج العربي بعد كلام وزير الاعلام جورج قرداحي حول "الحرب العبثية" في اليمن الذي ادلى به قبل توزيره واذيع قبل ايام وما نتج عنه من مضاعفات ديبلوماسية وقطيعة بين لبنان والسعودية وعدد من دول الخليج ، فإن الهم الآخر الذي يعيشه اللبنانيون هو الغلاء الذي اصاب كل السلع الاستهلاكية والمحروقات وغيرها ما جعل رواتب العاملين في القطاعين العام والخاص تتراجع بنسبة كبيرة بفعل ارتفاع سعر صرف الدولار قياساً الى الليرة اللبنانية والذي تجاوز مبلغ 20 الف ليرة بالنسبة الى الدولار الواحد. وطرح هذا الواقع اشكاليتين، الاولى عجز العاملين في القطاعين العام والخاص عن تأمين قوتهم اليومي وأجور انتقالهم الى مراكز اعمالهم، والثاني توقف مؤسسات خاصة عن دفع رواتب وتعويضات العاملين فيها ما زاد الامور الحياتية تعقيداً، واذا كانت شركات ومؤسسات في القطاع الخاص قد عالجت جزئياً هذا التدهور في الظروف المعيشية للعاملين فيها، فإن العاملين في القطاع العام من موظفين وعسكريين في مختلف الاسلاك العسكرية ما زالوا ينتظرون الزيادات التي وعدوا بها كي يتمكنوا من تأمين الحد الادنى من حاجاتهم الشهرية ليستمروا في اعانة عائلاتهم وتأمين لقمة العيش لافرادها.

واللافت ان النقاش لا يزال قائماً في لجنة المال والموازنة النيابية في خصوص حجم المساعدة المعيشية التي سيتم اقتراحها لمدة سنة للموظفين والعسكريين والتي تتطلب اقرار قانون جديد تقره اللجان النيابية، ثم الهيئة العامة لمجلس النواب. وقد اتى الاقتراح الذي قدمه نواب "تكتل لبنان القوي"، ليحرك هذا الملف بعد ما نص على منح موظفي الدولة وعناصر القوى الامنية والعسكرية مساعدات لمدة سنة تراوح نسبتها بين 25% و 45% من اصل الراتب بحسب الرتبة وقيمة الراتب. كما نص المقترح على منح المتقاعدين 60% من قيمة هذه المساعدة المعيشية بحسب الفئة الوظيفية التي تقاعدوا فيها. وفي هذا السياق، تقول مصادر نيابية انه بالنسبة الى العاملين في القطاع العام، كان من المفترض أن يتمّ تصحيح أجورهم ورواتبهم للتعويض عن التراجع الكبير الذي لحق بسعر صرف الليرة اللبنانيّة، وعن معدّلات التضخّم في السوق. وكان من المفترض أيضاً أن يتمّ هذا التصحيح من ضمن إعادة هيكلة شاملة للميزانيّة العامّة، بما يضمن قدرة الدولة على تغطية الزيادة في الرواتب والأجور. وجميع هذه الخطوات لم تكن ممكنة بمعزل عن الخطّة الماليّة الأشمل، التي ستعيد هيكلة الدين العامّ وستقلِّص ما تستنزفه فوائد هذا الدين من ميزانيّة الدولة. ويختلف تصحيح أصل الراتب عن منح الموظّف "مساعدة معيشيّة" مؤقّتة لمدّة سنة، لأنّه ضمن استمراريّة التصحيح في الأجور، ويجعل الزيادة جزءاً من الأجر الذي يتمّ على أساسه احتساب تعويض نهاية الخدمة.

لكن بخلاف كلّ ذلك، تضمّن مقترح "تكتّل لبنان القويّ"، الذي تبنّته لجنة المال والموازنة وبدأت بالإعداد له، تقديم "إعاشة" مؤقّتة قبيل الانتخابات النيابيّة، ولمدّة سنة. ولا تكمن خطورة هذا المقترح في عدم تأسيسه لحلٍّ مستدامٍ بالنسبة إلى موظّفي القطاع العامّ فحسب، بل وفي عدم وجود أيّ تصوّر لدى اللجنة لكيفيّة تمويله في ظلّ نسبة العجز المرتفعة في الميزانيّة العامّة، ولذا سيأتي التمويل عمليّاً من خلال الاقتراض من مصرف لبنان، أو بالأحرى من خلال طبع المزيد من النقد لدفع ثمن هذه "الإعاشة". أمّا الكلفة النهائيّة لهذه الخطوة، فستكون على عاتق سائر المقيمين، من خلال التهاوي الذي سيلحق بسعر صرف الليرة اللبنانيّة.


أرقام وزارة المال

ولعل ما يزيد القلق من عدم قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه موظفيها والعسكريين فيها، هو ارتفاع حجم رواتب هؤلاء الموظفين والعسكريين ذلك انه وفقاً لأرقام وزارة المال، بلغت قيمة هذه الرواتب المدفوعة في الربع الأوّل من هذه السنة نحو 1,432 مليار ليرة لبنانيّة، أي نحو 5,728 مليار ليرة معدّلاً سنويّاً. وإذا أخذنا نسبة 35% من أصل الراتب معدّلاً وسطيّاً لهذه المساعدة المعيشيّة، فستكون كلفتها لمدّة سنة نحو 2,000 مليار ليرة لبنانيّة، بالنسبة إلى الموظّفين الحاليين. يُضاف إلى هذه القيمة نحو 1,010 مليارات ليرة كلفة سداد المساعدة المعيشيّة للمتقاعدين، وهو ما يجعل كلفة المساعدة المعيشيّة لمدّة سنة للموظّفين الحاليين والمتقاعدين معاً نحو 3,010 مليارات ليرة لبنانيّة. ومن شأن هذه الكلفة الإضافيّة أن ترفع كلفة كتلة الرواتب والأجور السنويّة المتوقّعة من 8,616 مليار ليرة لبنانيّة إلى 11,626 مليار ليرة، بنسبة تبلغ 35%. أمّا أهمّ ما في الموضوع فهو كيف أنّ هذه الكتلة النقديّة، التي سيتمّ خلقها لسداد الأجور والرواتب لمدّة سنة، ستزيد الكتلة النقديّة المتداولة بالليرة في السوق بنسبة 29%، مع كلّ ما يعنيه ذلك من ضغط قاسٍ على سعر صرف الليرة اللبنانيّة. وستساهم الاستدانة من مصرف لبنان لسداد قيمة هذه المساعدة المعيشيّة في زيادة نسبة العجز في الميزانيّة العامّة، وستؤدّي إلى تضخّم حجم الدين المستحقّ على الدولة اللبنانيّة لمصلحة مصرف لبنان، الأمر الذي سيُعقِّد إعادة هيكلة الميزانيّة والدين العامّ في إطار خطّة التعافي الماليّة.

وتكمن الأزمة الفعليّة في أنّ المقترح يعطي موظّفي القطاع العام "حبّة مسكّن" مؤقّت للتخفيف من أثر التضخّم وتآكل قيمة أجورهم، في حين أنّ هذا الحل لا يقدّم أيّ معالجة لسائر المقيمين الذين يعملون في مؤسسات القطاع الخاصّ. لا بل على العكس تماماً، سيقوم هذا الحلّ بتحميل جميع المقيمين أثر خلق المزيد من النقد لتغطية كلفة المساعدة المعيشيّة الجديدة. وعلى الرغم من جميع المداولات التي تجري لرفع الحدّ الأدنى لأجور موظّفي القطاع الخاص، لا يبدو من هذه النقاشات أنّ المؤسّسات الخاصّة ستكون قادرة على تحمّل تصحيح جدّيّ في أجور عمّالها وموظّفيها.

لكلّ هذه الأسباب، لا يمكن اعتبار المساعدة المعيشيّة المطروحة وفق مصادر اقتصادية معنية، سوى "دعاية انتخابية" قد يراد منها كسب ولاء جزء من شريحة موظفي الدولة والمؤسسات الرسمية الذين يناهز عددهم حوالي 300 الف شخص، مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية في الربيع المقبل.


البطاقة التمويلية معلقة!

لذلك يرى مهتمون في هذا الشأن ان الحل الفعلي يبدأ من خلال تحريك ملف البطاقة التمويلية التي لا يبدو انها ستبصر النور في وقت قريب لتكون حلا موقتاً يوفر الدعم بالدولار النقدي ولا يضرب سعر صرف الليرة في السوق الموازية. لكن هذه البطاقة التي كان من المفترض ان تؤمن العائلات الفقيرة من خلالها دخلاً شهرياً قدره 126 دولاراً اميركياً، اي ما يوازي مليونين و 520 الف ليرة، وفق سعر صرف السوق، لا تزال اسيرة التجاذبات الادارية والامنية واللوجستية والخلافات بين الادارات حول طريقة تشغيلها. وتقول مصادر وزارية ان ما يؤخر اطلاق منصة تسجيل الراغبين بالاستفادة من هذا البرنامج، وصولاً الى توزيع البطاقات عليهم، مجموعة عوامل، بعضها تقني مرتبط بالمنصة نفسها. أضف إليها، وبشكل أساسي، موضوع تمويل هذه البطاقة من دون إغفال التجاذبات السياسية المحيطة بالملف. وتقول المصادر إنه "لا يمكن الحديث عن مهل زمنية محددة لتوزيع البطاقات التمويلية، لذلك يتم العمل بالتوازي على رفع عدد المستفيدين من برامج تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية، وهي برامج قائمة منذ فترة، وتلحظ مساعدات مادية للفئات الفقيرة، خاصة (البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً - NPTP و(المشروع الطارئ لدعم شبكة الأمان الاجتماعي للاستجابة لجائحة كوفيد - 19 والأزمة الاقتصادية في لبنان) ESSN"

وكان وزير الشؤون الاجتماعية، هيكتور حجار، قد أعلن مؤخراً أن الوزارة تعمل، من خلال مشروع «دعم الأسر الأكثر فقراً»، على رفع عدد المستفيدين من 35 ألف عائلة لبنانية إلى 75 ألف عائلة، بشراكة مع برنامج الغذاء العالمي، آملاً في رفع الدعم للمستفيدين فيما بعد إلى ما يقارب 120 ألف عائلة، حيث يعد هؤلاء من ضمن الـ28 في المائة من اللبنانيين الذين يرزحون تحت خط الفقر المدقع.

وكشفت دراسة أعدتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا)، وتم نشرها في سبتمبر (أيلول) الماضي، عن تفاقم الفقر في لبنان «إلى حد هائل» في غضون عام واحد فقط، مشيرة إلى أن الفقر أصبح يطال 74 في المائة تقريباً من مجموع سكان البلاد.


وكانت الحكومة السابقة قد قدرت كلفة البطاقة التمويلية بـ556 مليون دولار على مدى عام، لافتة إلى أنه من المفترض أن تستفيد منها 500 ألف أسرة لبنانية، بقيمة 25 دولاراً لكل فرد من الأسرة، على ألا يتجاوز الحد الأقصى لمساعدة العائلة الواحدة شهرياً 126 دولاراً.

وعلى الرغم من العوائق السابق ذكرها، يبدو رئيس لجنة الاقتصاد والصناعة النيابية، النائب فريد البستاني، متفائلاً بإبصار البطاقة التمويلية النور قريباً، مؤكداً أنه تم إنجاز الاستعدادات التقنية لإطلاق المنصة، وينحصر النقاش حالياً فيما إذا كان سيتم دفعها للمستفيدين بالدولار أو بالليرة اللبنانية. ويشير البستاني، إلى أن البنك الدولي الذي يمول البطاقة يصر على أن تدفع الأموال بالدولار، فيما يصر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة على دفعها بالليرة اللبنانية، ويضيف: «التمويل مؤمن، على الرغم من كل ما يتردد؛ هناك قرض خاص بالبطاقة من البنك الدولي، قيمته 246 مليون دولار، وهو مبلغ كافٍ لإطلاق عملية توزيعها»، مرجحاً ألا يتجاوز عدد المستفيدين منها 350 ألفاً، في ضوء أن كثيرين يستفيدون من برامج أخرى للدعم. كما أنه تم ربطها برفع السرية المصرفية. ولا يستبعد البستاني إطلاق الاكتتاب للحصول على البطاقة منتصف الأسبوع المقبل، على أن تستمر العملية 6 أسابيع. ويوضح البستاني أنه يتم بالتوازي مع العمل على البطاقة التمويلية زيادة عدد المستفيدين من برامج أخرى مثل  ESSN، بحيث يتم رفع العدد من 10 آلاف إلى 75 ألفاً.

وفي المقابل، تقول مصادر نيابية قريبة من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إن البطاقة التمويلية لا تزال طور التنفيذ، إلى أن ما يؤخر توزيعها هو التمويل، خاصة أنه سيندرج بموازنة العامين (2021-2022) التي من المفترض أن يكون لصندوق النقد الدولي رأي فيهما مع انطلاق المفاوضات معه .وكانت الحكومة السابقة تخطط لتمويل البطاقة من خلال إعادة توجيه مبلغ 300 مليون دولار من قرض البنك الدولي المخصص لمشروع الطرقات والعمالة، و300 مليون دولار الباقية من حقوق السحب الخاصة بلبنان التي يجيزها البنك الدولي للإنشاء والتعمير، إلا أنه مع انتقال الملف للحكومة الجديدة تم خلط كل الأوراق، ما ينعكس تأخيراً إضافياً في اعتماد البطاقة التي كان من المفترض توزيعها بالتزامن مع رفع الدعم، فإذا بالدعم يرفع عن كل المواد، ويترك المواطن الأشد حاجة ليواجه مصيره وحيداً!.


وزير الشؤون الاجتماعية هيكتور حجار أعلن أن الوزارة تعمل لرفع عدد الأسر المستفيدة الى 75 الفاً.

وزير الشؤون الاجتماعية هيكتور حجار أعلن أن الوزارة تعمل لرفع عدد الأسر المستفيدة الى 75 الفاً.