تفاصيل الخبر

مصير الطعن المرتقب بتعديل قانون الانتخاب رهن اكتمال النصاب في المجلس الدستوري!

03/11/2021
مجلس النواب مجتمعاً في الأونيسكو خلال إقرار تعديلات قانون الانتخاب.

مجلس النواب مجتمعاً في الأونيسكو خلال إقرار تعديلات قانون الانتخاب.


 أمام المجلس الدستوري، الذي اكتمل عقده بعد تعيين عضوين اثنين خلفاً للعضوين المتوفيين، ستكون بعد أيام مهمة البت في الطعن الذي سيقدم سواء من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، أو من "تكتل لبنان القوي"، بالقانون الذي أقره مجلس النواب الاسبوع الماضي والمتعلق بتعديل قانون الانتخابات النيابية الذي اعتمد في انتخابات العام 2018، وسيتناول الطعن الرئاسي او النيابي لا فرق، مسألتين أساسيتين، الأولى اعتماد اكثرية 61 صوتاً لاقرار القانون في وقت نص الدستور على اعتماد الغالبية المطلقة من مجموع الأعضاء الذين يؤلفون المجلس قانوناً، ووقع الإشكال على أساس أن الرئيس نبيه بري اعتبر أن العدد القانوني هو 117 مع استقالة ثمانية نواب ووفاة ثلاثة، في وقت اعتبر فيه "تكتل لبنان القوي" ان العدد القانوني هو 128، اي العدد الاساسي لأعضاء مجلس النواب.... واذا كان النقاش حول هذه المسألة حمل بعداً دستورياً وقانونياً، الا ان الوجه الحقيقي للخلاف هو سياسي ومستمر بين الرئيس بري ورئيس "تكتل لبنان القوي" النائب جبران باسيل الذي رفض ما حصل في الجلسة، متحدثاً عن الطعن المرتقب بعد صدور القانون في الجريدة الرسمية من دون توقيع رئيس الجمهورية الذي سيرفض توقيعه بعدما كان رده الى مجلس النواب لاعادة درسه، فيصدر تلقائياً بعد انتهاء المهلة القانونية لاقراره من دون ان يوقعه الرئيس . وعندما يصدر القانون سيكون الطعن امام المجلس الدستوري في انتظاره.

وقائع ما حصل في الجلسة

ما الذي حصل في مجلس النواب في تلك الجلسة التي انتهت مع سقوط النصاب بعد مغادرة نواب "تكتل لبنان القوي" قاعة الاجتماعات؟ في الوقائع، ان الخلاف اندلع حول ما سماه النائب باسيل ونواب التيار مخالفة دستورية خلال التصويت على البند الخاص باقتراع المغتربين. فقد صوّت 61 نائباً (الجمهورية القوية واللقاء الديمقراطي وتيار المستقبل وكتلة التنمية والتحرير) مع تكرار تجربة عام 2018 بتصويت المغتربين للنواب الـ128 كلّ في دائرته، في حين صوّت كل من «لبنان القوي» و«الوفاء للمقاومة» وبعض النواب لصالح الالتزام بالقانون واستحداث المقاعد الستة في القارات الست. فقد نشب الخلاف حول ما إذا كانت الأكثرية المطلقة تتمثل بنصف العدد الإجمالي لمجلس النواب زائداً واحداً (65 صوتاً)، وهو الرأي الذي تمسّك به باسيل، أم نصف عدد النواب من دون احتساب المستقيلين والمتوفين (59 نائباً)، وهو العدد الذي على أساسه حسم بري التصويت لصالح عدم استحداث ستة مقاعد. وصف باسيل ما جرى بأنه مخالفة دستورية، فردّ عليه بري بأن تفسير الدستور يعود إلى المجلس النيابي. ولما وافق النائب جهاد الصمد باسيل على عدم قانونية ودستورية الأمر باعتبار أن تفسير الدستور يحتاج إلى موافقة ثلثيّ المجلس، نفى بري أن يكون قد فسّر الدستور. فيما أكد النائب سمير الجسر أن "الأكثرية المطلقة تكون بشمول 65 نائباً لأنه، وفق القانون، من يؤلفون المجلس النيابي هم 128 نائباً". لكن نواب تيار "المستقبل" خالفوا رأي زميلهم وصوتوا على اساس ان عدد النواب هو 117. لكن لأهل القانون رأي آخر اذ يعتبر كثيرون منهم ان الغالبية المطلقة تشمل كل مقاعد مجلس النواب الـ128، بالتالي هي ثابتة دائماً عند 65 صوتاً ولا يمكن أن تتغير. هذا الأمر معتمد في فرنسا وأكدت عليه هيئة التشريع والاستشارات، وسبق لبري نفسه أن أكده خلال جلسة انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية في 31 تشرين الأول (اكتوبر) 2016. فحينه، وبعد استقالة النائب روبير فاضل ليصبح عدد النواب 127 بدلاً من 128، قال بري "إن النصاب يبقى دائماً الثلثين أي 86 نائباً لأن الحسبة تبقى دائماً لعدد النواب القانوني، بالتالي لم يجر اعتماد الثلثين على أساس 85 نائباً". ويتحدث القانونيون ان ثمة استثناء حصل أيام الحرب في الثمانينات نتيجة وفاة عدد كبير من النواب، فتمّ احتساب النواب الأحياء، ليجري التصويت في العام 1990 على اعتبار عدد أعضاء مجلس النواب باحتساب النواب الأحياء إلى حين إجراء انتخابات فرعية أو عامة. وفعلاً، أُلغي هذا القانون عام 1992 مع إجراء الانتخابات النيابية وانتهاء الحرب، ليجري مجدداً احتساب النصاب على أساس المقاعد القانوني. نتيجة ما سبق، لم يعد رئيس الجمهورية ملزماً بالتوقيع على القانون، كما ان الرئيس أيضاً غير ملزم بنشره. أما إذا تمّ نشره من دون توقيع عون، فيكون القانون عرضة للطعن أمام المجلس الدستوري حيث يفترض أن يتم إبطاله.



لا اجتهاد في معرض النص الدستوري

وفيما يرى قانونيون ان الرئيس بري "اجتهد" في تحديد عدد النواب وتفسير عبارة الغالبية المطلقة من مجموع الاعضاء الذين يؤلفون المجلس قانوناً، يؤكدون انه في وجود النص يبطل الاجتهاد، والنص الدستوري واضح في هذا المجال وأي محاولة لتفسير النص الدستوري على نحو مخالف سيضطر المجلس الدستوري الى قبول الطعن، علماً أن ثمة من يعتبر أن الاستنسابية في احتساب الغالبية المطلقة ستكون السبب المباشر للطعن لأن تلك الخطوة شكلت تعديلاً دستورياً لا يمكن اقراره الا بغالبية الثلثين وله اصوله في آلية التعديل التي لم تتوافر في الجلسة . كذلك يتحدث نواب عن ان المجلس النيابي ثبت موعد إجراء الانتخابات النيابية بتاريخ 17 آذار (مارس) المقبل، علماً أن تاريخ الانتخابات لا يحدد ضمن القانون الانتخابي بل يصدر بمرسوم عادي يوقعه رئيسي الجمهورية والحكومة ووزير الداخلية، ولك ما يعنى به المجلس النيابي هو فقط تحديد المهل الادارية المتعلقة بالقوائم الانتخابية وتسجيل المغتربين، وقد استدرك عدد من النواب ذلك بالقول ان البرلمان لم يصوت على تاريخ 27 آذار (مارس) 2020 لكنه اجرى تعديلات تتيح للحكومة تقريب الموعد اذا ارادت، وبالتالي فإن ذكر اي تاريخ في القانون يعرضه للطعن ايضاً.... علماً ان وزير الخارجية والمغتربين عبد الله بو حبيب كان أكد امام النواب أنه يستحيل إتمام لوائح المغتربين ضمن المهل الجديدة بعد تقريب موعد الانتخابات النيابية، ومثله فعل وزير الداخلية بسام مولوي، ما يضع علامات استفهام حول الاصرار على تقصير المهل في ظل عدم الجاهزية، وحول مصير الانتخابات برمتها.

وفي اطار الجدل حول احتساب عدد النواب، يرى فريق الرئيس بري في معرض تبرير موقف رئيس المجلس، أنه عندما يستقيل النائب فهذا يعني حكماً أنه لم يعد لديه أي نشاط برلماني، وبالتالي فهو لا يحضر الجلسات وليس لديه صوت فيها، والامر نفسه ينسحب على النائب المتوفى، وبالتالي فإن عدد اعضاء المجلس يكون من الذين يؤلفونه قانوناً وليس عدد اعضائه المحدد في قانون الانتخاب.

 ويستند هذا الرأي الى قاعدة بسيطة مفادها: كيف يمكن احتساب عدد نواب لم يعودوا اعضاء في المجلس وتالياً لا صلاحيات لديهم؟ وفق هذه المعادلة فإن النصاب يُحتسب من اعضاء المجلس الفعليين والمواظبين على ممارسة مهامهم البرلمانية سواء في التشريع او المراقبة لاعمال السلطة التنفيذية.

وفي السياق، سبق للرئيس الراحل كامل الاسعد ان ادلى بتوضيح العام 2007 عندما اثيرت مسألة النصاب في انتخاب رئيس الجمهورية والخلاف الذي دار حينذاك، وأكد فيه ان "احتساب عدد الاعضاء يكون باحتساب عدد الجالسين على الكراسي وليس باحتساب عدد الكراسي"، ويعني ذلك احتساب النصاب من مجموع اعضاء المجلس الفعليين وليس احتساب عدد المقاعد وهو 128. ووفق الاسعد انه استند الى فتوى من العلامة الفرنسي "فيديل" الذي افتى باحتساب النصاب من عدد النواب الأحياء وليس من عدد مقاعد البرلمان. وتلك المسألة اثيرت مرتين: الاولى في العام 1976 والثانية في العام 1982 عند انتخاب رئيس الجمهورية في المناسبتين، ووقتذاك استقر رأي رئيس المجلس على احتساب عدد النواب الأحياء.


تخوف من ضغط على المجلس الدستوري

إلا أن السؤال الأبرز بقي حول ما اذا كان المجلس الدستوري سيتمكن من الفصل في الطعن المرتقب عندما يقدم اليه انطلاقاً من تخوف من أن يصار الى تعطيل جلسات المجلس الدستوري من خلال "تغييب" ثلاثة أعضاء منه عن هذه الجلسات فيسقط نصاب المجلس ولا يعود بالامكان درس الطعن واصدار قرار به وهو قرار يكون عادة حاسماً اذ لا تقبل قرارات المجلس الدستوري اي طريق من طرق المراجعة. ويستذكر بعض المطلعين حالات سابقة في الماضي عندما ضغط فريق سياسي على اعضاء في المجلس للتغيب عن الجلسات وهو امر يمكن ان يتكرر هذه المرة ايضاً، لاسيما وان اعضاء في المجلس اختيروا من قوى سياسية يتأثرون برأيها وبموقفها، ذلك ان الرئيس بري قادر على الضغط على العضوين الشيعيين في المجلس الدستوري للتغييب، وكذلك تيار "المستقبل" او الحزب التقدمي الاشتراكي، فاذا تجاوب هؤلاء الاعضاء مع الضغوط التي يمكن ان تمارس عليهم وتغيبوا عن الجلسات سيفقد المجلس الدستوري النصاب (وهو حضور ثمانية اعضاء من اصل عشرة) فيصبح من المتعذر درس القانون المطعون به ضمن المهلة المحددة للمجلس الدستوري، فاذا انقضت المهلة من دون صدور قرار المجلس بقبول الطعن، يصبح القانون نافذاً ولا تعود هناك اي قيمة للطعن المقدم. فهل سيتجاوب ثلاثة اعضاء مع الضغوط ويعطلون جلسات المجلس وبالتالي يتعذر درس الطعن المرتقب؟ ذلك هو السؤال الكبير الذي يؤشر مرة جديدة الى ان الاستقلالية التي يفترض ان تتوافر باعضاء المجلس الدستوري ستسقط هي ايضاً.... لاسيما وأن السياسة ما دخلت في اي عمل قانوني او دستوري الا وأفسدته، ويثبت السياسيون اذ ذاك انهم اقوى من الدستور والقانون على حد سواء!.