تفاصيل الخبر

نصيحة موفد صندوق النقد الى المسؤولين: لا تضيعوا الفرصة مرة أخرى!

03/11/2021
ممثل مجموعة الدول العربية في مجلس إدارة صندوق النقد الدكتور محمود محيي الدين عند الرئيس ميشال عون.

ممثل مجموعة الدول العربية في مجلس إدارة صندوق النقد الدكتور محمود محيي الدين عند الرئيس ميشال عون.


 في خضم الأزمات المتلاحقة على الساحة اللبنانية والتي تتناسل يوماً بعد يوم، سواء كانت أمنية او سياسية وآخرها ديبلوماسية بعد الخلاف مع السعودية ودول الخليج على خلفية التصريحات التي ادلى بها وزير الاعلام جورج قرداحي قبل أن يصبح وزيراً وتناول فيها "الحرب العبثية" في اليمن، يبقى هم المسؤولين اللبنانيين مركزاً حول التحضيرات الواجب انجازها لبدء التفاوض مع صندوق النقد الدولي، لاسيما وأن مسألة استقالة الحكومة بعد الأزمة مع السعودية غير مطروحة حتى الآن وإن كانت زادت في تجميد جلسات مجلس الوزراء.... من هنا استمرار الاهتمام بمسار التفاوض مع صندوق النقد الدولي له أولويته خصوصاً بعد المشاورات التمهيدية التي أجراها في بيروت ممثل مجموعة الدول العربية (بما فيها لبنان) في مجلس إدارة الصندوق الدكتور محمود محيي الدين مع المسؤولين اللبنانيين، على ان يبدأ التفاوض الجدي قبل نهاية السنة على امل الحصول على دعم مالي يبقى مستبعداً إن لم يقترن بتفاهم مع المؤسسة الدولية يترجم بتوقيع اتفاق مفصل لا مجال للالتباس فيه.

قد يكون صندوق النقد الدولي محقاً في الحديث عن "تباطؤ" حاصل من الجانب اللبناني لجهة الاسراع في التوافق على تقديم خطة اقتصادية متكاملة، لكن الواقع يقتضي الاقرار بأن خطة التعافي الاقتصادي التي سبق ان قدمتها حكومة الرئيس حسان دياب وطلبت بموجبها الحصول على برنامج مع الصندوق، لا تزال تشكل نواة اي تفاوض لوضع خطة جديدة او تحديث القديمة، علماً ان فريق الصندوق لم يخف امتعاضه من عدم توصل السلطات اللبنانية المعنية الى توحيد الارقام المتصلة بالخسائر في القطاع المالي  وعن مماطلة متعمدة في هذا الأمر على خلفية استمرار المصرف المركزي في تمنعه عن تسليم شركة "الفاريز اند مارسال" المكلفة إجراء التدقيق الجنائي الارقام والمستندات المطلوبة. وصدرت تعليقات عن تناغم وانسجام بات يحكم العلاقة بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزير المال يوسف الخليل وحاكم المصرف المركزي رياض سلامة على خلفية انتمائهم لمدرسة واحدة تلتقي مع تحقيق مصلحة المصارف ورفض مقاربة الحكومة السابقة التي عانت من غياب هذا النوع من الانسجام، لجهة عدم تحميل الخسائر للقطاع المالي بل اعتماد مقاربة مختلفة في توزيع الخسائر واستهداف تحسين النمو، بما يخفض حجم الفجوة المالية. 

غير ان المعطيات التي توافرت عن محادثات محيي الدين في بيروت والذي حضر اليها للدفاع عن حقوق لبنان، تشير الى أن ما تجمع لديه من معطيات جعلت مقاربته مغايرة في بعض الجوانب لما يسعى البعض الى تسويقه وتظهيره لحسابات داخلية محض لا تصب في المصلحة العليا للبلاد التي ترتكز في جوهرها على اخراجه من الوضع المأزوم التابع فيه ووضعه على سكة التعافي الاقتصادي والمالي. وتورد مصادر واكبت لقاءات محيي الدين في بيروت بعض النقاط التي وصفت بـ"المحورية" أمكن استخلاصها مما حمله موفد الصندوق الى بيروت، يمكن البناء عليها، ومنها النقاط الآتية:

أولاً: بات لدى الصندوق تصور واضح للمحاور او المرتكزات الاساسية التي سيقوم عليها اي برنامج مع لبنان، وتنطلق من أربعة:

1- المالية العامة وإعادة هيكلة الدين العام وصولاً الى الدين المستدام.

2- إعادة هيكلة القطاع المالي، وتحديد الفجوة المالية للتعامل معها، تمهيداً لاستعادة الثقة بالقطاع المصرفي.

3- السياسات النقدية وتوحيد سعر الصرف، وإقرار القوانين المتصلة بإدارة التدفقات النقدية (وأهمها الكابيتال كونترول).

ولمس محيي الدين في مشاوراته بعداً اجتماعياً مهماً ومقلقاً يحتاج الى تخصيص حيز مهم من مندرجات البرنامج له.

4- الاصلاحات الهيكلية القطاعية وفي مقدمها قطاع الكهرباء.

ثانياً- لا يقلل الصندوق من اهمية النموذج اللبناني الذي لا يشبه اي نموذج من النماذج التي تعامل معها سابقاً منذ تأسيسه. صحيح ان لكل ازمة خصوصيتها النابعة من خصوصية كل بلد، ولكن ازمة لبنان لا تشبه في خصوصيتها المتعددة اي ازمة اخرى تعامل معها الصندوق. وهذا يعني ان الوصفات التقليدية للصندوق لا تصلح بكليتها، ولا يمكن بالتالي اسقاط اي وصفات، يفضل الصندوق تسميتها التوصيات او الاقتراحات، على الوضع اللبناني، علماً بأنه لا يفوت الصندوق الاشارة الى ان معظم تلك التوصيات التي تخشاها الدول قد تحققت في لبنان قبل تطبيق البرنامج، ومنها رفع الدعم عن المحروقات، وعدم التقيد بسعر ثابت لصرف الليرة اللبنانية في مقابل الدولار الاميركي وغيرها من المواد التي كانت مدعومة وكانت ترهق خزينة الدولة.


قبل الانتخابات أو بعدها؟

إلا أن السؤال الذي يشغل بال المسؤولين بقي حول موعد إقرار الصندوق البرنامج مع لبنان بعدما تردد في بعض الاوساط الاقتصادية ان صندوق النقد يفضل ان ينتظر الى ما بعد الانتخابات النيابية لاقرار البرنامج. لكن المصادر المتابعة اشارت الى انه على عكس ما تم ترويجه بأن الصندوق يحث الحكومة اللبنانية على بذل جهود اكبر من اجل انجاز خطتها في مهلة زمنية لا تتجاوز الشهر، حتى تتمكن من توقيعه بنهاية السنة، وتحديداً قبل ان تدخل البلاد في مرحلة الانتخابات. ذلك ان الانتخابات ستستأثر بكل المشهد الداخلي، ولبنان لا يملك ترف الوقت في ظل ظروفه الاقتصادية والمالية الصعبة. امام هذا المشهد، يعول الصندوق على اندفاع القوى السياسية كما الوزراء نحو تسجيل انجازات. وهناك إدراك حقيقي لدى الصندوق للحيثيات والخلفيات السياسية التي تشكل عائقاً اليوم امام تسريع انجاز البرنامج. وبناء على ذلك، وبما ان الحكومة لم تقدم حتى الآن اي بيان او مستند خطي الى الصندوق ليصار على اساسه اطلاق التفاوض، فإن الصندوق سيكون في انتظار ان يقدم لبنان ما يشبه خطاب النوايا، يعده المصرف المركزي بالتعاون مع وزارة المال والادارات المعنية وعلى هؤلاء ان يصفوا كل الخلافات السياسية والمقاربات المتباينة ويتوصلوا الى ورقة موحدة تمثل الدولة اللبنانية.

وتضيف المصادر ان على لبنان ان يستفيد من الاشهر الاربعة المقبلة لانجاز البرنامج مع الصندوق، لتحقيق اصلاحات عاجلة، لانه اذا تأخر ودخل مرحلة الاستحقاقات النيابية ومن ثم الرئاسية، واستجد امر ما عالمياً، مثل الزيادات الهائلة في الديون الخارجية التي يمكن ان تفجر ازمة على مستوى دولي، فإن الصندوق، وهو اليوم لا يواجه اي ملفات كبرى، قد يضطر الى صرف اهتمامه عن لبنان، وتوجيهه الى مكان آخر. ولدى المسؤول الدولي قلق من ان يفوت لبنان فرصة اهتمام الصندوق اليوم، والجهود الذي يبذلها منذ تشكل الحكومة لتقديم الدعم، وهو اليوم جاهز، مدعوماً باهتمام اميركي وفرنسي كبير. لذلك فإن الزخم موجود، ولبنان مدعو الى الا يفوت الفرصة المتاحة لتصفية حسابات محلية، فيخسر الزخم والدعم القائم.

ولعل مصارحة محيي الدين للمسؤولين اللبنانيين بالرهان الكبير الذي يعلقه صندوق النقد على نجاحه في مهمته المقبلة مع لبنان، ما يجعله يكثف عمله من اجل تسجيل تجربة ناجحة ونموذج غير مسبوق انطلاقاً من ان الازمة اللبنانية لا تشبه اي من الازمات الاخرى في العالم، ويمكن ان تصبح مثلاً يحتذى في مقاربة الصندوق للمشاكل المالية التي يواجهها مع الدول الاعضاء.


وفي السراي مع الرئيس نجيب ميقاتي.

وفي السراي مع الرئيس نجيب ميقاتي.