تفاصيل الخبر

دعوات إلغاء المجلس العدلي بقيت من دون صدى وبيطار مستمر في تحقيقاته حتى إشعار آخر....

03/11/2021
مجلس القضاء الأعلى برئاسة القاضي سهيل عبود.. على الحياد.

مجلس القضاء الأعلى برئاسة القاضي سهيل عبود.. على الحياد.


على رغم الأجواء القاتمة التي تخيم على المشهد السياسي اللبناني، مع تناسل الأزمات يوماً بعد يوم، يبقى موضوع التحقيق العدلي في  جريمة انفجار مرفأ بيروت من المواضيع التي يجري البحث بهدوء عن مخارج لها بعدما كانت العقدة الاساس التي فجرت عقداً متتالية لعل أخطرها أمنياً أحداث الطيونة - عين الرمانة، وسياسياً تعطيل الحكومة عن العمل حتى إشعار آخر... لذلك يدور البحث في الكواليس عن سيناريوات يمكن ان تشكل مدخلاً للعقدة الاساس، اي التحقيق في جريمة المرفأ بعد الخلافات التي نشأت في مقاربة دور المحقق العدلي القاضي طارق البيطار وسلسلة الدعاوى التي رفعت لرده عن التحقيق من جهة، وللحد من اجراءاته من جهة اخرى. في الجلسة التي عقدها مجلس القضاء الاعلى، قبل سفر رئيسه القاضي سهيل عبود الى الخارج لترؤس اجتماع محاكم التمييز في الدول الفرانكوفونية، دار نقاش حول وضع المجلس العدلي بعد ارتفاع اصوات تنادي بإلغاء هذا المجلس على اساس انه محكمة استثنائية وانه يمكن للمحاكم العادية الاخرى ان تنظر في القضايا المطروحة امامه، لاسيما محاكم الجنايات. الا ان هذا الطرح لم يلق الصدى الذي كان يأمل دعاة هذا الرأي ان يلقاه، ما جعل الاقتراح يسيس... وحيث تدخل السياسة تفسد كل شيء. لم يسفر النقاش عن اي نتيجة عملية، فظل الطرح معلقاً وسط تساؤلات عما اذا كان المجلس العدلي هو فعلاً "الحاضنة الآمنة" لهذا النوع من الجرائم.

في هذا السياق، يقول المتحمسون لفكرة إلغاء المجلس العدلي إن هذا المجلس لم يقدم منذ إنشائه وبعد إدخال تعديلات على نصوصه، ما يمكن أن يُطمئِن إلى أنّ التحقيقات في انفجار المرفأ بأيادٍ أمينة.

ما يقوم به المجلس الذي أُسِّس في عشرينات القرن الماضي في زمن الحكم الفرنسي، يُمكن عمليّاً لأيّ محكمة، كالجنايات أو المحكمة العسكرية، مثلاً، حتّى لو كانت محكمة استثنائية، أن تقوم به، والأرجح في وقت أقلّ، والأكيد بقدر أقلّ مِن السياسة. يكفي أنّ للحكومات سلطة استنسابيّة بإحالة ما ترتئيه مناسباً من الجرائم إليه، بمعزل عن أيّ تقويم جدّيّ لمدى ملاءمة هذه الإحالات قانونيّاً وأهليّتها أو عدالتها أو فعّاليّتها في كشف الحقيقة. هناك سلّة خيارات بين القضاء العدليّ أو القضاء العاديّ أو المحكمة العسكرية، وكلمة الفصل تعود إلى القرار السياسي وليس إلى أيّ اعتبار قانونيّ أو قضائيّ.


كانت دائماً السياسة وتداعيات الجريمة على الرأي العام العامل الأكثر تأثيراً في تقرير الإحالة من عدمها، فيما المحقّق العدليّ نفسه هو نتاج خيار وزير العدل، أي السلطة السياسية، بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى. لكن لا معايير موضوعيّة محدّدة في اختيار أيّ قاضٍ لهذا الموقع. ولعل القرار الاخير الذي اتخذه مجلس الوزراء قبل تعطيل اعماله، بإحالة حادثة حريق خزان الوقود في بلدة التليل العكاري الى الملجس العدلي، خير دليل على ان السياسة تلعب دوراً اساسياً في التعاطي مع المجلس العدلي، ذلك ان حادثة التليل على بشاعتها لم تكن عملاً تخريبياً او ارهابياً بقدر ما كانت حادثة قضاء وقدراً ونتيجة سوء تصرف لا أبعاد أمنية له. لكن في سبيل امتصاص النقمة الشعبية، ولأهداف سياسية، نقل الملف من القضاء العسكري، حيث كان يجب ان يبقى، الى المجلس العدلي باقتراح من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لاعتبارات شمالية ليس إلا!.


المجلس العدلي بطيء

ويركز المشككون بفعالية المجلس العدلي على مراعاة الاعتبارات الطائفية في تعيين المحقق العدلي ذلك انه في كثير من الاحيان يتم اختيار المحقق حسب الطبيعة الطائفية للجريمة المحالة الى المجلس العدلي، ففي جريمة المرفأ مثلاً الضحايا من كلّ الطوائف، ومن المدنيّين والعسكريّين، ومع ذلك أُعطِيت الجريمة "لوناً" طائفيّاً بدأ باختيار قضاة مسيحيّين لتولّي المهمّة، وانتهى بإحالات دعاوى ردّ القاضي "المسيحيّ" طارق البيطار إلى قضاة في غرف التمييز من الطائفة نفسها، وكان مصيرها الرفض.

والأهمّ أنّ قضايا حسّاسة بحجم انفجار المرفأ تُوضع بيد قاضٍ واحد مع صلاحيّات هائلة... يجدر فعلاً السؤال في هذه الحالة عن مقدار العدالة المتوافرة في قرارٍ اتّهاميّ يصدر عن شخص وسط ضغوط قاسية من أكثر من طرف وعشرات آلاف الأوراق والمستندات والإفادات.

ولعل الاشكالات المحيطة اليوم بأداء القاضي البيطار وبتجاوزه نصوص القانون والدستور أدت الى مسبِّبات تكمن في الصلاحيّات الواسعة المعطاة لقاضٍ واحدٍ التي تمكِّنه من عدم التقيّد بمدّة التوقيف التي ينصّ عليها القانون في القضاء العاديّ، بحيث يستطيع إبقاء المتّهم موقوفاً لسنوات ومن دون محاكمة، ويُصدِر كلّ المذكّرات من دون الرجوع إلى النيابة العامّة التمييزية، ويستطيع الادّعاء على أيّ شخص من دون أن يستمع إليه، و"يفصل" في النزاع بالصلاحيّات وفق منظاره الخاصّ، تماماً كما حدث حين قرّر أنّ الاتّهامات الموجّهة إلى عدد من الوزراء السابقين غير مرتبطة بواجباتهم الوظيفية، ولذلك لا يخضع هؤلاء للملاحقة أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. وتُعتبر قرارات المجلس العدليّ غير قابلة لأيّ طريق من طُرق الطعن أو المراجعة بعكس قاعدة الدرجات الثلاث المعتمدة في القضاء العاديّ.

لكن بعد الجريمة التي حُكِم فيها على الفلسطيني يوسف شعبان بالسجن المؤبّد في جريمة اغتيال الدبلوماسي الأردني عمران المعايطة، وتبيّن لاحقاً أنّه بريء بعد كشف السلطات الأردنية عن الجناة، عُدِّلت المادة الـ366 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، بحيث أصبح بالإمكان تقديم الاعتراض على أحكامه، وإعادة المحاكمة أمام المجلس العدليّ نفسه.

انها  سلسلة طويلة من الجرائم التي لم يصل فيها المجلس العدلي إلى مكان، وتحديداً جرائم الاغتيالات السياسية، بدءاً من كمال جنبلاط إلى رينيه معوّض، إلى المفتي الشهيد حسن خالد مروراً بتغييب الإمام موسى الصدر، ووصولاً إلى الجرائم المرتكبة بعد العام 2005 وسلسلة الجرائم الإرهابية التي لا يزال العديد من ملفّاتها نائماً في جارور المجلس العدليّ، فيما بعضها لم يشهد أيّ توقيفات.

وقد أُحيلت بعض القضايا إلى المجلس العدلي من دون مبرّر واضح كجريمة قتل الأخوين غسان وجليل أنطونيوس العام 1992 بقصد السرقة، إلا أنّ قرار مجلس الوزراء استند إلى الخشية من إثارة الجريمة النعرات الطائفية وخوف المواطنين المسيحيين في مناطق المتن الجنوبي من تكرار جرائم مماثلة. وأُحيل أيضاً الاعتداء الذي وقع على السفارة الروسية في بيروت عام 2000، على الرغم من أنّ التحقيقات أثبتت أن منفّذ الاعتداء لم يكن عضواً في مجموعة مسلّحة أو إرهابية، بل تحرّك من تلقاء نفسه نتيجة "تأثّره بما يجري في الشيشان". وأُحيلت على المجلس العدليّ الجريمة التي وقعت العام 2002 في مركز صندوق تعويضات أفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصّة، والتي أودت بحياة عدد من المواطنين.

وضمن السياق الاستنسابيّ أحالت حكومة فؤاد السنيورة الأولى جريمة قتل الزيادين (زياد غندور وزياد قبلان) في جدرا بالشوف العام 2007 على المجلس العدلي، فيما تركت الجرائم التي وقعت يوم أحداث الجامعة العربية في العام نفسه في عهدة القضاء العاديّ، علماً بأنّ الجريمتين كانتا مترابطتين على خلفيّة ثأريّة.

ولا يزال فريق سياسي كبير يتساءل اليوم عن سبب عدم إحالة ملفّ شهود الزور في قضيّة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى المجلس العدليّ، في حين أنّ الرئيس سعد الحريري أكّد، في تصريحه الشهير إلى "الشرق الأوسط"، أنّ "الشهود ضلّلوا التحقيق، وألحقوا الأذى بسوريا ولبنان، وبنا نحن عائلة الرئيس الشهيد، وخرّبوا العلاقة بين البلدين، وسيّسوا الاغتيال". أمّا أكثر النماذج تسييساً في توقيت صدور الأحكام عن المجلس العدلي فهو إصدار هيئة المجلس العدليّ حكمها في قضيّة اغتيال الرئيس الشهيد بشير الجميّل في نهاية 2017، وقد قضى بالإعدام بحقّ حبيب الشرتوني ونبيل العلم، وذلك من ضمن مناخات التسوية الرئاسية بعد نحو عام من انتخاب الرئيس عون وتحت وهج المصالحة المسيحية. أمّا المدّة الزمنيّة لصدور الأحكام فتتكلّم عن نفسها، حيث استغرق صدور قرار المجلس العدليّ في قضيّة الشرتوني 35 عاماً، وفي ملفّ اغتيال القضاة الأربعة على قوس محكمة الجنايات في قصر عدل صيدا القديم في عام 1999 عشرين عاماً، وفي جريمة تفجير مسجدي التقوى والسلام في طرابلس في 23 آب 2013 خمس سنوات!.


البيطار باق ومجلس القضاء على الحياد

في اي حال، سواء بقي المجلس العدلي- وهذا هو الأصح- او نجح الساعون بإلغائه، فإن المسألة تحتاج الى الوقت، ما يبقي وضع القاضي البيطار محور اخذ ورد لاسيما وان مجلس القضاء الاعلى لم يتخذ اي موقف حاسم بعد الاجتماع الذي عقده مع المحقق العدلي بعدما رمى المسؤولون السياسيون معالجة هذا الملف على مجلس القضاء، وهم يعلمون -او لا يعلمون- ان ثمة أسساً قانونية في هذه المؤسسة لا يمكن تخطيها الا بالقانون، ذلك ان لا شائبة مسلكية على القاضي البيطار الذي قبل القيام بمهمة بعدما رفضها في المرة الاولى نظراً لجسامة هذا الملف، وهو مثابر على القيام بواجباته على رغم كل الضغط المعنوي الذي يواجهه. وفي هذا السياق، تقول مصادر قضائية إن لبّ المشكلة القائمة هو تشابك الصلاحية حول المرجع الصالح لملاحقة المسؤول السياسي، في المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، او القضاء، حيث الاجتهاد امام محكمة التمييز في قرارات سابقة أقرّ بقابلية هذه الملاحقة أمامه في اتهام ذات طابع جنائيّ وهو حال الادّعاء القائم على سياسيين في هذا الملف، ولا بدّ من تشريع تعديليّ لحسم هذه الناحية.

 وثمة من يعتبر ان مجلس القضاء الاعلى قام بالدور الملقى على عاتقه وقد يكون ساهم في شكل غير مباشر في تخفيف ما اتّسم بالحدّة أخيراً. وانتهى بيانه إلى تشديده على "العمل على إنجاز التحقيق بأسرع وقت ممكن، وفق الأصول القانونية توصّلاً إلى تحقيق العدالة وتحديد المسؤوليات في حقّ المرتكبين، وفق ما ورد في بيان مجلس القضاء في 5/8/2020". واستطراداً، لا يعود لمجلس القضاء تغيير محقّق عدليّ معين من السلطة السياسية بمرسوم. وما هو ظاهر أنّ الاعتراض السياسي على شخص المحقق العدليّ لسبب يتصل بالقناعة القانونية للقاضي البيطار بصلاحية القضاء ملاحقة سياسيين، وليس لسبب مسلكيّ المخول النظر فيه التفتيش القضائي. وهو الأمر غير المتوافر، حيث يمكن للمعترض التوجه إلى التفتيش القضائي أسوة بما يفعله مواطنون ومحامون.

في المقابل، تعتبر مصادر قانونية أنّه لم يكن من داعٍ لدعوة القاضي البيطار ما دام ثمة مراجعتان أمام محكمة التمييز الجزائية لجهة طلبَي نقل الدعوى من يد القاضي البيطار إلى قاضٍ آخر ستصدّر قرارها في صددهما المقبل ريثما تنتهي عملية تبليغ كلّ الفرقاء في الدعوى من مدّعين ومدّعى عليهم والنيابة العامة والمحقق العدليّ. وقد قطع أول طلب والمقدم من الوزير السابق يوسف فنيانوس شوطاً في هذه التبليغات وإيداع المحكمة الأجوبة عنه، في وقت كانت التقديرات الأولية أشارت إلى أنّ القرار الاتّهاميّ في هذا الملف سيصدر قبل نهاية هذه السنة التي باتت على الأبواب.

القاضي طارق البيطار.. باق.

القاضي طارق البيطار.. باق.