تفاصيل الخبر

أهداف سياسية وليست مالية وراء العقوبات على السيد والعرب وخوري....

03/11/2021
النائب جميل  السيد.

النائب جميل السيد.


خلال أحد اللقاءات التي عقدها الموفد الاميركي "أموس هوكشتاين" خلال وجوده في بيروت، ألمح أحد المسؤولين الذين كان يتحدث اليه الى موضوع العقوبات الاميركية التي طاولت شخصيات رسمية وسياسية لبنانية وذلك في معرض تأكيد "هوكشتاين" أن لا عقوبات اميركية على الدولة اللبنانية، فسارع الموفد الاميركي الى القول إنه في بيروت للبحث في موضوع اعادة تحريك ملف ترسيم الحدود البحرية الجنوبية اللبنانية، وليس من مسؤولياته البحث في موضوع العقوبات المفروضة على الاشخاص. ضحك الحاضرون في ذلك اللقاء، وغير "هوكشتاين" مسار الحديث الى مجال آخر  من مهمته متفادياً الغوص في موضوع العقوبات.... كان ذلك قبل نحو اسبوعين، الامر الذي فسره الجانب اللبناني ان ملف العقوبات الاميركية على الاشخاص طوي منذ ان فرضت عقوبات على معاون رئيس مجلس النواب النائب علي حسن خليل والوزير السابق يوسف فنيانوس ورئيس "تكتل لبنان القوي" النائب جبران باسيل، علماً ان محاولات عدة اجريت لاخراج ملف باسيل من دائرة العقوبات من دون ان تلقى تجاوباً لدى المسؤولين الاميركيين الذين استمروا على موقفهم وقاطع المسؤولون الاميركيون الذين زاروا بيروت خلال الاشهر الماضية النائب باسيل ولم يعقدوا معه اي اجتماع، علماً انهم كانوا يلتقون سياسيين لبنانيين على هامش زياراتهم الى المسؤولين اللبنانيين.

الا ان المفاجأة التي حصلت الاسبوع الماضي والتي تمثلت بإعلان وزارة الخزانة الاميركية عن فرض عقوبات على النائب اللواء جميل السيد  ورجلي الاعمال داني خوري وجهاد العرب، اظهرت ان سيف العقوبات الاميركية لا يزال مسلطاً فوق رؤوس عدد من السياسيين ورجال الاعمال اللبنانيين، مع استمرار الحديث عن لوائح جديدة اعدتها وزارة الخزانة الاميركية بالتنسيق مع وزارة الخارجية الاميركية في انتظار الوقت المناسب للكشف عنها في محاولة واضحة لافهام المسؤولين اللبنانيين ان ملفات هذه الشخصيات لا تزال تحت المجهر الاميركي، وان موعد إخراجها الى العلن يبقى مرتبطاً بمسار الأحداث في لبنان من جهة، ومدى تغيير هؤلاء الاشخاص لادائهم السياسي ومواقفهم من الأحداث المطروحة. لكن اللافت في دفعة العقوبات التي طاولت النائب السيد والمتعهدين خوري والعرب، هو المزج بين نائب وسياسي معروف وبين متعهدين قال الاميركيون ان القاسم المشترك بينهم هو ان "افعالهم ساهمت في انهيار الحكم الرشيد وسياسة القانون في لبنان وانهم استفادوا كلاً بمفرده  من تفشي الفساد والمحسوبية في لبنان مما أغنى أنفسهم على حساب اللبنانيين ومؤسسات الدولة".


وقالت مديرة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الاميركية "انه حان الوقت الآن لتطبيق الإصلاحات الاقتصادية الضرورية ووضع حد للممارسات الفاسدة التي تقوض أسس لبنان، ولن تتردد وزارة الخزانة في استخدام أدواتها لمعالجة الإفلات من العقاب في لبنان". و يهدف الاجراء "إلى محاسبة النخبة السياسية والتجارية في لبنان التي استفادت من ممارسات المناقصات غير اللائقة للعقود المتضخمة وثقافة المحسوبية المنتشرة التي تقوّض مؤسسات لبنان وسيادة القانون والاستقرار الاقتصادي. ويبرهن هذا الإجراء دعم الولايات المتحدة للشعب اللبناني المطالِب باعتماد الشفافية والمساءلة". وفي مفهوم الادارة الاميركية ان الفساد يقوض سيادة القانون في جميع وظائف الدولة اللبنانية ويقلّل من فعالية المؤسسات نفسها التي تهدف إلى محاسبة المسؤولين الفاسدين. وبينما يناضل اللبنانيون بشكل يومي للحصول على السلع العامة الأساسية، بما في ذلك الأدوية والكهرباء والغذاء، خلال أزمة اقتصادية ، يعمل أعضاء الطبقة السياسية اللبنانية وأعوانهم دون مساءلة لإثراء أنفسهم وإخفاء ثرواتهم. ودعت الحكومة الأميركية الى التنفيذ السريع للإصلاحات الاقتصادية لتحقيق الاستقرار في الوضع معتبرة ان مثل هذا الاجراء ضروري لاعطاء الاولوية للمساءلة والحكم الرشيد في لبنان بغض النظر عن الانتماء السياسي او الديني. يدعو تحرك الادارة الاميركية الطبقة السياسية الى الابتعاد عن ممارسات المحسوبية السياسية والفساد والبدء في اعطاء الاولوية لاحتياجات الشعب اللبناني.


صحيح ان البيان الاميركي لم يقدم ادلة ثبوتية او مستندات تبرر هذه الخطوة التي طاولت الثلاثة، الا انه من الواضح انه نتيجة هذه الاجراءات تم حظر جميع الممتلكات ومصالح الثلاثة الموجودة في الولايات المتحدة، أو تلك المملوكة لأشخاص لأميركيين، ويجب إبلاغ مكتب مراقبة الأصول الأجنبية. وأكدت أنه "يتم حظر أي كيانات مملوكة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بنسبة 50 في المائة أو أكثر، من قبل شخص أو أكثر من الأشخاص المحظورين". وأفادت بأن "لوائح مكتب مراقبة الأصول الأجنبية عموماً  تحظر جميع المعاملات التي يقوم بها الأشخاص الأميركيون أو داخل الولايات المتحدة (أو التي تمر عبرها) والتي تنطوي على أي ممتلكات أو مصالح للأشخاص المحظورين، ما لم يكن مصرحاً بها بموجب ترخيص عام أو خاص صادر عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، أو مُعفى بطريقة أخرى". وأضافت: "تشمل المحظورات تقديم أي مساهمة أو توفير أموال أو سلع أو خدمات من قبل، أو لصالح أي شخص محظور، أو تلقي أي مساهمة أو توفير أموال أو سلع أو خدمات من أي شخص من هذا القبيل". وفي هذا الإطار، أشارت مديرة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في الوزارة، أندريا غاكي، إلى أنّ "الوقت حان لتطبيق الإصلاحات الاقتصاديّة الضروريّة، ووضع حدّ للممارسات الفاسدة الّتي تقوّض أسس لبنان"، مشدّدةً على أنّ "وزارة الخزانة لن تتردّد في استخدام أدواتها لمعالجة الإفلات من العقاب في لبنان". 

اما "التهم" الاميركية التي وجهت الى الثلاثة فقد فندتها وزارة الخزانة الأميركية في بيانها مشيرة الى  أن "جهاد العرب حصل عام 2016 على 288 مليون دولار بدل عقد مع مجلس الإنماء والإعمار لتأهيل مكب للنفايات، لكن أزمة النفايات عادت منذ العام 2019 وتبين أن شركة العرب اضافت المياه إلى النفايات لزيادة وزنها بهدف تقاضي أموال إضافية". وأكدت أن "العرب كان وسيطاً عام 2014 لعدد من الشخصيات السياسية الرفيعة لعقد اجتماعات ساهمت في انتخابات رئاسة الجمهورية،  في مقابل حصولها من الحكومتين التي تشكلت بعد الانتخابات الرئاسية بعقود قيمتها 200 مليون دولار". وعن  النائب جميل السيد، أشارت الوزارة إلى أنه "سعى إلى الالتفاف على السياسات واللوائح المصرفية المحلية، وساعده مسؤول حكومي كبير في تحويل أكثر من 120 مليون دولار إلى الاستثمارات الخارجية، وذلك لاستثمارها لكي يغتني هو وشركاؤه على الأرجح". وأضافت انه "خلال احتجاجات 2019، عندما تجمع المتظاهرون خارج منزله مطالبين باستقالته ووصفوه بالفساد، دعا السيد المسؤولين إلى إطلاق النار على المتظاهرين وقتلهم". بالإضافة إلى ذلك، لفتت إلى أن "داني خوري هو رجل أعمال مقرب من رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل،الذي سبق ان فرضت عقوبات عليه بموجب قانون "ماغنسكي" وحصل على عقود كبيرة في مجال الخدمات العامة نتيجة علاقته القريبة به، والتي تسببت في هدر ملايين الدولارات نظراً لعدم التزامه بشروط العقود"، وشددت على أنه "في العام 2016، حصل خوري على عقد بقيمة 142 مليون دولار من قبل مجلس الإنماء والإعمار لتشغيل مكب برج حمود للنفايات، واتهمت شركته برمي نفايات سامة في البحر مما ادى الى تسمم الثروة السمكية وتلويث شواطىء لبنان".


نفي بالجملة.... والمفرق

بطبيعة الحال، لم تمر الاتهامات الاميركية مرور الكرام على الشخصيات الثلاث التي سارعت الى نفي كل ما ساقه بيان وزارة الخزانة الاميركية بالجملة والمفرق، وهذا ما فعله المتعهدان العرب وخوري، فيما كان رد النائب السيد رداً سياسياً من جهة، ودحضاً للاتهامات المالية من جهة اخرى متحدياً الادارة الاميركية تقديم اي دليل حسي او مستند يثبت تحويله الاموال التي قال البيان الاميركي انه حولها لاسيما وان مثل هذه التحويلات لا يمكن ان تتم الا من خلال مصارف لبنانية تخضع لرقابة مصرف لبنان المتعاون مع وزارة الخزانة الاميركية في تطبيق القوانين التي ترعى عملية ضبط التحويلات المالية وعدم تبييض الاموال وغيرها من المخالفات المالية الموضوعة تحت الرقابة المشددة. وذهب النائب السيد بعيداً الى حد مطالبة الاميركيين باعطائه سمة دخول الى الولايات المتحدة الاميركية لمواجهة المسؤولين الاميركيين والدفاع عن نفسه واذا ما ثبت انه حول فعلاً هذا المبالغ فإنه مستعد ان يقدم 60 مليون دولار للمساهمة في تمويل البطاقة التمويلية التي تبحث الدولة عن مصادر تمويل لها، وتوزيع الـــ 60 مليون دولار الباقية على المنطقة الانتخابية التي يمثلها في مجلس النواب اي دائرة البقاع الشمالي.


وترى مصادر متابعة ان الاميركيين لن يتجاوبوا مع مواقف النائب السيد وتوضيحاته، تماماً كما لن يتفاعلوا مع نفي كل من العرب للمعلومات التي وردت في الادعاء الاميركي. وعليه، تضيف المصادر، لا بد من التوقف عند الابعاد السياسية  للخطوة الاميركية التي تتجاوز الابعاد المالية والاتهامات التي وردت في مضبطة وزارة الخزانة. ذلك ان التوزيع السياسي للسادة السيد والعرب وخوري يظهر ان ادارة الرئيس الأميركي "جو بايدن" لا تزال سائرة على الدرب الذي رسمته إدارة "دونالد ترامب" في علاقاتها مع الاطراف السياسيين اللبنانيين. فالنائب السيد تعتبره واشنطن من اقرب الشخصيات المتحالفة مع حزب الله من جهة، اضافة الى علاقته مع النظام السوري منذ كان مديراً للامن العام وقبل ذلك الرجل الاقوى في ظل الوصاية السورية، وبالتالي فإن واشنطن ضربت باجرائها عصفورين بحجر واحد، اي النظام السوري وحزب الله المتحالفين سياسياً وعسكرياً، وابلغت الجهتين بأن ملاحقة "رجالهما" مستمرة مع وجود اسماء اخرى على اللوائح تنتظر ان يأتي دورها. اما المتعهد خوري فهو قريب من "التيار الوطني الحر" وبالتالي فإن ايراد اسمه وتحديد قربه من رئيس "التيار" النائب جبران باسيل يعني ان الادارة الاميركية لا تزال "غير راضية" عن مواقف باسيل وأدائه السياسي وستواصل "ملاحقته" مباشرة او مداورة من خلال "رجاله" في المؤسسات الرسمية والشركات الخاصة لاسيما الكبرى منها. وبالتالي لم تنفع محاولات رأب الصدع في العلاقة بين الطرفين. والرسالة نفسها موجهة الى الرئيس سعد الحريري من خلال "معاقبة" المتعهد جهاد العرب الذي يعتبر الممول الحقيقي للحريري وتياره وهو شقيق السيد عبد عرب المسؤول الامني للرئيس الحريري وظله الدائم. ولم يعد سراً في هذا السياق ان العلاقة "فاترة" بين الحريري والادارة الاميركية التي لعبت دوراً مباشراً في "عرقلة" عملية تشكيل الحكومة التي كلف بتشكيلها بعد استقالة حكومة الرئيس حسان دياب على اثر الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت.

 وانطلاقاً مما تقدم، تؤكد المصادر المتابعة ان العقوبات الاميركية، وإن كان عنوانها محاربة الفساد والعاملين على "تقويض حكم القانون في لبنان"، الا ان عنوانها الاساسي هو سياسي بدليل وجود "فاسدين" آخرين في الدولة اللبنانية، من سياسيين او رجال اعمال، لم تشملهم العقوبات الاميركية، مع علم الادارة الاميركية علم اليقين بأوضاعهم وممارساتهم ودورهم في تعميم الفساد والرشوة وصرف النفوذ.....

رجل الأعمال داني خوري.

رجل الأعمال داني خوري.

المتعهد جهاد العرب.

المتعهد جهاد العرب.