تفاصيل الخبر

حلول توافق عليها الراعي مع عون وبري وميقاتي تشرك المجلس النيابي بالتحقيقات... وتخرج الحكومة من "الكوما"!

27/10/2021
مشهد من أحداث الطيونة.

مشهد من أحداث الطيونة.


 حتى يوم الثلاثاء الماضي كان الانطباع الذي ساد في الأوساط السياسية أن الأزمات التي تراكمت بدءاً من التحقيق في انفجار مرفأ بيروت مروراً بالأحداث الدامية في الطيونة، وصولاً الى تعطل جلسات مجلس الوزراء وشل الحكومة بأن الوضع في لبنان سائر نحو التصعيد السياسي وربما الأمني، والتصعيدين معاً، ذلك أن المواقف التي صدرت من اطراف النزاع، ولاسيما "القوات اللبنانية" من جهة، وحركة "أمل" وحزب الله من جهة ثانية، اوحت بأن لا رجوع الى الوراء، وأن كل طرف "على سلاحه" المعنوي والمادي ينتظر استئناف المواجهة على مختلف الجبهات السياسية والجغرافية....لكن فجأة طرحت في الأفق بوادر حلحلة قد تحتاج الى ايام قليلة لتكتمل فصولها اذا توافرت فعلاً النيات الصادقة لدى الافرقاء وبرزت جدية رغبتهم في ايجاد حلول تعيد الاستقرار السياسي والامني، وتمكن الحكومة من الانطلاق من جديد.....

بوادر الحلحلة كانت من خلال التحرك الذي قام به البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في اتجاه رئيس مجلس النواب نبيه بري، احد الاطراف الاساسيين في المواجهة، ثم صوب رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي الذي يشكو هو كما البطريرك، من تعطيل حكومته وهي في وسط الطريق، لينتهي الامر الى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون المطمئن على ان لا عودة للحرب الاهلية في لبنان، لكنه قلق في الوقت نفسه من المناخات الضاغطة التي خيمت على البلاد على اثر المواقف التصعيدية التي صدرت عن حزب الله، ثم في وقت لاحق عن حركة "امل"، فضلاً عن تصريحات رئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع، والتي جعلت الانطباع يسود بأن ما يجري تجاوز مسألة التحقيق في جريمة مرفأ بيروت، والاحداث الدامية في الطيونة، الى ما هو ابعد، اي السلم الاهلي الذي ثبته الرئيس عون مع بداية عهده. حمل البطريرك الراعي هواجسه ومخاوفه وذهب الى عين التينة داعياً الى حلول سريعة لمواجهة المستجدات المتسارعة. قد يقول قائل إن ما حرك البطريرك هو تركيز التحقيقات الجارية في احداث الطيونة على دور "القوات اللبنانية" الى حد استدعاء رئيسها جعجع الى التحقيق في مديرية المخابرات في الجيش اللبناني التي سطر المدعي العام العسكري بالوكالة القاضي فادي عقيقي استنابة لها للتحقيق في ما حصل، مبعداً بذلك كل الاجهزة الامنية الاخرى عن الملف، وفي مقدمها فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي لاعتبارات لا تخفى على احد. ومن الواضح ان البطريرك الماروني ابدى خشية من ان يكون استهداف جعجع وحده، من دون الفريق الاخر الذي "اقتحم" زاروب "الفرير" في عين الرمانة وحطم وشتم وضرب وزرع الرعب في نفوس المواطنين، مقدمة لاستهداف سياسي يعيد الى الذاكرة ما حصل في السنوات التي سبقت اعتقال جعجع وزجه في السجن 11 سنة، علماً انه لم يخرج من السجن الا بعفو بعد الانتخابات النيابية في العام 2005 بالتزامن مع عفو ناله موقوفون من الحركات الاسلامية اتهموا بارتكاب اعتداءات على الجيش خصوصاً في منطقة الضنية ليلة رأس السنة من العام 2000. ولما اعلن جعجع عن استعداده للمثول امام التحقيق اذا مثل قبله الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله (ولم يطلب مثول الرئيس بري مع العلم ان الذين اقتحموا زاروب "الفرير" كانوا من حركة "امل") ، بدا بوضوح ان عقدة كبيرة سوف يكبر حجمها اكثر فاكثر ليصل الى مساحة البلد كله. وفيما تنادى انصار "القوات اللبنانية" الى التحرك دعماً لــ "الحكيم" ولمواقفه، كانت التسريبات الاعلامية تتوالى عن التحقيقات مشيرة بالاصبع الى دور مباشر لــ "القوات" في اطلاق النار على الذين تسللوا الى زاروب "الفرير"، وصولاً الى حد اتهام معراب بأنها خططت لهذه المواجهة المسلحة ميدانياً وزرعت قناصتها على سطوح البنايات بإشراف مباشر من رئيس الجهاز الامني لجعجع وبمتابعة مباشرة منه. صحيح ان "القوات اللبنانية" نفت هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، الا ان استدعاء جعجع الى التحقيق زاد في الحملات التي  استهدفت "القوات" وتفاعلت معها ردود الفعل السلبية في الشارع المسيحي المؤيد لــ "القوات" حتى اصبح المشهد قاتماً لا بل كثير السواد.


البطريرك الراعي يعطل الفتيل

وعليه، كان تحرك البطريرك الراعي في محاولة عاجلة لتعطيل فتيل التفجير واطفاء الشرارة التي سببتها مواقف المحقق العدلي القاضي طارق البيطار اذ لولا الادعاء على الوزراء السابقين علي حسن خليل وغازي زعيتر (من حركة امل) ويوسف فنيانوس (من المردة) ونهاد المشنوق (المستقبل حالياً و"المستقبلي" سابقاً)، لما كانت الدعوة الى التظاهرة الاعتراضية الى قصر العدل وما رافقها من اطلاق نار وتسلسل الى احد احياء عين الرمانة وتبادل اطلاق النار ذهب ضحيته ستة من "امل" و"حزب الله" وسيدة كانت في منزلها وطالها رصاص القنص فقتلت. ولولا كل ذلك لما حصلت المواجهات الكلامية الحادة بين "القوات" من جهة، وحزب الله وحركة "امل" ولما تعطلت جلسات مجلس الوزراء بعد "المطالعة" النارية لوزير الثقافة القاضي محمد وسام مرتضى ممثل حركة "امل" في الحكومة الميقاتية والتي تضمنت تهديدات واضحة ومطالبة بتنحي القاضي البيطار. ويومها، قال مرتضى كلاماً كبيراً في تلك الجلسة اكتسب اهمية خاصة لانه قال إن السيد نصر الله والرئيس بري كلفاه بقوله في مجلس الوزراء لاتخاذ موقف من القاضي البيطار لا يقل عن كف يده عن التحقيق وسلوك الطرق القانونية والدستورية وصولاً الى حد اتهامه بــ"العمالة" وبــ"تنفيذ"، اجندة خارجية يدعمه فيها خصوصاً الكونغرس الاميركي والسفارة الاميركية في بيروت وهي اتهامات كان ساقها ايضاً ضد البيطار، السيد نصر الله نفسه.

من هنا كان لا بد من معالجة الاساس، قبل الانتقال الى الفروع، وهذا ما دفع البطريرك الماروني الى زياراته تباعاً الى عين التينة والسرايا وقصر بعبدا.... رافعاً شعار المعالجة السريعة قبل فوات الاوان. في هذه اللقاءات خصوصاً اللقاء مع الرئيس بري، طرحت القضايا من كل جوانبها، واقترحت الحلول وسط هاجس ما يمكن ان يحصل اذا ما تطورت الاحداث مع رفض جعجع الانتقال الى اليرزة لسماع افادته في ضوء ما ادلى به الموقوفون لدى المخابرات عن دور مباشر لــ"القوات" في ما حصل في الطيونة. اتفق الرئيس بري والبطريرك ان الاولوية يجب ان تكون لمعالجة مسألة التحقيق الذي يجريه القاضي البيطار والاتهامات التي وجهها الى الوزراء السابقين علي حسن الخليل وغازي زعيتر ويوسف فنيانوس ونهاد المشنوق، باعتبار ان هذه المعالجة هي المدخل لمعالجة ما تفرع عنها بما في ذلك احداث الطيونة ودعوة جعجع الى التحقيق وغير ذلك... طرحت حلولاً ومقترحات واستقر الرأي على العودة الى الدستور الذي ينص بأن محاكمة الرؤساء والوزراء تتم امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء المؤلف من قضاة من اعلى درجات القضاء وعدد من النواب، ويرأسه رئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي سهيل عبود، وهو المطلب الذي رفعه من الاساس الرئيس بري وأكد عليه مجلس النواب في مراسلات رسمية وجهت الى وزير العدل هنري خوري وواكبتها تعليمات اصدرها وزير الداخلية والبلديات بسام مولوي الى قوى الامن الداخلي بعدم تنفيذ مذكرات الاحضار الصادرة عن القاضي البيطار بحق الوزراء السابقين الاربعة (وبينهم 3 نواب حاليين) والرئيس السابق للحكومة حسان دياب، والتقى بري والبطريرك على ان مثل هذه المعالجة تنزع الفتيل المتفجر من جهة، وتعيد تدريجياً الاستقرار السياسي والامني، وتعيد تفعيل الحكومة لانه في الاساس كان المطلب الشيعي بأن يحال الوزراء السابقين والرئيس دياب الى المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والنواب وليس القضاء العدلي لاسيما وان القضاة الذين استجوبوا عن مسؤوليتهم في اصدار قرارات بانزال "نترات الامونيوم" من الباخرة "روسوس" ووضعها في مستودع خاص، احيلوا الى المحكمة الخاصة بالقضاة، فكيف يتم تمييز القضاة عن الوزراء السابقين ودياب باحالتهم الى القضاء العدلي. اما بالنسبة الى احداث الطيونة وعد الرئيس بري بأن تتم معالجتها وفقاً للتحقيقات التي تجريها مديرية المخابرات باشراف النيابة العامة العسكرية، على ان تستكمل بشفافية من دون تصفية حسابات سياسية او "تظلم" احداً، وهذا يعني معالجة مسألة استدعاء جعجع الى التحقيق بــ" التي هي احسن". اما كيف يتم ذلك "المخرج" فطلب بري من البطريرك ان يترك له ذلك وهو، من خلال مجلس النواب، "يدوزن" المسألة في جلسة لمجلس النواب....


هل تخرج الحكومة من حالة " الكوما "؟


حمل البطريرك رزمة الحلول هذه، وذهب بها الى السراي وبحثها مفصلاً مع الرئيس نجيب ميقاتي التي وافق عليها انطلاقاً من مواقف سابقة له تدعو الى تطبيق الدستور في ما خص محاكمة الرؤساء والوزراء امام المجلس المشكل لذلك، علماً ان البطريرك لفت عناية ميقاتي الى ان الوصول الى هذا الحل يسقط ذريعة "الثنائي الشيعي" بعدم حضور جلسات مجلس الوزراء ما يعني عودة الحياة الى الحكومة الميقاتية التي دخلت في "الكوما" بعد اقل من شهر من تشكيلها. وعليه اكمل البطريرك طريقه صوب قصر بعبدا عارضاً رزمة الحلول على الرئيس عون الذي كان ايجابياً في الرد عليها شرط ان تتم وفق الاصول الدستورية والقواعد القانونية ولا تشكل تعدياً من السلطة التشريعية على السلطة القضائية لأن مبدأ فصل السلطات مكرس ايضاً في الدستور. بمعنى آخر يواصل القاضي بيطار التحقيق في الملف للوصول الى نتيجة نهائية على ان يترك امر التحقيق مع الرئيس دياب والوزراء السابقين الاربعة الى المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وان لا يصار الى المساس بأي معطيات قضائية توصل اليها القاضي بيطار في تحقيقاته. وعليه بدا البطريرك الراعي مرتاحاً لدى خروجه من مكتب الرئيس عون وأكد للصحافيين ان الحلول المقترحة لقيت تباعاً موافقة الرؤساء بري وميقاتي وعون على امل ان تحدث انفراجاً في الموقف ولا تمس هيبة القضاء او يتم النيل من دور القاضي بيطار، وان تعود الحياة الى الحكومة ومجلس الوزراء.

أما الآلية التي ستعتمد لوضع هذه الحلول موضع التنفيذ، لاسيما تسلم المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء هذه المهمة، فظلت غامضة في انتظار وضع "السيناريو" المناسب لها في جلسة مجلس النواب، وسواء كان ذلك من خلال تشكيل لجنة تحقيق برلمانية تضع يدها على الملف بالشق المتعلق فقط بالرؤساء والوزراء، او من خلال اتخاذ المجلس القرار الملائم دستورياً وقانونياً يجعل الملف تحت اشرافه، ذلك ان "المخرج" مهم في هذه الحالة ومن غير الجائز ان يظهر المجلس النيابي منتصراً على القضاء، او ان يبدو القضاء منهزماً امام المجلس النيابي والعكس بالعكس. وعلى هذا الاساس نشط القانونيون في وضع الصيغة الملائمة المستندة الى الدستور والقوانين والانظمة المرعية الاجراء.... فهل تكتمل "الفرحة" المثلثة الاضلاع اي استمرار التحقيق العدلي، وتولي مجلس النواب الشق المتعلق بالرئيس دياب والوزراء السابقين، وحصول الانفراج الحكومي المرتجى مع ما يعني ذلك عودة مجلس الوزراء الى الانعقاد؟ اسئلة سوف تحمل الايام الآتية الأجوبة المناسبة عليها.... المهم انقاذ البلاد من "قطوع" يمكن ان يزيد الامور تعقيداً ويرفع منسوب التوتر الذي قد يعيد عقارب الساعة الى الوراء، علماً ان الرئيس عون كان اعلن ان هذه العقارب لن تعود الى الوراء ولن تكون الحرب الاهلية واردة في حساب أحد!.

البطريرك بشارة الراعي عند الرئيس نبيه بري.

البطريرك بشارة الراعي عند الرئيس نبيه بري.

وفي السراي مع الرئيس نجيب ميقاتي.

وفي السراي مع الرئيس نجيب ميقاتي.