تفاصيل الخبر

"عقدة البيطار" مستمرة مع سقوط اقتراحي حل المجلس العدلي أو إنشاء هيئة اتهامية عدلية...

27/10/2021
القاضي طارق البيطار.

القاضي طارق البيطار.


 أيام مرت على تعليق جلسات مجلس الوزراء بسبب موقف "الثنائي الشيعي" المطالب بتنحية المحقق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، ولم تلوح في الافق الطريقة التي سيعالج فيها الانقسام السياسي الحاصل حول مهمة القاضي البيطار وكلما طرحت فكرة للحل، سرعان ما يتم اجهاضها او طلب تأجيل البحث فيها تحت حجة ضرورة تنحي القاضي البيطار قبل البحث في اي مخارج اخرى. وبرزت في هذا السياق تباينات بين موقف "الثنائي الشيعي" الحاسم بمقاطعة مجلس الوزراء الى حين وضع حد لما وصفوه بــ "تجاوزات" المحقق العدلي، وبين موقف رئيسي الجمهورية  ميشال عون والحكومة نجيب ميقاتي وعدد من الوزراء المتمسك بمبدأ فصل السلطات، اضافة الى رفض القاضي البيطار فكرة عرضت عليه بشكل غير رسمي تقضي بأن يبادر الى التنحي لاسيما بعد الحوادث الدامية التي وقعت عند مثلث الطيونة – الشياح - عين الرمانة اثر التظاهرات التي كانت انطلقت اصلاً احتجاجاً على اداء القاضي البيطار بدعوة من "الثنائي الشيعي" اي حركة "امل" وحزب الله. وما زاد في تعقيد الامور ان رئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي سهيل عبود الذي طلب منه العمل على ايجاد حل لهذه المشكلة المستعصية، اصر على رفض الرضوخ للضغوط السياسية وعدم القبول بأي تسوية غير قانونية، الامر الذي اطاح باقتراح تم التداول به بأن يعقد مجلس القضاء الاعلى جلسة بعدما بات النصاب القانوني متوافراً له يدعى اليها القاضي البيطار لــ "التداول" معه في الملابسات التي نتجت عن مسار التحقيق وليس في مضمونه، وذلك في محاولة لاستيعاب الامر والايحاء بأن الملف بات في عهدة مجلس القضاء الاعلى الذي سوف يعالجه انطلاقاً من القوانين والانظمة التي ترعى عمل الجسم القضائي، خصوصاً ان الفريق الشيعي المعترض على القاضي بيطار يريد معالجة هذه المسألة ولم يعد تهمه ان تمت المعالجة في مجلس الوزراء، أو في مجلس القضاء الاعلى.


وحيال عدم اقدام مجلس القضاء الاعلى على اي مبادرة يمكن ان تساعد في حل "عقدة البيطار"، قدم وزير العدل القاضي هنري خوري خلال اجتماع عقده مع رئيس مجلس النواب نبيه بري اقتراحاً بإنشاء هيئة اتهامية عدلية استثنائية يكون ضمن اختصاصها النظر في قرارات المحقق العدلي. ولكي يبصر هذا الاقتراح النور يقترحه وزير العدل، ثم يوافق عليه مجلس القضاء الاعلى، ثم يدرسه مجلس الوزراء، ويقدمه عدد من النواب الى المجلس النيابي ليصوت عليه. وتحدثت مصادر وزارة العدل عن تأكيد الرئيس نجيب ميقاتي لوزير العدل انه هو من يضمن تقديم هذا الاقتراح من قبل بعض النواب الى المجلس النيابي كاقتراح قانون معجل مكرر ولاسيما ان العقد العادل لمجلس النواب بدأ يوم الثلاثاء الماضي فاذا تعذر اجتماع الحكومة اللبنانية لعدم الاتفاق السياسي على المخرج، فسيكون المخرج في مجلس النواب من خلال تقديم هذا الاقتراح على انه المخرج الوحيد لعودة انعقاد مجلس الوزراء. اما الرئيس بري فقد رحب بداية باقتراح وزير العدل، لكنه اعتبر انها صيغة تحتاج الى بعض الوقت، وهو يريد حلاً سريعاً لازاحة البيطار عن اختصاص ملاحقة النواب والوزراء وحصرها في المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. الا انه بدا في وقت لاحق ان الاقتراح لم يلق حماسة لدى بري وكان لافتاً في هذا الاتجاه تصريح نائب كتلة حركة "امل" قاسم هاشم بأن ما يتم  تداوله عن انشاء هيئة عدلية عار عن الصحة، وهو غير مطروح في الجلسة التشريعية، ما يعني عملياً ان بري لا يزال متخوفاً من ان تكون الهيئة فخاً ينصبه البعض علماً ان تخوفه ينطلق من الغرق في متاهة المراسيم التطبيقية وآلية تعيين القضاة في حال الموافقة على مبدأ انشاء الهيئة، علماً ان مطلب "الثنائي الشيعي" يقوم بالاساس على ضرورة "إزاحة" القاضي البيطار قبل البحث في اي صيغة اخرى، لاسيما وأن حزب الله يعتقد ان بيطار يتجه في قراره الظني الى اتهام الحزب بتفجير المرفأ تنفيذا لــ "اجندة" خارجية تقف الولايات المتحدة الاميركية وراءها.... وبالتالي فإن المعادلة السياسية المستجدة هي "إما الحكومة وإما طارق بيطار".


السياسة دخلت على الخط

وكشفت مصادر قضائية ان المسألة لا تتجه الى الحل سريعاً بدليل أنّ تعيين محقّق بديل عن القاضي طارق البيطار دونه الكثير من العقبات التي عبّر عنها تماهي رئيس مجلس القضاء الأعلى مع كلّ القرارات التي سبق للمحقّق العدليّ أن اتّخذها، ولا سيّما في ما خصّ ملاحقة الرؤساء والوزراء، على خلاف رأي فريق سياسي يعتبر أنّ هذه المهمّة منوطة بالمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. لذلك سيكون دفع مجلس القضاء الأعلى بهذا الاتجاه صعباً جدّاً. وحتّى لو فعلها لإحراج البيطار والدفع به إلى التنحّي، وهو احتمال ضعيف جدّاً، سيخرج الأخير من معركته مع القوى السياسية منتصراً وفي مرتبة الأبطال، وسيكون قد رسم سقفاً عالياً يستحيل على أيّ محقّق عدليّ سيُعيَّن من بعده أن يتجاوز هذا السقف نزولاً خشيةً من الحالة الشعبية التي سبّبها البيطار، ولا سيّما في الأوساط المسيحية.

وهكذا لن يؤدّي الضغط باتجاه تنحية المحقّق العدلي، بمبادرة ذاتيّة منه، غرضه لناحية وقف ملاحقة رئيس الحكومة السابق حسان دياب والوزراء السابقين نهاد المشنوق، وعلي حسن خليل، وغازي زعيتر، ويوسف فنيانوس، واستطراداً تصويب مسار التحقيقات العدلية، ولو أنّ رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يعتقد أنّ هذا الخيار هو أهون الشرور كونه يسمح لحكومته باستعادة عافيتها من دون أن تلوّث يديها بأيّ قرار قد تتّخذه في ما خصّ التحقيقات،هذا فضلاً عن أنّ المحقّق العدليّ بات يتصّرف على أساس أنّه رقم دوليّ صعب يستحيل تنحيته، وناهيك عن الحماية السياسية التي لا يزال يتمتّع بها محليّاً، ولا سيّما من الجهة المسيحية، خصوصاً بعدما فسر البعض ما يرد في عظات البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي حول هذا الموضوع، بأنه دعم للقاضي البيطار في مواقفه ورفض للمساس به او تقديمه "كبش محرقة" إرضاء لمواقف السياسيين ولاسيما الفريق الذي يمثله "الثنائي الشيعي" الذي يتهم ايضاً فريق رئيس الجمهورية ولاسيما مستشاره القانوني الوزير السابق سليم جريصاتي، بأنه "يحتضن" القاضي البيطار "ويوجهه" ليواصل موقفه ضد فريق الرئيس نبيه بري تصفية للخلافات السياسية القائمة بين الطرفين. ولعل ما ورد في البيان الذي صدر عن حركة "امل" يوم السبت الماضي من مواقف قاسية ضد الرئيس عون ورئيس "تكتل لبنان القوي" النائب جبران باسيل خير دليل على الاتهامات التي يوجهها الرئيس بري الى بعبدا وكبير المستشارين فيها.


في هذه الاثناء وردت في بال العاملين على خط ايجاد حل للأزمة الراهنة امكانية طرح مخرجين قانونيين بهدف كسر الحلقة المقفلة، الاولى ان يضع مجلس القضاء الاعلى المحقق العدلي امام واحد من خيارين: إما التزام الدستور في ما خص ملاحقة الرؤساء والوزراء واحترام مرجعية المجلس الاعلى لمحاكمتهم، وإما احالته على التفتيش القضائي لقطع الطريق امام اي محقق عدلي سيخلفه كيلا يتبع المسار نفسه. وهما احتمالان مستبعدان لأن البيطار غير مستعد وغير مضطر الى التصرف على نحو مناقض لمساره، ولأن تركيبة مجلس القضاء الاعلى لا تسمح بقرار الاحالة امام التفتيش القضائي. اما المخرج الثاني فهو الذهاب الى اصل الخلاف، وهو المجلس العدلي بحد ذاته الذي هو عبارة عن محكمة استثنائية لا تسمح بأي طريقة للمراجعة، والعمل على الغاء هذه المحكمة، الذي يستتبع الغاء كل مفاعيلها، وتحويل الملف الى محكمة الجنايات لكي تتولى النظر بالقضية.


اقتراح الغاء المجلس العدلي... سقط


في هذا السياق، تقول مراجع قضائية غن فكرة الغاء المجلس العدلي قد تجد من يؤيدها لاسيما وأن تاريخ إنشاء المجلس العدلي يعود الى العام 1923 عندما اصدر حاكم لبنان الكبير في عهد الانتداب قراراً بإنشاء محكمة استثنائية تحت اسم المجلس العدلي للنظر في جنايات القتل والاعتداءات الواقعة بعد 5 نيسان (ابريل) 1923 في الاراضي اللبنانية، منذ انشائه وحتى شهر تموز (يوليو) من العام 2019، احيلت الى المجلس العدلي 250 جريمة وتحال الدعوى العامة على المجلس العدلي بناء على مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء وتعتبر قراراته غير قابلة لأي طريق من طرق المراجعة، كما ان قرار المحقق العدلي هو قرار مبرم ويغطي الشوائب التي قد تكون حصلت اثناء التحقيقات.


ويقول اصحاب رأي الغاء المجلس العدلي انه اذا كان المجلس انشىء بهدف تسريع المحاكمات فإنه وكما يبدو تحول الى عبء على الحكومة بدل ان يشكل مرجعاً قضائياً مفصلياً لتحقيق العدالة. وكأن الاعتراضات على المحقق العدلي في جريمة المرفأ فتحت شهية بعض القضاة والقانونيين لتسليط الضوء على الشوائب المحيطة بعمل هذا المجلس ووضعيته.

فالنقطة الاولى التي ينطلق منها اصحاب الشأن هي وجود حصرية تحقيقات بيد قاض منفرد، من دون حق الاعتراض لأي جهة قانونية او ان يتسنى لها حق الطعن بقراراته. فالمحقق العدلي ومن وجهة نظر قضائية يختصر بشخصه صلاحيات الادعاء والتحقيق والاتهام ما يفسّره حقوقيون على أنه مخالفة لأبسط حقوق الدفاع والمبادئ، التي ترعى عمل السلطة القضائية وتضمن حقوق المتقاضين ومبدأ الفصل بين السلطات، فهل يعقل ان يجمع شخص واحد صلاحيات تمثيل الدولة في الادعاء في حين انها خصم في الدعوى اضافة الى الظن والاتهام؟ ووفق ما ينص قانون المجلس العدلي فإن المحقق العدلي يبدو وكأنه مرجع قضائي فوق كل المراجع بما فيها النيابة العامة التمييزية، حيث ان صلاحيات المدعي العام التمييزي تتوقف عند حدود معينة في اطار النظر في الدعوى.أما النقطة الاهم هنا من وجهة نظر حقوقية فتتمثل في الجهة التي تحيل الجرائم الى المحقق العدلي والمحصورة في مجلس الوزراء لكونها ملفات تمس امن الدولة، بينما كان يفترض ان توكل الى السلطة القضائية التي لها حق تقدير اي ملف يحول الى محكمة خاصة. كل هذه الاسباب والتساؤلات التي سبقت تقتضي من وجهة نظر اهل البيت القضائي اعادة النظر بموضوع انشاء المجلس العدلي والمحقق العدلي او على الاقل بصلاحياتهما، فهل ان هذه الامكانية مقبولة؟ في عودة الى الوراء يتبيّن ان المجلس سبق وجمدت اعماله مرتين. فهل نكون امام واقع مماثل اليوم؟.

سؤال عصي على الاجابة. لا تنفي مصادر حقوقية وجود شيء من الديكتاتورية في احكام المجلس والتي هي احكام درجة اولى ولا يجوز الاستئناف بشأنها ولا التمييز، الا في حالتي طلب الرد والارتياب المشروع او في حال توافر وقائع جديدة في التحقيق، كما سبق وحصل في الحكم الذي اصدره المجلس العدلي بحق المتهم باغتيال النائب الأردني عمران المعايطة، حيث صدر الحكم على المتهم بقتله لتتبين بعد فترة براءته ووجود منفذ آخر للجريمة، حكم في الاردن ورغم ذلك بقي مسجوناً الى حين صدور عفو عام بحقه في العام 2010، لكن وقائع اليوم تختلف عن امسها فقضية تحقيقات البيطار في جريمة المرفأ بيّنت وتحت عنوان فصل السلطات قوة المحقق العدلي وصلاحياته واستحالة مراجعته، الا في الرد والارتياب والحالتان متعذرتان بالنظر الى سرعة رد محكمة التمييز مثل هذه الطلبات لاصحابها، معطوفاً عليها الانقسام الذي ساد مجلس القضاء الاعلى بعد ان عوِّل عليه في ايجاد المخارج المناسبة بعد التفاهم مع البيطار. وتستبعد مصادر سياسية مثل هذا الحل في الوقت الحاضر بالنظر لحساسية الموقف وتداخل العوامل القضائية بالسياسية، وقد تحولت قضية المرفأ الى قضية رأي عام تجعل من الصعوبة بمكان التجرؤ على طرح من هذا القبيل، ولو ان الفكرة بذاتها صارت مثار تداول في حدود ضيقة على سبيل ايجاد مخرج لازمة البيطار القضائية وخلفياتها السياسية. ويقول مصدر قضائي حالياً يصعب الغاء المجلس العدلي، لأن الغاءه يتطلب قانوناً من مجلس النواب، ولنفترض انه طرح فالنواب المسيحيون حكماً لن يوافقوا عليه وسيفاقم الازمة.


وسط هذه الضبابية تبقى تنحية القاضي  البيطار معلقة من دون حل، ومعها علقت جلسات مجلس  الوزراء لاسيما وان مجلس القضاء الاعلى غير جاهز للبحث في حل من ضمن السلطة القضائية وان كل ما يمكن أن يقوله المجلس للقاضي بيطار: "تصرف صح"... فكيف سيكون هذا التصرف؟ وحده مجلس النواب يمكن ان يعطل عمل القاضي البيطار اذا وضع يده على الملف بالشق المتعلق باحالة الوزراء الى المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، ويبدو ان هذا الخيار سلك مساره في مجلس النواب ليقطع الطريق على المحقق العدلي المصر على موقفه وهو اصدر مذكرات باحضار النواب المشنوق وعلي حسن خليل وغازي زعيتر والوزير السابق يوسف فنيانوس الى دائرته للتحقيق معهم كمدعى عليهم... وهم لن يحضروا!.