تفاصيل الخبر

"بوتين" يدخل الساحة اللبنانية من بوابتي انفجار مرفأ بيروت والعلاقة مع حزب الله

27/10/2021
الرئيس الروسي " فلاديمير بوتين" يستضيف الرئيس ميشال عون في الكرملين منذ ثلاث سنوات.

الرئيس الروسي " فلاديمير بوتين" يستضيف الرئيس ميشال عون في الكرملين منذ ثلاث سنوات.

          

 قليلة، لا بل نادرة، هي المرات التي تناول فيها الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" الوضع في لبنان معلقاً مباشرة على ما يجري فيه من أحداث، وقد يكون الموقف الذي اعلنه خلال زيارة الرئيس ميشال عون الى موسكو قبل ثلاثة اعوام، الموقف الوحيد والمباشر الذي تحدث فيه بإسهاب عن لبنان وظروفه، اذا ما استثنينا بعض التعليقات السريعة من حين الى آخر، فهو كان يترك هذا الملف إما لوزير الخارجية "سيرغي لافروف" او لنائبه للشؤون السياسية "ميخائيل بوغدانوف"، او السفير السابق في بيروت "الكسندر زاسبكين"، من هنا، بدا حديثه المباشر عن لبنان الاسبوع الماضي خلال مشاركته في الجلسة العامة لمنتدى "فالداي" من الاهمية بمكان لأنه خص لبنان بفقرات من مداخلته تناول فيها الوضع اللبناني داعياً الى حل الخلافات عبر الحوار من دون سفك دماء، كاشفاً عن استمرار الاتصالات مع كل الاطراف السياسيين اللبنانيين من اجل التوصل مستقبلاً الى تسوية للاوضاع من دون اي سفك للدم، ومن دون ان يكون التدخل الروسي لمصلحة احد انما لمصلحة لبنان ككل خصوصاً ان الاوضاع في الشرق الاوسط، كما قال، "على شفا خطر دائم في الآونة الاخيرة، لكننا بالطبع سنفعل كل ما بوسعنا لاقناع كل اطراف العملية الداخلية السياسية بضرورة البقاء على منصة المنطق السليم والسعي للتوصل الى اتفاق". ولعل من ابرز ما قاله في الشق السياسي كان حديثه عن حزب الله وعلاقته بايران وارتباط ذلك بالاوضاع اللبنانية، فاعتبر ان هناك مواقف مختلفة في دول مختلفة من حزب الله الذي يمثل "قوة سياسية كبيرة في لبنان"، لكن ذلك لا يلغي الدعوة الروسية المستمرة الى حل كل النزاعات القائمة عن طريق الحوار.

الا ان ما ميّز حديث "بوتين" بشكل لافت كان ما قاله عن كارثة انفجار مرفأ بيروت حيث جدد تعازيه للشعب اللبناني من سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى اضافة الى وقوع اضرار ضخمة. واضاف في كلام صريح وملفت ما حرفيته: "علمت من وسائل الاعلام بما جرى بما في ذلك انه تم منذ عدة سنوات نقل نترات الامونيوم الى الميناء وان السلطات المحلية لم تتعامل للاسف مع ذلك نظراً للرغبة، حسبما فهمت، في بيع الشحنة بشكل مربح... هذا ما اصبح سبباً للكارثة قبل كل شيء برأيي. اما المساعدة في التحقيق، فلا افهم بصراحة كيف يمكن ان تساعد اي صور ملتقطة بالاقمار الصناعية في حال وجودها لدينا اصلاً، لكنني اعد بأن ادرس الموضوع فاذا يمكننا المساعدة في اجراء التحقيق فنحن بالطبع سنفعل ذلك".  وهذه المرة الاولى التي يعلن فيها "بوتين" انه يمكن ان تكون لدى موسكو صور من الاقمار الصناعية ليضعها في تصرف التحقيق اللبناني الذي يتأرجح بين التعطيل حيناً والتأخير احياناً، علماً انه سبق ان حضرت الى بيروت بعثة تقنية روسية بعيد ايام من الانفجار وساهمت مع غيرها من البعثات الدولية التي زارت العاصمة اللبنانية في التحقيقات التي اجريت بعيد الانفجار وقدمت خبرات تقنية وفنية لمساعدة السلطات اللبنانية في القاء الضوء على ما حصل في المرفأ ذلك المساء في 4 آب (اغسطس) 2020.

دلالات كلام "بوتين" متعددة الوجوه

في اي حال، كلام "بوتين" عن انفجار المرفأ لا يمكن ان يمر مرور الكرام، وفق مصادر متابعة في وقت يتخبط فيه المسؤولون اللبنانيون في دوامة التحقيقات، وفيما يعيش لبنان اوقاتاً بالغة الصعوبة والحرج لمواجهة تداعيات هذه الجريمة المأساوية وكشف ملابساتها، في وقت لا تزال مسألة تنحي المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، او عدم تنحيه، الشغل الشاغل للقيادات السياسية بعدما ادت الى تعطيل جلسات مجلس الوزراء بعد شهر تقريبا من ولادة الحكومة التي رفعت شعار "معاً للانقاذ" وباتت عملياً في حاجة الى من ينقذها هي، بعدما كانت مهمتها انقاذ البلاد من الاوضاع المزرية التي تعيش فيها والتي زادتها صعوبة عودة شبح الحرب الاهلية بعد الاحداث الدامية التي وقعت عند مثلث الطيونة- الشياح - عين الرمانة. من هنا بدا كلام "بوتين" ذات دلالات عدة، لعل اهمها قوله إن الكارثة التي حلت بالمرفأ مرتبطة برغبة البعض في تحقيق مكاسب مالية من خلال بيع الاسمدة (اي نترات الامونيوم) بأسعار افضل. ذلك انه لو صدر مثل هذا الكلام عن شخص غير "بوتين"، لمرّ من دون اي تعليق او ردود فعل. اما ان يصدر عن رئيس دولة عظمى، لعلها الثانية في العالم من حيث التأثير السياسي والعسكري، فإن ذلك يعني الكثير مما يجب التوقف عنده علماً ان قائله رجل الاستخبارات الابرز في الاتحاد الروسي قبل ان يصبح رئيساً للدولة وأحد اسباب القلق الدائم للادارة الاميركية. ويستدل من كلام بوتين - الذي لا يطلق عادة كلاماً من دون ان يكون ممتلكاً لمعطيات دقيقة - ان لا اسباب اجرامية او ارهابية وراء الانفجار، وان المصالح الشخصية هي التي ادت الى وقوع المأساة.

وفي قراءة هادئة لكلام "بوتين" من ديبلوماسيين ومعنيين يتابعون الملف ان لا خلفيات دولية وسياسية ودبلوماسية واستخباراتية تقف خلف هذا الانفجار، ويجب عدم التفكير بطبيعة الحال، بأيّ امر يتعلق باسرائيل او بغيرها من الدول واتّهامها بأنها عززت او ساهمت او حرّضت على تعرّض بيروت لهذا الزلزال الرهيب. صك البراءة هذا، صادر عن "بوتين" نفسه، وليس عن ناطق باسمه او مصدر قريب منه، وبشكل علني، وهذا ان دل على شيء، فعلى ان الرئيس الروسي واثق من وجود احتمالين: الاول هو وجود ما يثير الشك حول تورط جهّات خارجية في المسألة والثقة التامة بأن هذا التورط لن يظهر بأي شكل من الاشكال، والثاني هو ان التحقيقات الجارية لا بد وان تسلك منحى معيناً فقط واسقاط كل المسارات الاخرى، بدليل اعترافه بأن صور الاقمار الصناعية موجودة لدى موسكو وسيتم درس تسليمها اذا كان هناك من حاجة اليها. هذا يعني ان "بوتين" اطلع بالفعل على هذه الصور ولم يسلّمها لسبب معيّن، خصوصاً مع تنامي الدعوات الرسمية اللبنانية للدول والمسؤولين الدوليين لتسليم هذه الصور الى الجانب اللبناني لتعزيز صحة التحقيقات وتصويب مسارها اذا لزم الامر، الا ان روسيا امتنعت عن تسليم الصور ولا تزال تعتبر انها غير ضرورية، فإما ان يكون هناك ما يجب التعتيم عليه، او انه بالفعل ليس هناك من معطيات مهمّة في الصور، ولمن هذا يوجب بالفعل تسليمها لطمأنة الخواطر وقطع الشك باليقين بأن كل ما حصل كان عبر المصادفة والاهمال وتحقيق الاموال عن جهل تام بخطورة الموقف. 

وفي تقدير الديبلوماسيين والمعنيين انفسهم ان كلام "بوتين" لم يساعد في القاء اضواء اضافيّة على ملابسات الانفجار، لكنه قدّم على ما يبدو، مخرجاً ملائماً للازمة عبر التخفيف من وطأتها وفكّ ما قيل عن تشعّباتها الدوليّة، وربما حصر الامر ببعض الاشخاص، ليساهم من حيث يدري او لا يدري ربما في سحب فتيل الازمة المستجدة، وتخفيف حدّة الاستنفار والخطورة لدى كل الاطراف والتي هدّدت باندلاع حرب اهلية عمل الكثيرون فيها على التهدئة كي لا يدفع لبنان بأكمله، ودول المنطقة الثمن غالياً. ولم يخفِ "بوتين" نفسه قلقه من هذا الامر، اذ اكد في الوقت نفسه، ان لروسيا مصلحة في استقرار لبنان، ما يعني انّ العمل مباشرة او بطريقة غير مباشرة على حلّ المشاكل الكبيرة التي تلوح في افق سماء لبنان قائم ولا يقتصر فقط على روسيا، بل على كل الدول الكبرى ايضاً.

العلاقة مع حزب الله

اما الشق المتعلق بحزب الله من كلام "بوتين" فله ايضاً دلالاته لاسيما عندما يصف الحزب بأنه "قوة سياسية كبيرة في لبنان" فهو يرد بذلك على الاتهامات الاميركية والاوروبية التي تصف حزب الله بالحزب "الارهابي"، فيما هو اعتبره حزباً سياسياً كبيراً اختبره من خلال المعطيات التي وصلته من المسؤولين الروس الذين التقوا مسؤولين في الحزب عندما زاروا موسكو، او من خلال القنوات المفتوحة مع الحزب في بيروت، فضلاً عن الدور الذي لعبه حزب الله في الحرب السورية حيث الحضور السوري وازن وفاعل ومؤثر في آن. لذلك، ترى مصادر سياسية لبنانية ان تناول "بوتين" الوضع في لبنان على هذا النحو، يعكس تطوراً مهماً في السياسة الروسية تجاه لبنان ودخولاً من الباب العريض على الاوضاع فيه ومقاربتها على نحو مختلف عما كان في السابق، الامر الذي يعني ايضاً ان موسكو راغبة في ان يكون لها "موطىء قدم" في الساحة السياسية اللبنانية كما لها ذلك الحضور المميز في ساحات عربية اخرى بالتزامن مع ما يجري من مفاوضات ولقاءات واجتماعات لمعالجة الوضع في سوريا والعراق، من خلال علاقتها مع طهران التي وإن اضطربت في وقت من الاوقات بسبب الاحداث في سوريا، الا انه يبدو انها بدأت تعود الى صفاء يمكن ان يوفر عناصر جديدة في عملية رسم الخريطة السياسية في المنطقة مستقبلاً، والبوابة اللبنانية تعتبر من المداخل الاساسية في هذه الخريطة.