تفاصيل الخبر

تعويضات نهاية الخدمة خسرت 90% من قيمتها والضمان الاجتماعي يسعى الى تصحيح ولو جزئي!

27/10/2021
مدير عام الضمان الاجتماعي محمد كركي.

مدير عام الضمان الاجتماعي محمد كركي.



 بين الهموم الأمنية والسياسية التي تواجه اللبنانيين يومياً مع تصاعد الخلافات بين الاقطاب السياسيين، وحصول اضطرابات أمنية في بعض المناطق، يبقى الهم المعيشي الغالب مع استمرار ارتفاع اسعار السلع الاستهلاكية والمحروقات، مع تراجع سعر الليرة اللبنانية امام الدولار الاميركي والذي يسجل هبوطاً ونزولاً غير مضبوطين لعدم قدرة مصرف لبنان على التدخل في السوق كما كان يحصل سابقاً بعد نفاذ الدولارات الاميركية من خزانته وعدم رغبة حاكم مصرف لبنان في المساس بالاحتياطي الالزامي للمصارف بعدما مدّت اليه اليد مراراً. وفي الوقت الذي يبدو فيه الدعم وقد رفع عملياً عن معظم السلع والمواد باستثناء بعض الادوية للامراض المزمنة والمستعصية مثل السرطان وغيره، تأخر انجاز البطاقة التمويلية التي كانت الحكومة ربطت رفع الدعم بالتزامن مع توزيعها على المواطنين المعنيين بها وهم من الأسر الأكثر فقراً والعائلات الفقيرة، علماً ان علامات استفهام لا تزال ترسم حول الجهات التي ستستفيد من البطاقة التمويلية بعدما كثر الحديث عن عدم دقة اللوائح المعدة في هذا الشأن. لكن اللافت في هذا الاطار ان الارقام تتفاوت بين مسؤول وآخر، وكذلك بين البنك الدولي الذي يفترض ان يمول هذه البطاقة من قرض قيمته 246 مليون دولار اميركي، ولعل هذا التفاوت بات يشكل السبب الرئيسي في الاستمرار في تأخير ولادة البطاقة وجعلها في متناول من يفترض ان يستفيدوا منها.

وفي الوقت الذي لا يستطيع اي مسؤول ان يجزم موعد بدء تطبيق مفاعيل البطاقة التمويلية وسط حديث عن ان تأخيرها متعمد لتصبح عملياً "بطاقة انتخابية" يتم من خلالها رشوة الناخبين - وهو ما تنفيه حكومة الرئيس نجيب ميقاتي جملة وتفصيلاً - يستمر ارتفاع الاسعار وتزداد الازمة الاقتصادية اختناقاً بالتزامن مع كارثة اجتماعية من نوع آخر تضاف الى سجل الكوارث الذي بات حافلاً، تتمثل بتراجع قيمة تعويضات نهاية الخدمة بنسبة 90 في المئة من قيمتها بفعل تراجع سعر صرف الليرة قياساً الى الدولار. وفي هذا الاطار يواجه العمال والموظفون في القطاعين العام والخاص على حد سواء مصيراً محتوماً عندما يدركون ان تعويضات نهاية الخدمة التي عولوا عليها كثيراً ليضمنوا "آخرتهم" تبخرت قيمتها ولم تعد تساوي شيئاً خصوصاً ان من كان راتبه، مثلاً، مليون ونصف مليون ليرة كان قبل الازمة يساوي الف دولار، وبات الآن يساوي اقل من مئة دولار بكثير وبالتالي فإن تعويض نهاية الخدمة التي سوف يتقاضاه لم تعد له اي قيمة لأن تعويضاً بقيمة 40 مليون ليرة مثلاً بات يساوي الفي دولار فيما كانت قيمته بالدولار تقارب 27 الف دولار اميركي!. وتزداد الازمة تفاقماً مع غياب قانون ضمان الشيخوخة الذي يزال اسير ادراج مجلس النواب بعدما كان اقرّ في عهد الرئيس اميل لحود، ثم سحب في عهد الرئيس ميشال سليمان، ليبقى مجمداً حتى الساعة مع ان كل الحكومات المتتالية تعهدت بأن يبصر النور في خلال ولايتها.

مآسي المضمونين

مآسي العائلات اللبنانية تتوالى في هذا السياق، وتزداد يوماً بعد يوم  مع استمرار تراجع سعر صرف الليرة اللبنانية، وتشير الارقام الى تراجع متوسط تعويض نهاية الخدمة للعاملين المضمونين من نحو 80 الف دولار الى نحو 6 الاف، اي بانخفاض نسبته 1233 في المئة. ومعلوم ان عدد المنضوين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يبلغ نحو 600 الف ويستفيد نحو 800 الف شخص آخرين مع عائلاتهم من خدمات الصندوق ما يعني عملياً نحو مليون و400 الف مستفيد، اي نحو ثلث الشعب اللبناني تقريباً. اما خدمات الصندوق فتنقسم الى ثلاثة اقسام : المرض والامومة، والتعويضات العائلية، وتعويضات نهاية الخدمة. وفي محاولة لايجاد بعض التوازن، وليس كله، تشير المعلومات الى ان التواصل جار مع حاكم مصرف لبنان منذ أكثر من سنة و3 أشهر للسير بطرح دفع التعويضات على سعر صرف المنصة أي 3900 ليرة، ما يعني ضرب التعويض الحالي في 2.6، ما يخفف قليلاً من خسارة العامل المضمون، ويتم العمل في الوقت عينه على إحياء طرح نظام التقاعد والحماية الاجتماعية الذي يؤدي لاستبدال راتب شهري للمضمونين بتعويض نهاية الخدمة على غرار موظفي الدولة، ما يجعلهم يستفيدون من زيادات غلاء المعيشة ولا يضطرون لسحبه بقيمته الحالية المنخفضة. وإذ يؤكد اكثر من مسؤول معني أنْ لا خوف على الاستدامة المالية في الصندوق المؤمّنة للعام 2065، يلفت هؤلاء إلى أن تهافت المضمونين لسحب تعويضاتهم تراجع، فبعدما كان قد بلغ عام 2020، 18642 طلباً، لم يتجاوز حتى حزيران (يونيو) الماضي 10791 طلباً، ونحو 60 ألف شخص لم يعودوا مضمونين منذ اندلاع الأزمة عام 2019 وحتى نهاية العام الماضي، وأن 50% من الأُجراء المضمونين لا يتجاوز راتب المصرح به للصندوق لكل منهم المليون ليرة لبنانية.

 في المقابل كيف ينظر الاتحاد العمالي في لبنان الى هذه الوقائع المؤلمة وكيف يتعاطى معها . يقول رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر، "إن الخوف ليس بحصول المضمون على ماله إنما على قيمة ما سيحصل عليه خصوصاً في ظل الواقع الاستشفائي المرير، فبعدما كان الضمان يغطي نحو 90% من الفاتورة الاستشفائية لم يعد يغطي إلا 10% وبات على المريض تغطية المتبقي". ويرى الأسمر "أننا أمام كارثة ونتدحرج نحو الأسفل بسرعة هائلة، والمطلوب رجال استثنائيون وعمل دؤوب للحكومة المفترض أن تبقي اجتماعاتها مفتوحة لمعالجة أزمات الناس، لكن في المقابل نرى مراوحة قاتلة، والناس متروكون لمصائرهم". ويقول خبراء في الشأنين الاقتصادي والمالي أن تراجع القيمة الشرائية للرواتب والتعويضات ليست المشكلة إنما نتيجة للمشكلة، وبالتالي لا يمكن حلها من دون معالجة لب الأزمة  مع مواصلة اعتماد سياسات فاشلة كطباعة الأموال لتصحيح أجور أو رفع قيمة التعويضات لأن ذلك سيفاقم الحالة الاقتصادية ويؤدي لارتفاع إضافي بالأسعار، ما يفرض الانكباب لمعالجة المشكلة الأساس المرتبطة بسعر الصرف.

وحسب البيانات المالية لإدارة الضمان لغاية حزيران (يونيو) 2020، فلدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي - فرع تعويضات نهاية الخدمة نحو 12076 مليار ليرة (الدولار يساوي نحو 20 ألف ليرة في السوق السوداء)، وهو يوظّف من هذه الأموال نحو 6 آلاف مليار ليرة في سندات الخزينة اللبنانية، ويجمّد نحو 5 آلاف مليار ليرة في المصارف التجارية، ولديه محفظة مستجدّة بالدولار الأميركي تبلغ 380 مليون دولار. وفي المقابل، على الضمان عجز متراكم مسحوب من اموال تعويضات نهاية الخدمة قيمته الاجمالية تبلغ 4273 مليار ليرة، أي ما يمثل 36.5% من مجمل موجودات فرع نهاية الخدمة، وذلك لتغطية قسم من ديون الدولة لفرع المرض والأمومة.