تفاصيل الخبر

"إيجابية" هوكشتاين قابلها لبنان بليونة: تفاوض على مساحة بين خطين مع حفظ الحقوق

27/10/2021
ممثل الولايات المتحدة الأميركية في ملف التفاوض "آموس هوكشتاين" في القصر الجمهوري عند الرئيس ميشال عون.

ممثل الولايات المتحدة الأميركية في ملف التفاوض "آموس هوكشتاين" في القصر الجمهوري عند الرئيس ميشال عون.


 القاسم المشترك الذي برز خلال المحادثات التي أجراها ممثل الولايات المتحدة الاميركية في ملف التفاوض غير المباشر لترسيم الحدود البحرية الجنوبية (آموس هوكشتاين)، هو التقاء رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي على أن أجواء المحادثات مع الموفد الاميركي، كانت ايجابية خلافاً للمخاوف التي سادت قبل وصول هوكشتاين الى بيروت على خلفية كونه يهودياً ولد في اسرائيل وخدم في الجيش الاسرائيلي، اضافة الى مواقف سابقة له خلال تسلمه ملف الترسيم حفلت بتناقضات كبيرة مع الموقف اللبناني اذ هو صاحب نظرية تجاهل مسألة الترسيم الحدودي البحري، والبحث في تقاسم الخيرات النفطية والغازية في جوف البحر بصرف النظر عن الحدود لأن حقول النفط والغاز تتداخل في ما بينها ولا بد من تقاسم عادل لانتاجها.... هذا الانطباع السلبي غاب عن محادثات هوكشتاين في بيروت وحلت محله انطباعات ايجابية برزت خصوصاً من خلال  ما قاله الموفد الاميركي وكرره على مسمع من رؤساء الثلاثة ومن التقاهم بأنه جاء لمساعدة لبنان حاملاً معه "إرادة قوية" للوصول الى حل بالتعاون مع الجانب اللبناني على نحو يحفظ حقوق لبنان ويؤمن استقراراً في المنطقة الجنوبية ويفتح الباب امام الاستثمارات النفطية والغازية التي سوف تنعش - حسب مفهومه - الاقتصاد اللبناني الذي يمر حالياً في ظروف صعبة جداً وقاسية.


لقد شاء هوكشتاين ان يمهد لمحادثاته اللبنانية برسالة ايجابية جداً للمسؤولين اللبنانيين تتعلق بالدور الاميركي في  تسهيل عملية استجرار الغاز والكهرباء من مصر عبر الاردن وسوريا اذ ابلغ المسؤولين اللبنانيين انه تواصل مع المسؤولين المصريين وابلغهم ان عملية استجرار الغاز والكهرباء الى لبنان لا تخضع لموجبات المقاطعة لسوريا المحددة في "قانون قيصر" وان لا حصار على لبنان في هذا  المجال وبامكان الجانب المصري انهاء المحادثات مع الجانب اللبناني للبدء بضخ الغاز الى لبنان، ومن ثم تأمين وصول الكهرباء المصرية الى الاردن ومنها الى سوريا ثم لبنان. وقال هوكشتاين ان رسالة خطية في هذا  المعنى ارسلت الى الجانب المصري تأكيداً على الموقف الاميركي الثابت في هذا المجال. كانت رسالة هوكشتاين "الافتتاحية" واضحة ان لا عرقلة اميركية لاستجرار الغاز والكهرباء ولا عقوبات على لبنان المستثنى في هذا العمل حصراً من تطبيق قانون قيصر. والواقع ان "تطمينات" هوكشتاين اراحت المسؤولين اللبنانيين الذين اعتبروا ان "مخاوفهم" الاولية تبددت نسبياً في مقاربة الشق الاكثر دقة في مهمة الموفد الاميركي وهو موضوع ترسيم الحدود البحرية الجنوبية. وفي هذا الاطار، تقول مصادر اطلعت على مضمون محادثات هوكشتاين مع الجانب اللبناني ان الصراحة سادت في  حديث الموفد الاميركي لاسيما عندما قال انه استعاد الملف من السفير جون دوروشيه المنشغل بادارة البعثة الديبلوماسية الاميركية في قطر والذي قاد المفاوضات في الناقورة التي رأى هوكشتاين انها كانت "مبكرة" اذ كان يفضل الا تحصل مفاوضات وجهاً لوجه من دون تهيئة الاجواء كي تتم بهدوء، والدليل ان الخلافات ظهرت من الجلسة الاولى، ثم استمرت الى ان توقفت.

إشارة ثانية، ارسلها الموفد الاميركي الى الجانب اللبناني خلاصتها انه لا ينوي التعاطي مع هذا الملف بطريقة بطيئة وطويلة، بل يريد الاسراع في تحقيق انجاز في هذا الملف لذلك اتى الى لبنان ليعرف ماذا يريد اللبنانيون بالضبط ليبذل بعد ذلك  "جهداً" لاقناع الاسرائيليين بتقديم "تنازلات" من اجل الوصول الى نقطة يكون فيها الجميع من الرابحين. وكما قيل للموفد الاميركي ان الوفد اللبناني الى الناقورة انطلق من كون الولايات المتحدة الاميركية "وسيطاً نزيهاً" ولا يجوز ان تكون طرفاً، رد هوكشتاين بأنه سيكون كذلك شرط ان يحدد لبنان ماذا يريد ليتمكن هو من العمل ضمن هذا الهامش، وخصوصاً معرفة الموقف من الخط 29 الذي طرحه الوفد اللبناني وأصر عليه مراراً ما جعل ردة الفعل الاسرائيلية سلبية. لم ينتظر هوكشتاين طويلاً اذ سمع من الجانب اللبناني ان الخط 29 هو خط تفاوضي بعدما اظهرت دراسات اجريت بأن حقوق لبنان ترسم هذا الخط، لكن لبنان "نقز" من عزم اسرائيل على اطلاق عملية تقييم التنقيب من قبل شركة "هاليبرتون" الاميركية في منطقة لا تزال محور نزاع فازدادت الضغوط على لبنان لتثبيت الخط 29 كوثيقة من وثائق الامم المتحدة، ولا يزال رئيس الجمهورية يتريث للافساح في المجال امام التفاوض "من دون شروط مسبقة" من الجانب الاسرائيلي فاذا وصلت الامور الى خواتيم ايجابية تكون مسألة الخط 29 قد حلت تلقائياً، اما اذا استمر الموقف الاسرائيلي في التصعيد فإن المفاوضات لن تعطي نتيجية عملية وسيلجأ لبنان الى تثبيت الخط 29 كحق من حقوقه الشرعية.


الخط 29 خط تفاوضي

وتضيف مصادر تابعت مهمة هوكشتاين ان جوابه حول التساؤلات اللبنانية لم يتأخر اذ اكد ان الموقف الاميركي الذي تم ابلاغه الى الاسرائيليين هو استمرار التفاوض في اجواء ايجابية ومن دون عراقيل وشروط على ان يلتزم لبنان في المقابل الاتفاق الاطار الذي تم التوصل اليه "والذي كان انجازاً مهماً"، لكن الموفد الاميركي سجل امام المسؤولين اللبنانيين انه امضى ثلاث سنوات وهو يتابع الترسيم مع الجانب اللبناني ولم يسمع يوماً بالخط 29 وان اسرائيل انطلقت من هذه المعطيات للبدء بعملية التنقيب في حقل "كاريش" الذي لم يكن يوماً من ضمن المنطقة المتنازع عليها، ولم يعترض الجانب اللبناني في حينه. لكن لبنان - اضاف هوكشتاين - طرح مسألة الحقل المسمى "حقل قانا" الذي يمكن البحث فيه، في حين ان الخط 29 هو خط تفاوضي لم يتكرس رسمياً بعد في مرسوم او قانون ما يجعل في الامكان البحث في مضمونه خلال المفاوضات، علماً ان الموقف الاميركي الذي احمله بوضوح هو تسهيل التفاوض للوصول الى حل وليس من اجل التفاوض فحسب، والخيار الانسب في هذا السياق ان يقدم كل فريق شيئاً الى الآخر، بمعنى ان على الاسرائيليين عدم التمسك بموقفهم في مقابل الاستعداد الذي يبديه لبنان في التفاوض، وهذا الموقف يجعلني "منحازاً" الى الجانب اللبناني الذي يبدو الاكثر متضرراً من توقف اعمال التنقيب عن النفط والغاز في مياهه، فيما اسرائيل لديها حقول خارج المنطقة المتنازع عليها تستثمرها وتعززها يوماً بعد يوم. وتقول المصادر ان هوكشتاين ابرز امام المسؤولين خريطة بدت عليها نقاط باللون البني قال انها اكتشافات نفطية وغازية في كل من اسرائيل ومصر وقبرص، فيما على الجانب اللبناني من الخريطة لا توجد اي نقطة بنية اللون، اي ان البنان لم يستثمر بعد اي حقل من حقوله التي يتوقع انها تكون مليئة بالغاز والنفط، "وهذا ما يجعلني - اضاف هوكشتاين - اقف الى جانب لبنان الذي نرغب في ان يستثمر حقوله، كما تفعل اسرائيل ومصر وقبرص، ويسوقها في الاسواق العالمية ويطورها". واعتبر الموفد الاميركي ان الوصول الى هذه النتيجة، اي استثمار لبنان لحقوله، يفرض ان يحدد لبنان ماذا يريد كي يبنى على الشيء مقتضاه في تحريك التفاوض الذي سيتولاه هو مع الاسرائيليين قبل الدخول مجدداً في مفاوضات وجهاً لوجه كتلك التي جرت في الناقورة ثم توقفت.


وتضيف المصادر نفسها ان هوكشتاين فهم من الجانب اللبناني انه يمكن الوصول الى خط وسطي بين الخط الذي يطرحه الاسرائيليون، والخط الذي يطرحه لبنان والذي يعتبره اللبنانيون "خطاً تفاوضياً"، ما جعل الموفد الاميركي يبدي تقديره للموقف اللبناني المسهل لمهمته ويعطيه زخماً في الطلب من الاسرائيليين موقفاً مسهلاً مماثلاً ما يجعل امكانية النجاح في الوصول الى نتيجة ايجابية، امراً وارداً وان اخذ بعض الوقت لاقناع المعنيين. وشدد هوكشتاين انه سيطلب من الاسرائيليين ان يتخذوا "موقفاً بنّاءً" يوفر نجاح المساعي الاميركية المتجددة في الوصول الى حلول عملية ترضي الافرقاء المعنيين وتؤمن للبنان المناخ المناسب لاطلاق عملية التنقيب في الحقول المحددة في الخريطة اللبنانية. وعلى هذا الاساس، بدا هوكشتاين متحمساً للمضي في مهمته الجديدة - القديمة خصوصاً بعدما اوحى للمسؤولين اللبنانيين انه سيكون في مقدوره انتزاع موقف ايجابي يسقط من حساباتهم ولا يزال هو الخيار الاول من بين الخيارات المتوافرة امامهم. لقد بدا واضحاً امام المسؤولين اللبنانيين ان الموفد الاميركي لم يأت هذه المرة بعقلية عدائية، انما اتى برغبة واضحة في الوصول الى حل في مسألة ترسيم الحدود وهو مصمم، على حد تعبيره، على تحقيق "انجاز"  في هذه المسألة يأخذ في الاعتبار مصلحة لبنان واسرائيل في آن، لأنه، وإن قال إنه "منحاز" الى جانب لبنان، لن يستطيع ان يخرج من التعاطف الاميركي البديهي مع اسرائيل، لكن المهم ان يكون تعاطيه في الملف "عادلاً ومحقاً"، لذلك قرر ان يعتمد الديبلوماسية المكوكية وهي عبارة عن زيارات سريعة سوف يقوم بها بين بيروت وتل ابيب حاملاً طروحات وأجوبة وهواجس متبادلة بهدف تكوين تفاهمات تراكمية مشتركة تؤدي لاحقاً الى اتفاق كامل. وتحدثت مصادر متابعة عن تغير مرتقب في الآلية الاميركية الجديدة للتفاوض قد تؤدي الى صرف النظر عن صيغة الناقورة. وهو ما قد  يدفع بلبنان الى تشكيل وفد مغاير للوفد العسكري السابق مطعم بخبراء عسكريين واداريين واختصاصيين او الذهاب مباشرة الى اقتراح يسوقه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، قائم على تكليف شركة استشارات متخصصة لوضع تصور متكامل يسهم في تسهيل اعادة اطلاق جدية للتفاوض. وترجح مصادر معنية ان تكون نقطة الاساس في المسار التفاوضي الجديد العودة الى الخطوط العقلانية، بمعنى اعادة الاعتبار الى الخط 23، بما يؤدي حكماً الى صرف النظر عن الخط 29، الذي تسبب طرحه في تعليق التفاوض وفي اضفاء مزيد من التعقيد على المشهد، وأخّر بدء لبنان عملية الاستكشاف في الحقول الجنوبية، المعروفة بالرقعة رقم 9. وتلفت المصادر الى انه لا بد من وضع مقاربة لبنانية جديدة وموحدة تؤدي الى تحريك المياه الراكدة، اذ ليس خافياً الحاجة اللبنانية الماسة الى ثروته النفطية والغازية، وهي في المطلق عامل اساس في اعادة اطلاق للعجلة الاقتصادية، لاسيما بعد الازمة التي خنقت البلد ولا تزال تداعياتها قابضة على اعناق اللبنانيين. وتشير الى ان احداً لا يتوهم ان الافادة من تلك الثروة تتم بين ليلة وضحاها وهي التي تحتاج من 6 الى 7 اعوام حداً ادنى، لكن لا بد من اطلاق هذا المسار.

وفي ضيافة الرئيس نبيه بري في عين التينة.

وفي ضيافة الرئيس نبيه بري في عين التينة.

وفي السراي الحكومي مع الرئيس نجيب ميقاتي.

وفي السراي الحكومي مع الرئيس نجيب ميقاتي.