تفاصيل الخبر

البابا "فرنسيس" خلال زيارته العراق: لا يمكن استخدام الدين لقتل الناس ولا يمكن استخدام الدين لانتاج الإرهاب.
البابا "فرنسيس" خلال زيارته العراق: لا يمكن استخدام الدين لقتل الناس ولا يمكن استخدام الدين لانتاج الإرهاب.
17/03/2021

البابا فرنسيس سيزور لبنان حتماً لكن الموعد ليس قبل سنة.....

 ليس سراً أن عتب اللبنانيين على البابا فرنسيس كان كبيراً قبل زيارته التاريخية الى العراق لأنه لم يزر لبنان، البلد الوحيد في الشرق الذي يلعب فيه المسيحيون دوراً اساسياً في المجتمع كما في الحكم وهو يمر في ظروف صعبة تستدعي مثل هذه الزيارة التي تعيد وضع مظلة دولية فوقه تقيه الشرور والمخاطر، تماماً كما كانت زيارة البابا القديس يوحنا بولس الثاني في زمن صعب من تاريخ لبنان، وزيارة البابا بنديكتوس السادس عشر، ذلك ان الزيارات البابوية تعطي أملاً وتنعش الحياة المسيحية من جهة، وتؤشر الى اهمية الشراكة المسيحية - الاسلامية التي تبدو ضرورية في هذا الزمن الرديء الذي يشعر فيه المسيحيون في لبنان، عن حق او عن غير حق، ان اتفاق الطائف "أكل" من حقوقه وغلّب عليه الطوائف الاسلامية وغيرها من الاحاسيس التي تراود مسيحيي لبنان لاسيما في أزمان المحن....

 إلا أن آمال اللبنانيين عموماً، والمسيحيين خصوصاً، "انتعشت" عندما قال البابا فرنسيس وهو في طريق العودة من العراق الى روما، ان رحلته المقبلة ستكون الى لبنان من دون ان يحدد موعداً معيناً لأن ذلك يرتبط ببرنامج الأب الأقدس وارتباطاته، اضافة الى الظروف الصحية التي يمر بها العالم نتيجة جائحة "كورونا"، فهل سيفي الأب الأقدس بوعده ويزور لبنان "قريباً"، خصوصاً انه رفض عرضاً تلقاه من مرجعيات روحية وزمنية لبنانية بأن يتوقف في طريقه الى العراق او في عودته منها، في مطار رفيق الحريري الدولي، لأنه - كما قال - يعتبر ان لبنان يستحق زيارة خاصة مع برنامج يتناغم مع اهمية انتقاله من الفاتيكان الى لبنان، وليترجم خصوصاً ما قاله إن هذا البلد يتألم وإن ضعفه ناتج عن تنوعه بعدما كان هذا التنوع سر قوته في الماضي القريب، مع ادراك البابا ان هذا التنوع لم يدفع اهله الى التصالح والوئام السياسي، ولم يصر ابناؤه شعباً سياسياً، لكنه يمتلك قوة الشعب المتصالح كقوة الارز، على حد تعبيره. ومن الواضح ان كلام البابا يوضح موقف التشبث الفاتيكاني بلبنان كرسالة للتنوع، وهو سياق لا يخرج عنه الفاتيكان مهما تغيرت الظروف وذلك منذ اطلاق البابا القديس يوحنا بولس الثاني السينودس من اجل لبنان، الى البابا بنديكتوس السادس عشر الذي اطلق سينودس لاجل الشرق الاوسط، وحالياً مع البابا فرنسيس.

وتحدث زيارات البابا اجمالاً تغييراً في الدول التي يحل بها، فالبابا يوحنا بولس الثاني كان ابرز صانعي حقبة التغيير الكبير في مواجهة الاتحاد السوفياتي، كما ان افكاره انجبت انقلابات كثيرة على الامبراطورية السوفياتية، وعندما زار لبنان كان ذلك في سياق احداث متكاملة تشير الى احلال السلام في الشرق الاوسط. يومها كانت العلاقات الايرانية العربية جيدة، ومبادرة السلام العربية حية، كما احدثت الزيارة تغييرات اساسية على صعيد التوازن الاسلامي- المسيحي. واتت زيارة البابا فرنسيس الى العراق من خارج الاحلاف المتواجهة شرقاً وغرباً والكلام الذي قاله في محطاته العراقية له الاثر الكبير في النفوس اولاً، وكذلك في ما هو مرتقب في السنوات المقبلة.


بدأ تحضير الزيارة

من الواضح ان موعد زيارة البابا للبنان لم يتحدد بعد، ولكن معلومات تؤكد ان دوائر الفاتيكان بدأت التحضير للزيارة. وعادة تشكل لجنة فاتيكانية تعمل على التواصل مع الكنائس الكاثوليكية في لبنان. وتنشأ غرفة عمليات في البطريركية المارونية للتحضير البروتوكولي لهذه الزيارة. وتتولى البطريركية التنسيق لها مع القصر الجمهوري. وزيارة البابا الى لبنان، اهدافها متكاملة: اعادة لملمة البلد، الحفاظ على وحدته وتنوعه، والعيش المشترك فيه، وعلى دولته المركزية، مع الحفاظ على حقوق جميع ابنائها المتنوعين. وليس هدف الزيارة البابوية بعيداً عن تطبيق الاصلاح. ولا بد للبنان ان يندمج بالمجتمع العربي والاسلامي، من دون ان يكون بلد محاور وصراع. وما يقوله البطريرك الماروني هو نتاج هذه الرؤى والتراكمات الفاتيكانية، وبناء على مقررات السينودوس لأجل الشرق الاوسط، الذي وقعه البابا بنيديكتوس السادس عشر في زيارته لبنان عام 2012. وبصرف النظر عن توقيت الزيارة البابوية، فمن غير المنطقي تجاهل انها سوف تتم وسط دعوات اطلقها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي لاعلان حياد لبنان وعقد مؤتمر دولي من اجل لبنان، لكن الفاتيكان لم يتخذ موقفاً رسمياً من هاتين المسألتين، لكن هذا لا يعني ان هناك موقفاً سلبياً منهما، بل لأن الكرسي الرسولي معني بأي مسألة تستجد في لبنان او في اي بلد آخر، وتدرسها دوائر فاتيكانية معنية عدة، ويتم التعامل معها جدياً وباحترافية، ولا تصدر اي قرارات من دون تمحيص وغوص في مضامينها وفي الغاية من طرحها، صحيح ان طروحات البطريرك الراعي باتت معروفة، اما المطروح الآن، فهو طريقة متابعة هذه الطروحات، وبالنسبة الى الفاتيكان، فإن التهويل والتخوين مرفوضان، وان اي طرف يمكنه ان يتخذ اي موقف، والتحدي الآن بالنسبة الى الوضع اللبناني كله هو المرحلة التي تلي اي موقف، من مسألة تأليف الحكومة الى طروحات بكركي، وهذه المسائل كلها تتطلب مضموناً محدداً وآلية متابعة.


تواصل فرنسي- فاتيكاني

ويرى مطلعون أن ارتباط الكنيسة المارونية بالكرسي الرسولي يخص الشأن الكنسي بالدرجة الاولى، وحتى في هذا المجال، فللكنيسة المارونية هامش حركة واسع، وان كان التزام تعاليم الكنيسة قائماً، كذلك التنسيق مع الكرسي الرسولي، اما في ما يخص الشؤون الاخرى الوطنية، فلدى الكنيسة والبطريرك استقلالية في مواقفهما، وقد تكون هناك متابعة وتواصل مع الفاتيكان حول هذه المواضيع بنحو طبيعي، لكن الرابط المباشر والفعلي بينهما هو حول المسائل الكنسية والدينية، اما في الشؤون اللبنانية والوطنية فليس بالضرورة ان تنال كل مسألة "ضوءاً اخضر" فاتيكانياً، علماً ان الكنيسة المارونية لديها دور تاريخي في مسائل تتعلق بشؤون البلد، ويأتي موقف البطريرك الراعي في سياق المواقف التي اتخذها اسلافه عبر التاريخ، وهذه ليست المرة الاولى التي تتخذ بكركي مواقف محورية، فهذا سبق ان حصل منذ ما قبل نشوء الدولة في لبنان الى ما بعده. وهذه مسألة تخص الكنيسة المحلية. اما بالنسبة الى المبادرة الفرنسية تجاه لبنان، والتي بموجبها يتم تأليف حكومة جديدة، فإن ثمة من يؤكد ان التواصل بين باريس والفاتيكان لم ينقطع حيال الوضع اللبناني الراهن لاسيما وان الفاتيكان يدعم المبادرة الفرنسية او اي مبادرة يمكن ان تنتشل لبنان من اوضاعه المأزومة. والارادة بالمساعدة والمساهمة في ايجاد حلول لازمات لبنان بالنسبة الى الفاتيكان موجودة دائماً وهناك حرص وقلق كبيران لدى الكرسي الرسولي على لبنان عبر عنهما البابا فرنسيس في مناسبات عدة.

ويلفت المطلعون على الموقف الفاتيكاني ان اي موضوع يخص لبنان على مستوى المجتمع الدولي، يجري تمحيصه ودرسه. فجدول الاعمال والتوقيت اللبنانيان يختلفان عن جدول الاعمال والتوقيت الدوليين، سواء لدى الفاتيكان او فرنسا او اي دولة اخرى. فلدينا اولويات ومسائل ضاغطة بنحو يومي، لكن هذا لا يعني ان المجتمع الدولي سيسير وفق التوقيت اللبناني ووفق الاولويات المحلية، ليس لان هناك عدم ارادة لمساعدة لبنان او دعمه. لكن لان لكل دولة ومؤسسة دولية اولويات وطريقة عمل. ويوضح الخازن ان بنحو عام يتحرك المجتمع الدولي على اساس ان هناك مسائل .

 في اي حال، خلال وجود البابا في العراق قال كلمة - مفتاح جاء فيها: "لا يمكن استخدام الدين لقتل الناس، ولا يمكن استخدام الدين لانتاج الارهاب، او لخوض الحروب، وهو يقصد تنظيم داعش، وغيره ايضاً من التنظيمات المقابلة، والأهم، التركيز على ان المرجعية الشيعية الاساسية في النجف عربية، وليست في اي مكان آخر. وزار البابا الموصل، وهي رسالة للسنة، اضافة الى اهتمامه بالاكراد. وثبت موقفه على مبدأ الدولة المركزية، فبعد كل زيارة له الى اي منطقة او محافظة، عاد الى العاصمة بغداد. ولبنان لن يكون بعيداً عن هذه المندرجات والتوجهات، والاهم هو الحفاظ عليه وعلى وجوده وتنوعه. وهنا يتكامل الفاتيكان مع بكركي في الطروحات التي ترفض الانخراط في صراع الاحلاف. وتحت هذا العنوان ستكون زيارة البابا الى لبنان. ويعتبر كثر ان الزيارة البابوية للبنان لا يمكن ان تحدث من دون ان تكون لها مفاعيل واقعية، سياسياً وكيانياً.