تفاصيل الخبر

الجولة الأولى من حوار بكركي - حزب الله: تهدئة خواطر وتجنب النقاط الخلافية

17/03/2021
فريق بكركي المؤلف من المطران سمير مظلوم والأمير حارس شهاب خلال الاجتماع مع وفد حزب الله المكون من محمد الخنسا ومصطفى الحاج علي.

فريق بكركي المؤلف من المطران سمير مظلوم والأمير حارس شهاب خلال الاجتماع مع وفد حزب الله المكون من محمد الخنسا ومصطفى الحاج علي.

 ما أعلنه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي يوم "السبت الحاشد" في بكركي أمام الألوف من المواطنين من مواقف تركز على الحياد وعلى ضرورة انعقاد مؤتمر دولي لمساعدة لبنان للخروج من ازمته، فضلاً عن إشاراته الواضحة الى "الجيوش" ضمن الجيش الواحد، و"الدويلات" ضمن الدولة الواحدة، لم يكن ليمر من دون تحرك لحزب الله الذي اعتبر نفسه معنياً بالكثير من كلام البطريرك، ذلك ان ما قيل - كما يراه حزب الله - لا يمكن ان يعتبر حدثاً عابراً وهامشياً الأمر الذي دفع قيادة الحزب الى استدراك ما حصل خصوصاً في الظروف السياسية الدقيقة التي تمر بها البلاد محلياً واقليمياً ودولياً في محاولة لتضييق هامش الاعتراض المسيحي على أدائه ودوره. من هنا كان الاستعجال لاستئناف اجتماعات لجنة الحوار بين البطريركية المارونية وحزب الله والتي كانت توقفت منذ فترة بعد سلسلة اجتماعات كانت عقدت في السابق واوجدت مناخاً هادئاً في العلاقة بين بكركي وقيادة المقاومة.

 تحرك قريبون من الطرفين بسرعة بُعيد "السبت الحاشد" لتحضير الاجتماع وسط تجاوب مباشر من بكركي وحارة حريك، لاسيما وان قيادة حزب الله رأت ضرورة لاحتواء الدينامية السياسية والشعبية الجديدة للبطريركية المارونية، اكثر منه على الحوار معها على النقاط التي تعترض عليها بكركي، ولا يوافقها الحزب عليها. اذاً رغبة مشتركة في اعادة الحوار من ضمن استراتيجية اعتمدها حزب الله تؤكد على معطيين اثنين:

الأول: إن الحزب لم يرسل وفداً للقاء البطريرك الراعي في الصرح البطريركي كما كانت قد أشاعت أوساط قريبة منه عقب حدث 27 شباط. اذ لا يمكن للقاء كهذا، أن يقتصر على الشكليات الحوارية، بل سيتم التطرق فيه الى النقاط السياسية التي اثارها البطريرك، والتي يعترض عليها حزب الله، ما يعني ان الحزب سيضطر الى اطلاق موقف رسمي وعلني بشأنها، وهو أمر يتجنبه لكي لا يثبت خلافه مع الصرح البطريركي. وبالتالي عوض ان ينجح في احتواء الازمة قد فاقمها.

والثاني: إن ما رشح عن اجواء اجتماع لجنة الحوار بين الحزب وبكركي الذي عقد في الحازمية اوحى بأن هذا الاجتماع هو بلا جدول أعمال واضح، بل كان في جولته الاولى على الاقل، عرضاً عاماً تم خلاله التركيز على أهمية استمرار النقاش والبحث للوصول الى نقاط مشتركة عامة قبل الدخول في التفاصيل التي تكمن فيها خلافات الطرفين لا يمكن تجاوزها بسهولة.

تنقية الأجواء أولاً

 وفي هذا السياق، نقل عن فريق بكركي في الاجتماع الذي تألف من المطران سمير مظلوم والامير حارس شهاب ان الاجتماع لم يكن لطمأنة حزب الله او ايجاد حلول الازمة، بل اللقاء الاول كان لرؤية ما يمكن فعله بين الطرفين في ظل هذه الظروف الحرجة التي يمر بها لبنان والتي حتمت تكثيف اللقاءات بين شرائح المجتمع. لذا تناول البحث المواضيع التي تسبب القلق على المستوى الشعبي، بالتأكيد ليس المواضيع التقنية المالية ولكن السعي هو لتنقية الجو العام لتسهيل الحلول. وسط اجواء "مريحة" كما وصف فريق بكركي الاجتماع الاول، ثم وضع مبادىء عامة حول ما يمكن بحثه مع غياب اي "فيتو" على اي موضوع. لم تكن هناك نقاط رئيسية تم الاتفاق عليها بل تم التطرق اليها تحت عنوان واحد وهو امتصاص الازمة الناشئة بين الحزب والبطريركية المارونية ومنع تفاقمها. كان تأكيد، وفق المعلومات المتوافرة، على كيفية الخروج من الازمة من خلال برنامج يبدأ اولاً بتشكيل حكومة مهمة ما يجعل الدول المانحة مستعدة لدعم لبنان تفادياً للانفجار الاجتماعي الخطير الذي يستمر التحذير من وقوعه.

 والتقت مصادر الطرفين على القول إن وفد البطريرك الراعي بدا منفتحاً على كل الاقتراحات التي يمكن البحث فيها لحل الازمة، وكذلك وفد حزب الله مع وجود تصميم على ان تعطي الاتصالات بين الوفدين نتائج ايجابية يمكن ان تمهد لزيارة يقوم بها وفد من الحزب الى بكركي وان كانت المصادر تستبعد ان يتم ذلك في وقت قريب. لكن ما يشجع على حصول تقدم ما سمعه وفد حزب الله من موقف وفد بكركي الحريص على انقاذ لبنان بمشاركة كل الاطراف اللبنانيين من دون تمييز وفق الثوابت اللبنانية المتمثلة بالدستور والميثاق، وهذه الثوابت لا تتناقض مع توجهات حزب الله ايضاً، فالطرفان يريدان الخلاص للبنان من الازمات التي يعيشها لأن المصير في النهاية هو واحد. 

 وأضافت المصادر ان الحوار سيستمر بعيداً عن الاضواء للوصول الى "حد ادنى" من القواسم المشتركة التي يمكن الاعلان عنها، اما النقاط الخلافية الاساسية فتبقى "قيد البحث" لأن المهم اعادة خلق "اجواء ايجابية" في العلاقة بين البطريركية المارونية وحزب الله بدلاً من الاجواء الضاغطة التي سادت خلال الاشهر الماضية والتي استثمرها البعض سلباً واستغلها في محاولة لتعميق الشرخ بين الطرفين.

لا استئثار مسيحياً

في مقابل التوجهات "الايجابية" التي برزت بعد اجتماع الحازمية، سعت مراجع سياسية حزبية الى اخذ الحوار بين الحزب وبكركي الى تفسيرات عدة لعل ابرزها ما قيل من ان بكركي في 27 شباط (فبراير) جعلت حزب الله يدرك ان المظلة المسيحية التي يؤمنها له الرئيس ميشال عون وتياره السياسي، ما عادت تكفي، ولذلك فإن الحزب مضطر الى ايلاء اهتمام كبير للدينامية البطريركية الجديدة، لكي لا تنعكس ضده سياسياً وشعبياً. مع اشارة هذه المراجع الى ان زيارة البابا الى العراق عكست الاستراتيجية الفاتيكانية لانفتاح مسيحيي المنطقة على كل شرائحها الاجتماعية. وبالتالي فإن اي ثنائيات طائفية يكون المسيحيون جزءاً منها، هي مخالفة للطرح البابوي، وهذا ينعكس على آفاق حوار بين البطريركية المارونية وحزب الله، برأي المراجع نفسها.

 وفي رأي هذه الجهات أن بكركي من خلال مسارعتها الى استئناف الحوار مع حزب الله أرادت عملياً "انتزاع" القرار السياسي من اطراف اخرى لاسيما "التيار الوطني الحر" وبالتالي لا تحصر زمام المبادرة في التفاوض باسم المسيحيين في القضايا الحساسة من الحكومة الى رئاسة الجمهورية وما بعد رئاسة الجمهورية، بفريق واحد خصوصاً وبحسب تلك الجهات ان الايجابية في هذا التفاوض هي انه يتم تحت سقف الطائف. ما يؤكد ان لبنان لن يذهب الى "المثالثة" انطلاقاً من إصرار بكركي على حماية حقوق المسيحيين بالمناصفة التي كفلها الطائف في ظل موافقة ضمنية سنية كون ذلك يحفظ التوازن الذي يرضي المسيحيين ويحفظ حقوق المسلمين ويساهم في تأمين الاستقرار. 

 وتشير الجهات نفسها الى ان الحوار المتقدم مع بكركي قد يفتح الباب امام حوار للحزب مع الفاتيكان، خصوصاً ان مصادر محسوبة على الحزب اعربت عن ارتياحها لزيارة البابا فرنسيس الى العراق والحوار الذي اجراه مع المرجع الشيعي السيد علي السيستاني، الامر الذي قد يمهد لانفتاح فاتيكاني غير مسبوق على الشيعة في المنطقة، خصوصاً ان الوثيقة الانسانية التي وقعها البابا فرنسيس وشيخ الأزهر في الامارات لن يكون المرجع السيستاني بعيداً عنها، وهذا الامر بحسب المصادر من شأنه ان ينعكس ايجاباً على لبنان. وترى الجهات ان استعادة بكركي القرار السياسي من "التيار الوطني الحر" وانفتاحها على حزب الله قد يؤمن له غطاء مسيحياً اوسع وأشمل قد يصل الى تغطية الفاتيكان للبنان عموماً، بما يحفظ حقوق المسيحيين فعلاً وليس قولاً لتحصيل مكاسب شخصية، ويطمئن السنة، وربما يصل مستقبلاً الى نزع صفة الارهاب عن حزب الله، وان كان هذا الامر غير محسوم عملياً في الوقت الحاضر على الاقل.