تفاصيل الخبر

هل يطلب ميقاتي من صديقه "ماكرون" التدخل مع "توتال" لعدم الانسحاب من البلوك 9؟

20/10/2021
مشهد من التنقيب عن النفط في البلوك 4.

مشهد من التنقيب عن النفط في البلوك 4.


 في الوقت الذي التزمت فيه حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في بيانها الوزاري الاستمرار في اعمال التنقيب عن النفط والغاز في المياه الاقليمية اللبنانية وتأكيد حقها في ذلك، وفيما كانت الحكومة تستعد لإعداد حوافز وتحريك المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية الجنوبية مع معاودة الحراك الاميركي في هذا الاتجاه، فوجىء المسؤولون برسالة ترد من شركة "توتال" الفرنسية التي تتولى عمليات التنقيب في البلوك 9 من المنطقة الاقتصادية الخالصة، تطلب فيها من هيئة ادارة قطاع البترول تأجيل موعد الحفر في بلوك 9 والذي كان مقرراً ان يبدأ العمل به قبل نهاية شهر ايلول (سبتمبر) من العام 2022، علماً انه كان من المفترض بــ "توتال" ان تبدأ بالتنقيب في هذا البلوك في منتصف العام الجاري، الا انه ونتيجة جائحة "كورونا" اتخذت الدولة سلسلة قرارات بتمديد مهل للعقود كان من ضمنها عقد الاستخراج والاستكشاف للبلوكين 4و9 الذي تأجل حوالي العام.

 لم ينزل قرار "توتال" برداً وسلاماً على المسؤولين اللبنانيين الذين كانوا يخشون من حصول تأخير في اعمال التنقيب وليس حصول تأجيل طويل الأمد، الامر الذي فتح الباب امام الكثير من الاجتهادات والتحليلات لاسيما بعد استذكار موقف كان اعلنه السفير الفرنسي السابق في بيروت "برنار فوشيه" قبيل مغادرته لبنان من ان شركة "توتال" باتت تفضل دفع البند الجزائي على المغامرة في الاستكشاف في البلوك 9 وان لديها نية للانسحاب من لبنان. لقد بررت "توتال" موقفها بتردي البنى التحتية في لبنان من الكهرباء الى الماء والانترنت وصولاً الى تداعيات انفجار مرفأ بيروت، علماً ان منشآت الشركة لم تصب بأي اضرار نتيجة الانفجار، لكن مصادر متابعة اعتبرت ان هذه الحجج غير واقعية  فالشركة عملت في اماكن كان وضعها الاقتصادي اسوأ من لبنان عدا عن ان المعدات التي استعملتها الشركة لدى الحفر في البئر 4 لم تتضرر جراء انفجار المرفأ.

 

وكشفت المصادر ان الاسباب الحقيقية وراء طلب توتال التأجيل يعود لأن الميزانية التي خصصتها الشركة لاجراء عمليات الاستكشاف محصورة ومحدودة لذا اعطت الافضلية للاستكشاف في بلدان او آبار ترتفع فيها نسب توفر الغاز وحقول يرجّح انها واعدة وتجارية أكثر من لبنان، خصوصاً وان توتال ترتبط بعدة عقود تنقيب في العالم. ولطلب "توتال" في هذا التوقيت بالذات تداعيات سيئة على لبنان لأنه يأتي في وقت تمر فيه البلاد بوضع اقتصادي يعول فيه كثيراً على الاستثمار في قطاع النفط والغاز كأحد الحلول القادرة على انقاذ لبنان من أزمته الاقتصادية، الى جانب قدرة هذا القطاع على ادخال العملات الصعبة الى البلد وخلق فرص عمل للشباب ويعوّل كثيراً على هذا القطاع للنهوض بالاقتصاد مجدداً.

 

وعن الآمال المعقودة على البلوك 9 على اعتبار أنه بئر غنية بالغاز خصوصاً وانه يجاور آبار اكتشفت فيها كميات كبيرة من الغاز تقول المصادر: في صناعة البترول لا يمكن لأحد ان يعلم مسبقاً ماذا يوجد في قاع البحار الذي يتخطى عمقه الـ3000 متر.

 

وإزاء هذا المنحى في التعاطي مع عملية التنقيب في البلوك 9، شددت المصادر على ضرورة ان ترفض الدولة اللبنانية هذا الطلب خصوصاً وان "توتال" تنوي ان تبدأ اعمال الحفر في قبرص العام المقبل وبامكانها بالتالي ان تبدأ عمليات الحفر في المكانين على التوالي ما من شأنه ان يحقق لها وفراً، على غرار ما كانت تخطط له سابقاً عند بدئها بأعمال الحفر في البلوك 4 بحيث كانت تنوي ان تبدأ مباشرة بعده بالحفر في قبرص الا انها ارجأت ذلك بسبب جائحة "كورونا". وأوضحت ان تحميل الباخرة وانطلاقها من اوروبا الى المتوسط تكلف تكلف حوالى مليوني دولار وعودتها فارغة تكلف المبلغ نفسه اي ما مجموعه ٤ مليون دولار بينما استعمال الباخرة للحفر في حقلين يقسم الكلفة الى النصف.

 

وعن توجّه توتال لإعطاء افضلية للتنقيب في بلوكات دول أخرى على اعتبار انها واعدة اكثر من لبنان، تذكر المصادر ان "توتال" التزمت عام 2016 ببدء اعمال الحفر والتنقيب في البلوكين 10 و 11 التابعين لقبرص، الا انها ما لبثت ان تنازلت عن البلوك 10 اعتقاداً منها ان احتمالات وجود الغاز فيه متدنية، فأقدمت السلطات القبرصية على تلزيمه لـ Exon mobil ليتبين بنتيجة الحفر الاستكشافي ان كمية الغاز الموجودة فيه تتراوح ما بين 5 و 8 مليون قدم مكعب وستباشر الشركة الان بحفر بئر ثانية استقصائية لتحديد الكمية الموعودة بدقة اكبر. هذا المثال يؤكد انه يمكن لشركة التنقيب ان تخطئ بتقديراتها وهذا ما قد ينسحب على البلوك 9 الذي تنوي توتال تأجيل عمليات التنقيب فيه.

 

وتقترح المصادر في حال اصرت "توتال" على قرار التأجيل ان تجيّر قيادة البلوك والتشغيل لـ شركة  ENI الالمانية وهي من ضمن الكونسورتيوم الذي فاز بالتنقيب في البلوك 9 التي هي وراء اكبر اكتشاف في البحر الابيض المتوسط وهو حقل ظهر في مصر، وهذا الحقل يبعد حوالي الـ 10 كيلومترات عن البلوك 10 الذي أعادته توتال للدولة القبرصية.


مستقبل الاستثمارات الفرنسية

وسط هذا التناقض في المواقف، ثمة من رأى ان البعد الحقيقي لقرار "توتال" هو تفضيلها العمل في بيئة مستقرة بعيدة عن النزاعات القضائية والقانونية المحتملة، ما يعيد الى الواجهة ضرورة الاسراع في معاودة المفاوضات غير المباشرة مع الجانب الاسرائيلي على ترسيم الحدود. وهنا تبرز معضلة تعديل المرسوم 6433 الذي لا يزال موضع اخذ ورد بين الفريق العسكري المفاوض وقيادة الجيش من جهة، والسلطة السياسية من جهة ثانية التي لا تزال تتريث في توقيع مرسوم التعديل مفسحة في المجال امام المفاوضات علها تصل الى نتيجة تحفظ حقوق لبنان في مياهه وثرواته الطبيعية. كذلك يرى مراقبون ان "توتال" ارادت من خلال خطوتها حث المسؤولين اللبنانيين على وضع استراتيجية  كاملة لكيفية التعاطي مع القطاع في المرحلة المقبلة، والاهم مع الشركات العالمية. فالفرنسيون طامحون للدخول بقوة في استثمارات في لبنان من باب اعادة اعمار المرفأ الى محطة الـــ FSRU والتنقيب عن النفط والغاز عبر شركة "توتال"، وهي الملفات التي ناقشها الرئيس نجيب ميقاتي مع الرئيس "ايمانويل ماكرون" في زيارته الاخيرة الى باريس، ومن هنا يمكن ان تحمل المرحلة المقبلة نوعاً من المحفظة الاستثمارية الفرنسية الجديدة في لبنان ضمنها قطاعات محددة.

حيال هذا الواقع يتحدث معنيون عن ثلاثة خيارات امام الدولة اللبنانية حالياً للتعاطي مع طلب شركة "توتال" تأجيل اعمالها في البلوك 9، فإما ان تقبل الدولة الطلب، وإما ان ترفضه لتذهب الشركة الفرنسية الى طلب فسخ العقد على ان تدفع البند الجزائي وهو ما يعرف بالضمانة.. اما الخيار الثالث فهو ان يطلب الرئيس ميقاتي من  صديقه "ماكرون" التدخل مع "توتال" وهي شركة فرنسية، من اجل المضي في التزاماتها تجاه الدولة اللبنانية حفاظاً على مستقبل الاستثمارات الفرنسية في لبنان، وهو امر لا يبدو مستغرباً نظراً للعلاقة بين الرئيسين ميقاتي و"ماكرون"، والحرص الذي تبديه باريس على ان تحافظ على موطىء قدم واسع النطاق في لبنان.