تفاصيل الخبر

زيارة لبنان على الأجندة البابوية وموعدها يحدد بعد الانتخابات النيابية

20/10/2021
البابا "فرنسيس" محتضناً العلم اللبناني.

البابا "فرنسيس" محتضناً العلم اللبناني.


 الأحداث الدامية التي وقعت يوم الخميس الماضي في مثلث الطيونة – الشياح - عين الرمانة، وما رافقها من مواقف عالية النبرة ومظاهر وردود فعل مقلقة، فتحت الخط المباشر بين حاضرة الفاتيكان وبكركي مروراً بالسفارة البابوية في حريصا، لاستطلاع ما يجري وخلفياته، والخطوات الواجب اعتمادها، وبسرعة، لعدم توسع المشهد المؤذي الذي اعاد الى اللبنانيين مشاهد الحرب التي وصفت بــ "الأهلية" والتي ظنوا ان صفحاتها السوداء طويت الى غير رجعة... لم يكن هم المتصلين من الكرسي الرسولي معرفة التفاصيل الميدانية وتحركات المسلحين والقناصة، بل كان الهم مركزاً على ضرورة اتخاذ خطوات استباقية لمنع العودة الى المناخ الانقسامي ونصب خطوط التماس من جديد، ما يهز صورة لبنان العيش المشترك الذي يعلن الفاتيكان دائماً انه نموذج يفترض ان يحتذى في العالم. وكشفت مصادر كنسية متابعة ان هذا الاهتمام الفاتيكاني العاجل الذي برز عبر "الخط الساخن" له ما يبرره لأن هموم لبنان وعذابات اهله ومعاناتهم المفتوحة، تعيش في قلب البابا "فرنسيس" ووجدانه، ومن زار الكرسي الرسولي خلال الاسابيع الماضية، ومنهم شخصية لبنانية حوارية تربطها علاقات جيدة بالكرسي الرسولي، يؤكد على ان لبنان لم يعد يغيب عن مجالس الأب الأقدس وأحاديثه، وهو شكل خلية مصغرة يتابع من خلالها، وبعمق، تشعبات الازمة اللبنانية وتطوراتها، ويحرك عند الضرورة الدبلوماسية الفاتيكانية المنتشرة في انحاء العالم سعياً وراء بذل جهود ضرورية وعاجلة لمنع سقوط النموذج اللبناني الفريد الذي عبر البابا عن حزنه على بلد لطالما ردد اسمه في صلواته وعظاته ولقاءاته الكنسية.

وتشير هذه المصادر الى ان آخر كلمات قالها الأب الاقدس قبل اسبوع انتشرت بسرعة على المواقف الالكترونية للكرسي الرسولي دعمتها الدوائر الفاتيكانية على سفاراتها في الخارج، لاسيما في دول القرار وفي مقدمها الولايات المتحدة الاميركية، وهو قال : "ينتابني شعور بالالم على حال لبنان وما وصل اليه... ويبقى البلد الذي أحبه". هذه الكلمات القليلة التي وزعت في دول العالم كان لها وقعها المباشر، اذ ارفقها لاحقاً بالقول إنه يريد زيارة هذا البلد، والصلاة فيه، وانا كلي حماسة للوقوف على ارضه،  استكمالاً لرسالة البابا القديس "يوحنا بولس الثاني" حيال لبنان، وزيارة من سبقه في السدة البابوية البابا "بنيديكتوس السادس عشر". وتستطرد هذه المصادر لتؤكد ان زيارة البابا الى لبنان باتت على جدول زياراته الى الخارج لكن تاريخها لم يحدد بعد، وهو متروك لمسار التطورات، علماً انه كان اعلن ان الزيارة سوف تتم بعد تشكيل الحكومة وهو على الوعد، لكن ثمة مسار لكل زيارة تقرر دوائر الفاتيكان تحضيرها لأي رحلة للبابا الى الخارج، وهذا ما تحقق إبان زيارته الاخيرة الى العراق عندما توافرت العناصر المطلوبة للقيام بها بدءاً من الدور الذي اضطلع به كل من رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي ورئيس الجمهورية برهم صالح، فضلاً عن تكاتف القوى السياسية والدينية العراقية لانجاح تلك الزيارة التاريخية، وفي مقدمها آية الله السيستاني المرجع الشيعي الذي استقبل البابا في منزله المتواضع في النجف.

عناصر الزيارة لم تتوافر بعد

والواضح ان العناصر التي توافرت للزيارة البابوية الى العراق، لم تتوافر بعد لتحقيق الزيارة الى لبنان حيث ان الصورة لم تتضح بعد، كما ان الوقائع حول الانقسامات التي تسيطر على الافرقاء عند المسيحيين اولاً، وصولاً الى المسلمين ثانياً والتي يتوقع ان تزداد كلما اقترب موعد الانتخابات، ما يؤشر الى ان الزيارة البابوية لن تكون واردة الا في مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية لأن الكرسي الرسولي لا يريد ان يستثمرها اي طرف من اجل حساباته الخاصة. لكن ذلك لا يعني ان الزيارة قد تؤجل، بل بالعكس باتت واردة اكثر من اي وقت مضى حسب ما تؤكد جهات قريبة من البابا لأن  هذا البلد يعني له الكثير، وانه لا يخشى التحديات الامنية، لكن يبدو ان فريقه الامني غير مرحب بمثل هذه الزيارة في هذا التوقيت قبل الحديث عن توفير الشروط والظروف المؤاتية لها. ولا يكفي هنا استعداد الكنيسة التي ترحب بالطبع بمثل هذه الزيارة المنتظرة، لكن رحلة من هذا النوع تحتاج الى توافر جملة من المعطيات السياسية التي يجب ان يتم انضاجها لاستقبال شخصية في حجم البابا، علماً ان الدوائر الفاتيكانية تابعت بدقة مراحل تشكيل الحكومة وتشاركت في المعطيات التي رافقت عملية التشكيل، مع دول اخرى مهتمة بلبنان في مقدمها فرنسا، فضلاً متابعة دقيقة للملفات الاخرى ما يحيط بها من انقسامات لاسيما في البيت الواحد والتي يعمل السفير الباباوي في لبنان المونسنيور "جوزف سبيتيري" الى التدقيق في اسبابها، محاولاً الحد من اتساعها، مبدياً في الوقت نفسه  انزعاجه بديبلوماسيته الحذرة مما وصل اليه المشهد في لبنان وتوجيهه النقد الشديد لما يرافق الخطابات وتبادل الاتهامات بين المرجعيات السياسية المسيحية عند حلول الاستحقاقات الكبرى. ويطلق نقداً وكلاماً قاسياً حيال مجموعات واكاديميين مسيحيين نشطوا في الآونة الاخيرة في طرح مشاريع سياسية والمطالبة بإجراء تعديلات في الدستور تدعو الى المناداة بتطبيق الفيديرالية، إذ يعتبر السفير البابوي ان بذورها لا تصلح للعيش في تربة لبنان ولا تحدث تطوراً لدى مكوناته وتعددية طوائفه التي يحرص الفاتيكان على استمرارها والعيش تحت سقف دولة واحدة. ولسان حال السفير "سبيتيري" ان البابا "فرنسيس" يحب هذا البلد ويخاف على اهله اكثر من كثيرين يحملون بطاقة هويته وهم في مواقع المسؤولية والقرار.




السفير البابوي في بيروت المونسنيور "جوزف سبيتيري".

السفير البابوي في بيروت المونسنيور "جوزف سبيتيري".