تفاصيل الخبر

"ماكرون" المتضرر من "فرملة" الاندفاعة الحكومية منزعج من الموقف السعودي و"البرودة" الأميركية

20/10/2021
مشهد من أحداث الطيونة.

مشهد من أحداث الطيونة.


 كل الأصداء الواردة من باريس، تنقل انزعاجاً فرنسياً شديداً مما حصل الأسبوع الماضي من تطورات أمنية وسياسية "فرملت" عمل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وحدت من الاندفاعة التي برزت بعيد تشكيلها، سواء في التحرك الداخلي، او التحرك الخارجي الذي قد يتوقف اذا ما استمر الوضع السياسي على ما هو عليه، علماً أن في برنامج رئيس الحكومة سلسلة زيارات لدول عربية واجنبية ومشاركة في قمة دول المناخ في مدينة غلاسكو في اسكوتلندا مع بداية الشهر المقبل. اما مرد الانزعاج الفرنسي فيعود الى ان الرئيس"ايمانويل ماكرون" الذي رافق ولادة الحكومة لحظة بلحظة وحضر الاجواء الاقليمية والدولية لتسهيل ولادتها، يعتبر نفسه – كما تقول مصادر مطلعة على الموقف الفرنسي- من اكثر المتضررين لانه راهن على تسهيل القيادات السياسية اللبنانية لعمل الحكومة، او على الاقل عدم وضع العصي في دواليبها كي تنجز ولو الحد الادنى المطلوب منها، وفي مقدمة ذلك وقف الانهيارات على اختلافها والتخفيف من حدة الاصطفافات الطائفية والحزبية التي حصلت على طاولة مجلس الوزراء في جلسته الاخيرة. وفي معطيات المصادر نفسها ان "ماكرون" الذي تخوف مع فريق عمله المعني بالشأن اللبناني، من تركيبة الحكومة، حذر مراراً وبصوت عال، من ان القبول بالعودة الى الصيغة التقليدية لتشكيل الحكومة، لن يحقق الغاية المرجوة، لأن الأحزاب والكتل السياسية سوف تبقى تتحكم بمصير العمل الحكومي، وإن كان الرئيس نجيب ميقاتي يعتبر في عيون الفرنسيين "ضمانة" لتمكين الحكومة من الصمود امام "جشع" الكتل النيابية ورغبتها الدائمة في وضع اليد على دفة الحكومة لتوحيد سيرها كما تشتهي، الا ان "ماكرون" قبل بالتخلي عن صيغة الاختصاصيين المستقلين لاعتقاده بأن الحالة التي وصلت اليها البلاد، لم تعد تحتمل اي تأخير في المعالجة لأن الانهيار حاصل لا ريب فيه ولا بد من تأخير حصوله على امل الحد من مفاعيله من خلال جرعات الدعم التي خطط "ماكرون" لتوفيرها للجسم الحكومي من جهة، وللبنانيين من جهة ثانية. لكن ما حصل ويحصل سبب "خيبة امل" لدى الرئيس الفرنسي عبرت عنها السفيرة الفرنسية في بيروت "آن غرييو" في احدى الجلسات المقفلة في قصر الصنوبر حين قالت ان التركيبة الحكومية اهتزت عند اول استحقاق في وقت كانت المعطيات لدى الادارة الفرنسية ان قدرة الحكومة على الصمود كانت تبدو قوية وواعدة.

وتقول مصادر متابعة للملف ان الانزعاج الفرنسي ليس فقط من عدم قدرة حكومة ميقاتي على الصمود بعد تقليعة موفقة نسبياً، بل انسحب على عدم قدرة الرئيس "ماكرون" على اقناع المسؤولين السعوديين في فتح الابواب امام الحكومة ورئيسها، على رغم المساعي التي بذلها في هذا الاتجاه وعلى اكثر من خط. ذلك ان الجواب السعودي ظل سلبياً لجهة مد يد العودة للبنانيين انطلاقاً من الموقف السعودي المعروف من حزب الله خصوصاً ومن التنظيمات المصنفة ارهابية عموماً. وبلغ الى مسامع "ماكرون" بالمباشر ان الرياض ليست مستعدة لتقديم اي دعم للحكومة الميقاتية التي "تخضع لإرادة حزب الله" والذي "يتحكم" بأدائها، علماً ان باريس مقتنعة ان الامر ليس بهذه الصورة، لأن الرئيس ميقاتي القادر على تدوير الزوايا، ليس في وارد تسليم القرار لحزب الله كما يقول السعوديون، وان كان يظهر مرونة في التعاطي مع قيادة الحزب، حفاظاً على الاستقرار الداخلي ولتمكين حكومته من الانتاج واصدار القرارات المفيدة لاخراج البلاد من المستنقع التي وقعت فيه. وفي هذا السياق، تؤكد المصادر نفسها ان باريس التي حاولت مع السعوديين مراراً، جوبهت دائماً بالموقف السلبي نفسه، لكنها ستستمر في العمل في اتجاه تحقيق تقدم ولو طفيف في هذا المجال، وان الرئيس "ماكرون" سوف يستعين باصدقائه من قادة دول الخليج كي يضموا جهودهم الى جهوده ويتحركوا في اتجاه الرياض.

"برودة" أميركية في دعم الحكومة 

 مسألة اخرى وراء انزعاج الفرنسيين تتصل مباشرة بالموقف الاميركي الذي تراجعت حماسته في دعم حكومة ميقاتي وإن كانت واشنطن ماضية في دعم الشعب اللبناني والمؤسسة العسكرية. وفي هذا السياق تقول المصادر نفسها ان "ماكرون" كان تلقى وعداً من الرئيس الاميركي "جو بايدن" بتوفير الدعم اللازم للمبادرة الفرنسية لاسيما في مرحلة سعيها لتشكيل الحكومة، وكان لهذا الدعم الاثر الايجابي. الا انه بعد التشكيل بدت الادارة الاميركية "بطيئة" في التجاوب مع المراجعات الفرنسية لازالة بعض العراقيل من امام الحكومة اللبنانية في "تقليعتها"، وسمع الفرنسيون كلاماً اميركياً عن ان التركيبة الحكومية اللبنانية "هشة" وان اي هزة سياسية قد تحد من قدرتها على تحقيق الانجازات المرجوة لاسيما الاصلاحات ومكافحة الفساد "والحد" من استثمار "فائض القوة" لدى "الثنائي الشيعي" ولاسيما حزب الله. ولعل الزيارات الاميركية المتتالية الى بيروت بعد تشكيل الحكومة ومنها زيارة مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط" فيكتوريا نولاند"، الدليل على ان واشنطن ارادت ان تبقي لها حضوراً اكثر فاعلية من السابق وان لا تكون الساحة مفتوحة فقط للفرنسيين. وبدا ذلك واضحاً من الكلام الذي قالته "نولاند" خلال لقاءاتها مع المسؤولين اللبنانيين خلال محطتها اللبنانية.

ومن خلال المعطيات المتوافرة لدى المصادر نفسها، فإن من اسباب انزعاج باريس مما آل اليه الوضع في لبنان، بروز معطيات لدى الفريق الفرنسي عن ان حكومة ميقاتي قد لا تكون قادرة على اتخاذ الاجراءات الاصلاحية المطلوبة نتيجة تركيبتها، وما حصل في الاسبوع الماضي زاد القناعة بأن الخلل يتسع إطاره في الحكومة التي لم تستطع على رغم مرور شهر على ولادتها، من تفعيل عملية الاتفاق على خطة موحدة تفاوض من خلالها صندوق النقد الدولي وكأن ثمة من يعمل على افشال هذه المفاوضات قبل بدئها. كذلك نظرت باريس - وفق المصادر نفسها - بقلق الى التعاطي مع  التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت والضغوط التي مورست على المحقق العدلي القاضي طارق البيطار والتي وصلت الى الشارع وموقف "الثنائي الشيعي" من القاضي والمطالبة بتنحيته. وسجل في هذا السياق "عتب" فرنسي كبير على الرئيس نبيه بري الذي يعتبر الفرنسيون انه لم يلعب الدور المطلوب منه كرئيس للسلطة التشريعية بل تصرف كزعيم حركة حزبية مع كل ما رافق مواقفه من ممارسات ميدانية اقلقت ادارة الرئيس "ماكرون" التي ترصد ردود فعل الشارع الفرنسي حيال تعاطيها مع الملف اللبناني ومدى نجاحها في إحداث خرق ايجابي يمكن ان يوظفه "ماكرون" في حملته الانتخابية في المستقبل القريب، علماً انه كان تعهد امام الفرنسيين المهتمين بجريمة تفجير مرفأ بيروت بأن تظهر الحقيقة كاملة وعدم السماح بتمييعها او حرف التحقيق عن طريقه الصحيح.

عودة الحديث عن عقوبات أوروبية

وكشفت المصادر نفسها ان اتصالات عاجلة تجري بين دول الاتحاد الاوروبي، لاتخاذ موقف واجراءات سريعة في ما خص تطور الاوضاع في بيروت، وخصوصاً تعطيل الحكومة وتحقيق المرفأ، الذي ينتظر ان يبحثا في اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد من خارج جدول الاعمال من باب عرقلة الاصلاحات الاقتصادية والسياسية، حيث الحديث عن دفع بعض الدول نحو ضرورة الانتقال الى خطوات تنفيذية. واللافت هنا، كلام المصادر عن تعديل واضح في الموقف الفرنسي ظهر خلال المشاورات الجارية وتبنى الاليزيه موقفاً اكثر تشدداً. وتكشف المصادر ان الحملة الغربية ترتكز بشكل واضح وتنطلق من تحميل السلطات والمؤسسات الرسمية مسؤولية حماية التحقيق والمحقق العدلي، وكذلك مسؤولية تعطيل وخربطة التحقيقات، ما يعرضها لتبعات ومسؤوليات باشخاصها ومسؤوليها، لا قدرة للبلد على تحمل نتائجها، انطلاقاً من التسليم بأن "حزب الله" هو صاحب الامر والنهي وفرض القرارات. خطوة تدعمها مجموعة كبيرة من الاحزاب الممثلة في الاتحاد الاوروبي المؤيدة لخيارات الاطراف المعارضة لحارة حريك، وصلت حد الدعوة الى ضرورة تبني قرارات دولية لحماية المدنيين من الاعتداءات المتكررة، والاتصالات قد بدأت في هذا الاتجاه، بحيث يتوقع ان تظهر نتائجها خلال الاسبوعين المقبلين خصوصاً اذا ما استمر الجمود يلف العمل الحكومي من دون حصول اي خطوات عملية تفعل الحكومة وترفع من قدرتها وفعاليتها.

الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" يستقبل الرئيس نجيب ميقاتي في الاليزيه.

الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" يستقبل الرئيس نجيب ميقاتي في الاليزيه.