تفاصيل الخبر

محور الشياح ـ عين الرمانة... لا سالك ولا آمن

بقلم علي الحسيني
20/10/2021
رصاص الموت.

رصاص الموت.

 بلمح البصر، انقلبت الأوضاع في لبنان رأساً على عقب بعدما تحوّلت النقاشات السياسية الى اشتباكات مُسلحة في شوارع شهدت على دماء ضحايا وعلى رعب سكن الأطفال والنساء، بالإضافة إلى استعادة واقعية للملاجئ بعد أن هرع اليها سُكان بعض المناطق، خشية من الرصاص الطائش وقذائف "الأر بي جي"، ومن استهدافهم بـ"قنّاصّة" لعبت دورها بحصد المُقاتلين والأبرياء على حد سواء.

السلاح في الشارع.. صاحي

 بعد فترة من العراك السياسي في البلد على خلفيّة المنحى الذي سلكه بإشراف قاضي التحقيق طارق البيطار، وما تخلّله من مناوشات تراوحت بين الداخل والخارج، انفجر الشارع بقرار صادر عن أُمراء الأحزاب والطوائف، فكانت نتيجته، قتلى وجرحى عند حدود ما زالت محفورة بذاكرة الجزء الأكبر من الشعب اللبناني، حيث عادت لترسم طبيعة وشكل المواجهات المُقبلة تمهيداً لتكريس واقع تقسيمي جديد، بحجّة حماية أمن الطوائف بعدما أفقدوا الدولة دورها بالقيام بما يتوجّب عليها، كما أفقدوها شرعيّتها ليُصبحوا هم الشرعيّة وأصحاب قرار الحرب والسلم، وهذا ما ظهر بشكل لا لُبس فيه، من خلال تدفّق السلاح نوعاً وكمّاً، داخل "الشيّاح" و"عين الرمانة".

 عاد اللبنانيون خلال اليومين الماضيين إلى زمن "سالكة وآمنة" بعدما احتّل السلاح المُتفلّت برصاصه وقذائفه، الشوارع والطرقات، وأدخل الرعب إلى قلوب الصغار بعدما تلاعب الكبار بأمنهم وبمصيرهم. سلاح غبّ الطلب، حضر بأنواعه إلى ساحة معركة سبق أن أُشعلت فيها الشرارة الأولى لحرب امتدت لأكثر من خمسة عشر عاماً، ذاق خلالها الشعب اللبناني الأمرّين، وما زال جزء من هذا الشعب يُعاني، فقدان الأخ والابن والأب، وكل الخشية اليوم، أن يتحوّل الصراع حول قاض، إلى حرب طائفية ظهرت أمس الأوّل بشائرها، بتقطيع أوصال البلد وتحويل شوارعه إلى مقبرة دُفنت فيها أجسادٌ وأحلام.

اتهامات على محور الموت

 في الوقت الذي كان فيه الرصاص هو المُسيطر، كان البعض يتلّهى بالاتهامات المتبادَلة حول الجهة التي بادرت إلى فتح نيرانها على الطرف الآخر، مع العلم أن هذا البعض، هو من فتح النيران هذه ومهّد لها من على المنابر وحرّض ناسه وجماعاته على النزول إلى الشارع لمواجهة الطرف الآخر. من هنا، تفتح مصادر مقرّبة من "الثنائي الشيعي" نيرانها ضد حزب "القوّات اللبنانية" والسفارة الأميركية في عوكر باتهامهما، بقتل الأبرياء وتعمّد جرّ لبنان إلى حرب بين اللبنانيين تهدف إلى تغيير موازين القوى السياسية في لبنان والعسكرية في المنطقة. لكن حكمة "حزب الله" وحركة "أمل" عطّلت هذا المشروع وقطعت الطريق على "القوّات" وحلفائها في الداخل والخارج، قبل وضع أُسس الفتنة الطائفية، وتحديداً ضُمن مُحيط جغرافي مشهود بحساسيته وتاريخه المؤلم. 

 وبحسب المصادر نفسها، ثمّة سعي أميركي مع حلفاء الداخل لتطيير الانتخابات بسبب وجود معرفة مُسبقة بطبيعة النتائج التي ستخرج بها هذه الانتخابات، والتي ستُعيد الأكثرية الحالية إلى موقعها السابق. وهذا ما يخشاه الأميركي وحلفاؤه، ولذلك، كان القرار بفتح جبهة حرب تبّرعت "القوّات اللبنانية" بإشعالها. والأنكى من هذا كله، أن قادة هذا الحزب لا ينفكّون عن الحديث حول السلاح المتفلّت وغير الشرعي والدعوة المُستمرة إلى حصر السلاح بيد الجيش. وقد ظهّرت الأحداث الأخيرة، الكمية والنوعية التي يختزنها حزب "القوّات" وتدريب عناصره على عمليات القنص وقتال الشوارع.

من اتخذ قرار المواجهة؟ 

 من جهة أخرى، تُشير مصادر مقربة من "القوّات اللبنانية" إلى أن قرار المواجهة في الشارع قد اتُخذ قبل يوم من المسيرة التي دعا اليها "الثنائي الشيعي" بهدف الضغط على القاضي البيطار للتخلّي عن ملف التحقيق في إنفجار المرفأ. وقد لمس اللبنانيون هذا الأمر من خلال السلاح الذي ظهر بشكل علني في مسيرة قيل إنها تتضمن "نُخبة" من الشخصيات النقابية. وهذا يؤكد للقاصي والداني بأن العملية كان مُحضّراً لها بشكل مُسبق، وأن قرار نقل المعركة إلى الشارع، قد أُعدّ داخل المطابخ الأمنية في الضاحية الجنوبية. 

 وتُضيف المصادر: اليوم، يواصل "الثنائي الشيعي" سعيه لإحكام سيطرته الكاملة على الدولة اللبنانية بمؤسّساتها السياسية والقضائية، وذلك بأشكال متعدّدة، مرةً تحت عنوان حقوق الطائفة الشيعية من وظائف ومراكز، ومرّة تحت عنوان المظلومية، وهذه المرة من البوابة القضائية عبر ملف انفجار المرفأ والتحقيق الذي يُجريه القاضي البيطار، الذي يظهر بوضوح أنه يتّجه لاتهام الحزب وبعض حلفائه وشخصيّات أمنية في النظام السوري.

 وتُضيف المصادر: يبدو أن الثنائي الشيعي كان بأشدّ الحاجة لهذه الاشتباكات في الشارع ولسقوط قتلى في صفوفهم لسببين: الأول استعادة العصب الشعبي الذي فقده في الفترة الأخيرة بفعل الضائقة الاقتصادية والمالية، وأيضاً بفعل الخلافات التي وقعت بين طرفي الثنائي على خلفيّة ملفات انتخابية واجتماعية. والسبب الثاني تعبيد الطريق نحو الدعوة إلى إقامة مؤتمر تأسيسي لفرض واقع سياسي جديد يضمن بقاء سلاح "حزب الله"، ويؤدي إلى تحسين الموقع الشيعي ضمن الدولة ومؤسساتها.

لا قنّاصة!

 استغربت جهات سياسية وأمنية، حديث وزير الدفاع موريس سليم حول عدم وجود قنّاصين على أسطح الأبنية التي تقع في قلب المناطق التي شهدت الاشتباكات المُسلحة، لدرجة أن الاستغراب وصل الى حد توجيه أسئلة للوزير سليم، حول الطريقة التي سقط فيها عدد من الشبان الذين كانوا يوجدون في الشارع، بالإضافة إلى دعوته للاستعانة بالمشاهد التي بثّتها بعض محطّات التلفزة، والتي يظهر فيها هؤلاء القناصون وهو يُطلقون الرصاص من على أسطح المباني.

 ومما قاله الوزير سليم: بأن التدافع والاشتباك في الطيونة أدّيا إلى إطلاق النار من الطرفين والإفادات الميدانية تؤكد دخول شبان الى شوارع عين الرمانة وإطلاق النار تسبب بفوضى وسبق عمليات القنص، لافتاً إلى تم العثور على مصدر اطلاق الـB7  وتمت توقيفات على الأثر والجيش نفذ كل التدابير الميدانية الاستباقية اللازمة. وتابع: معلومات مسبقة كانت بحوزتنا والاتصالات أكدت الطابع السلمي للتحرك ولكن تفلتاً أعقب وقوع الحادثة كما أن الأسلحة موجودة في البيوت.

بري ونصر الله وجعجع.. كلام ورسائل

 في أول تعليق له على ما جرى في الشارع، أطل الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله بإطلالة متلفزة، اعلن فيها أن الأحداث التي حصلت مهمة وخطيرة ومفصلية وتختلف عن كثير من حوادث مشابهة قد تكون قد حصلت مؤخراً، مبيناً أن هناك من يصنع لأهلنا وجيراننا في المناطق المجاورة للضاحية الجنوبية لبيروت عدواً وهمياً دائماً. وقال نصر الله إن المسيحيين في لبنان هم المادة التي يتم العمل عليها لزعامة شخص وهيمنة حزب وخدمة مشاريع خارجية، وبالتحديد أتحدث عن حزب "القوات اللبنانية"، مركزاً على أنه عندما يخاطب رئيس هذا الحزب (سمير جعجع) عموم المسيحيين في لبنان، يتركز كل الجهد والخطاب على أن المسيحيين في لبنان يجب أن يبقوا في دائرة الذعر والخوف والقلق على وجودهم وحريتهم وشراكتهم، ويتم استغلال أي حادثة صغيرة لإثارة مخاوف المسيحيين.

 من جهته، دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى استخلاص الدروس والعبر ونسير بهدي عيد المولد النبوي الشريف عدلاً ومساواة بين الناس وإحقاقاً للحق وتحرراً من كل أشكال العبودية والخضوع، بذلك لن يضل أحدٌ سبيل الوطن وسبيل حفظ كرامة الانسان. وختم: إن خير التعزية والتبريك للبنانيين عامة والمسلمين خاصة وللشهداء كل الشهداء من شهداء المرفأ الى شهادة اولئك الاقمار السبعة الذين سقطوا صبيحة الخميس الأسود غيلة وغدراً وقنصاً.

 أمّا رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، فأوضح في تصريح أنّه "يمكن اعتبار أن ما شهدناه بالأمس في الطيونة هو ميني 7 أيار، وإنما هذه المرة 7 أيار مسيحي"، وقال: "كان لا بد من نوع من 7 أيار عند المسيحيين تحقيقاً للهدف الذي هو حتى هذه اللحظة إقالة أو "قبع" القاضي البيطار، على ما أحبوا تسميتها، وتحديداً من أجل قتل التحقيق في انفجار مرفأ بيروت وليس أبداً لأي سبب آخر شخصي ضد القاضي البيطار".

وأضاف: "نحن لدينا في الحزب شخص يلعب دور صلة الوصل بين الأجهزة الأمنية وبيننا واسمه عماد خوري، لذا اتصلت به وقلت له إنه على ما هو ظاهر هناك تظاهرة ستنطلق من الضاحية باتجاه قصر العدل، وهذا حق طبيعي لكل لبناني، لذا تواصل مع قيادة الجيش وقوى الأمن الداخلي، وقل لهم إنهم يعرفون تماماً الحساسيات التقليديّة الموجودة بين عين الرمانة والضاحية وأطلب منهم أن يكون الوجود العسكري في تلك المنطقة كثيفاً، فنحن يهمنا جداً أن تمرّ التظاهر كتظاهرة من دون أي مساس بالسلم الأهلي باعتبار أن هذا السلم الأهلي يهمنا جداً جداً".

 وأردف: "قام خوري باتصالاته وعاد واتصل بي وأبلغني أنه سمع من قيادة الجيش أنهم أخذوا كل الاحتياطات اللازمة وهم على وعي تام لهذه النقطة وسيقومون بنشر مجموعات عسكريّة عند كل مفترق طرق من الضاحية باتجاه عين الرمانة. كذلك، أبلغني خوري أيضاً أنه سمع التطمينات ذاتها من قوى الأمن الداخلي، وهذا الأمر حصل ليل الأربعاء وليس أبداً كما يكذبون اليوم ويقولون إننا خططنا ونزلنا قبل يوم من التظاهرة وما إلى هنالك"، وقال: "اسألوا الجيش لكي نرى أين وقع الحادث الأولي، باعتبار أن هناك حادثة أوليّة حصلة وثم عادت لتقع المشكلة في مكان آخر تماماً وأنا لا أعرف أين وكيف، والجميع رأى مجموعات الناس التي خرجت من الضاحية حيث كان البعض فيها مسلحاً وآخرون غير مسلحين. التظاهرة كان خط سيرها الضاحية – دوار الطيونة – بدارو – العدليّة إلا أن الحادث وقع في أحد أزقة عين الرمانة قرب مدرسة الفرير".

 وتابع: "نحن على الأرض، وهذا أمر صحيح، فنحن في كل المناطق التي لدينا وجود فيها فنحن موجودون فيها ولا نغيب عن أي مسألة، وهنا يجب ألا ينسى أحد أن ما بين عين الرمانة والضاحية أحداثاً سابقة. نحن لدينا مراكزنا في المنطقة وفي حالات كهذه بطبيعة الحال يقوم الشباب بالتجمع في هذه المراكز وهذا أمر طبيعي، وخصوصاً في منطقة كعين الرمانة التي تعرّضت أكثر من مرّة لأحداث وهم مستنفرون "وطاحشين" ويعزمون المرور على أطرافها".

السيد حسن نصر الله والدكتور سمير جعجع.. عداوة أو خصومة؟

السيد حسن نصر الله والدكتور سمير جعجع.. عداوة أو خصومة؟

أبناء الحي الواحد.

أبناء الحي الواحد.

الجيش حامي الاستقرار.

الجيش حامي الاستقرار.