تفاصيل الخبر

الرهان على خلاف بين عون وميقاتي خاسر حتى الآن رغم كثرة المواضيع الخلافية!

13/10/2021
الرئيسان ميشال عون ونجيب ميقاتي .. إرادة مشتركة لديهما بعدم الخلاف.

الرئيسان ميشال عون ونجيب ميقاتي .. إرادة مشتركة لديهما بعدم الخلاف.


 يراهن العديد من السياسيين والمحللين على أن العلاقة بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي لن تبقى منسجمة كما هي الحال الآن، وأن "شهر العسل" بين الرئيسين سوف ينتهي قريباً، خصوصاً عند الدخول في ملفات حساسة مثل الكهرباء والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي، والتعيينات وغيرها من المواضيع التي كانت دائمة خلافية بين الرئيس عون ورؤساء الحكومات الذين تعاقبوا خلال عهده ولاسيما منهم الرئيس سعد الحريري، والى حد ما الرئيس حسان دياب. وفي تقدير هؤلاء المراهنين على الخلاف بين الرئيسين عون وميقاتي ان ثمة اسباباً كثيرة لحصوله، لكن الاكثر حدة سيكون تدخل رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل في كل "شاردة وواردة" وهي مسألة لا يستسيغها ميقاتي كثيراً، ولا يتخلى عنها الرئيس عون الذي يعتبر ان باسيل يرأس اكبر كتلة نيابية مسيحية في مجلس النواب ويحق له مثل غيره من رؤساء الكتل السياسية مقاربة الملفات التي تعمل عليها الحكومة. لكن نقطة التباين قد تكون في ان ميقاتي يعتبر ان من حق باسيل مقاربة الملفات الحكومية من موقفه النيابي مثله مثل رؤساء الكتل النيابية الاخرى، وليس من موقع قرابته مع الرئيس عون كونه صهره، وبالتالي فإن محاسبة الحكومة تكون في مجلس النواب وليس من خلال اروقة قصر بعبدا لاسيما وان الحديث يتزايد في الاوساط السياسية عن ان باسيل اقام جناحاً له في القصر الجمهوري يتابع فيه عمل الرئاسة مباشرة او من خلال مستشارين "زرعهم" في القصر وفي وزارات اخرى الى جانب الوزراء الذين سماهم الرئيس عون مباشرة او باسيل خلال المفاوضات التي اجراها مع صهر شقيق الرئيس ميقاتي، قنصل لبنان في موناكو مصطفى الصلح.


المطلعون على طبيعة العلاقة بين الرئيسين عون وميقاتي يؤكدون ان التعاون بينهما "في احسن حال" وان التنسيق يتم في كل المواضيع المطروحة او تلك التي سوف تطرح لان الرئيس عون راغب في ان تنجح الحكومة في انتشال لبنان من القعر الذي وصل اليه اقتصاديا وماليا واجتماعيا وصحيا وتربويا الخ.... لاسيما وان اي نجاح لهذه الحكومة في السنة الاخيرة من ولاية الرئيس عون التي تبدأ مع نهاية الشهر الجاري، له انعكاسات ايجابية تحد من الاعتراض المعلن من سياسيين وهيئات اهلية واجتماعية ضد العهد باركانه كافة بدءاً من رئيس الجمهورية وصولا الى مستشاريه ومعاونيه وفي مقدمهم النائب باسيل. كذلك فإن ميقاتي، وفق ما تقول مصادر مطلعة على موقفه، ليس في وارد الدخول في اي مواجهة مع الرئيس عون طالما انه يلقى كل تعاون منذ لحظة صدور مراسيم تشكيل الحكومة الجديدة، والدليل على ذلك، "الانسياب" الذي تتميز به جلسات مجلس الوزراء التي انعقدت في بعبدا، والتفاهم الذي برز حيال المواضيع التي طرحت حتى الآن والتي لم تزرع في دربها اي عراقيل يمكن ان ترتد سلباً على العلاقة بين رئيسي الجمهورية والحكومة.


ولعل ابرز هذه المواضيع الاتفاق الذي حصل في تشكيل اللجنة الوزارية التي ستتولى التفاوض مع صندوق النقد الدولي والتي كان من المفترض ان تضم ممثلين عن الرئيس عون. لكن التفاهم بين الرجلين ادى الى التوافق على ان "تستعين" اللجنة بمن تراه مناسبا من الخبراء في خلال عملها، وهو "مخرج" توصل اليه الرئيسان بعد تصاعد اصوات منتقدة وجود مستشارين الى جانب الوزراء الاعضاء في اللجنة، ما جعل الصيغة تتعدل ليصبحوا "خبراء يمكن الاستعانة بهم عند الحاجة"!.


إرادة مشتركة... على الاتفاق


وتتحدث المصادر المتابعة للاجواء بين بعبدا والسراي، عن وجود إرادة مشتركة لدى الرئيسين عون وميقاتي بعدم الخلاف وإن كانت لكل منهما مواقفه حيال المواضيع المطروحة، لكنه مهما تباينت الآراء لن تصل الى مستوى خلافي لا يمكن معالجته، علماً ان التفاهم بينهما على موضوع اجراء تعيينات في عدد من المواقع الشاغرة الاساسية، هو تفاهم ثابت، خصوصا في ما خص ملء الشواغر في مجلس القضاء الاعلى، والمجلس الدستوري، وبعض السفارات الاساسية التي خلت من سفراء اصيلين بسبب التقاعد. وفي هذا السياق طلب الرئيسان من وزير الخارجية عبد الله بو حبيب تقديم مقترحات لدرسها من دون ان يوحي اي منهما للوزير بضرورة تقديم هذا الاسم او  ذاك، بل تركا للوزير بو حبيب حرية اقتراح "الانسب" في كل سفارة مفضلين في المرحلة الراهنة عدم الاستعانة بسفراء من خارج ملاك وزارة الخارجية لأن الاولوية يجب ان تعطى للموجودين في السلك الديبلوماسي، علماً ان ثمة مذاهب تفتقر الى ديبلوماسيين يمكن ان تناط بهم مسؤوليات في سفارات تعتبر حساسة ومهمة. وهذا "التفاهم" بين رئيسي الجمهورية والحكومة، سوف ينسحب ايضاً حتى الآن على الاقل، على مواقع اخرى شاغرة، كما حصل بالنسبة الى التفاهم حول آلية عمل لجنة التفاوض مع صندوق النقد الدولي التي ستأخذ في الاعتبار وجود خطة وضعتها حكومة الرئيس حسان دياب عرفت بــ "خطة التعافي الاقتصادي" لن يتم اسقاطها بل تطويرها وتعديلها واضافة ما هو ضروري عليها مع الاخذ في الاعتبار التبدلات التي طرأت على الوضع المالي في خلال الفترة الفاصلة وقد ترجم ذلك من خلال الابقاء على شركة "لازار" الفرنسية كمستشار مالي في التفاوض، وشركة "غوتليب اند هاملتون" في عملها كاستشاري قانوني للدولة اللبنانية سوف تستكمل مهمتها التشاورية مع الحكومة الجديدة، كما كان الحال مع الحكومة السابقة.

وينقل زوار بعبدا عن الرئيس عون قوله إنه سيوفر للرئيس ميقاتي كل مقومات النجاح في حكومته وسيكون متعاوناً معه الى ابعد الحدود لانه لم يلمس منه حتى الان الا الرغبة الكاملة في التعاون والتنسيق واحترام الدستور والنصوص القانونية والاصول المعتمدة، وليس صحيحاً ما روجته جهات تسعى الى الايقاع بين الرجلين عن ان ميقاتي "انتزع" من عون الموافقة على الا تعقد كل جلسات مجلس الوزراء برئاسته في قصر بعبدا، لاسيما وان مسألة توزيع جلسات مجلس الوزراء بين بعبدا والسرايا الكبير، تدبير معتمد منذ سنوات عدة وفي عهدي الرئيسين الياس الهراوي وميشال سليمان، واستمر الحال على هذا المنوال في عهد الرئيس عون ايضا سواء مع الرئيس الحريري الذي ترأس حكومتين، او الرئيس دياب الذي ترأس الحكومة السابقة، ولم يتوقف هذا "التدبير" الا في عهد الرئيس اميل لحود الذي طبق الدستور الذي نص على انشاء مقر خاص لمجلس الوزراء كان في المبنى السابق لادارة الجامعة اللبنانية قرب المحقق والذي عقدت فيه كل جلسات مجلس الوزراء في عهد لحود، باستثناء تلك التي عقدت بعد عدوان تموز (يوليو) 2006 حيث  "نقل المقر" لاسباب امنية الى احدى قاعات مقر المجلس الاقتصادي والاجتماعي في وسط بيروت لانه لم يكن مكشوفاً كما كان حال المقر قرب المحقق، ... جلسة عقدت وسط دوي قصف البوارج الاسرائيلية التي كانت راسية في عرض البحر قبالة الشاطىء اللبناني حيث كانت تقصف الضاحية الجنوبية واحيانا اطرافاً من العاصمة.


ميقاتي مرتاب من نيات قوى سياسية

واذا كانت الحملات المبرمجة التي تستهدف العلاقة بين عون وميقاتي امكن تعطيل مفاعيلها السلبية، وحتى الان على الاقل، فإن الذين يلتقون الرئيس ميقاتي هذه الايام، يلمسون لديه بدايات شعور بالارتياب حيال نيات بعض القوى الداخلية التي يتخوف من ان تؤدي حساباتها المتضاربة او التجاذبات المتنقلة بينها الى انعكاسات سلبية على رغم العمل الحكومي وانتاجيته. ويروي هؤلاء ان ميقاتي كان مرتاحاً خلال التكليف اكثر مما هو عليه بعد التأليف، اولا لفخامة المسؤوليات الملقاة على عاتقه والامال المعلقة عليه داخليا وخارجيا، وثانيا بسبب بعض المواقف السياسية التي من شأنها اذا ما استمرت ان تعرقل عمل الحكومة او "تفرمل" انطلاقتها بزخم، ويضيف هؤلاء انه ليس خافيا ان ميقاتي ينتظر تسهيلات من السياسيين تُعادل خطورة التحديات التي يتعامل معها، وأساسا ما كان ليقبل بتشكيل الحكومة لو لم يحصل على ضمانات داخلية وخارجية بالتسهيل، والآن اتى أوان صرف «الشيكات» الموجودة في حوزته، وهو يأمل في ان لا يتبيّن ان كلها او بعضها بلا رصيد. غير ان ثمة  علامات لاحت من خلف الكواليس وامامها احيانا، لم تكن جميعها مريحة ومشجعة، لاسيما «الخلاف المستدام» بين عون والرئيس نبيه بري، والذي تَمظهَر أخيراً حول عقد دورة استثنائية لمجلس النواب، ثم هناك أيضا ما يعتبره البعض «نيّات مُضمرة» لدى اعضاء نادي رؤساء الحكومات السابقين الذين، وإن كانوا لم يعطّلوا علناً تشكيلة ميقاتي، الا انهم في قرارة أنفسهم غير مرتاحين اليها ولا مقتنعين بها، وليس أدلّ على ذلك من غياب الرئيسين سعد الحريري وتمام سلام عن جلسة الثقة، وإيماءات الرئيس فؤاد السنيورة. وعلى رغم التأكيد المتكرر من قبل ميقاتي والحريري بأن علاقتهما جيدة ولا صحة للاقاويل في شأنها، الا ان العارفين يلفتون الى انّ للحريري خصمَين حالياً: الأول فوق الطاولة وهو عون، والثاني تحت الطاولة وهو ميقاتي لاعتبارات تتعلق بالمنافسة على السلطة والزعامة. ومن العوامل الأخرى التي تدفع ميقاتي الى الارتياب ايضاً، عودة العملة الخضراء الى الصعود بعد انخفاضها بعد التكليف والتشكيل، قبل أن تستأنف ارتفاعها خلال الأيام الأخيرة، ما تسبب في التشويش على انطلاقة الحكومة الجديدة وإظهارها عاجزة حتى عن السيطرة على سعر الصرف، بينما كان يُفترض ان يؤدي وجودها الى ضبطه على الأقل. والاكيد انّ «كمين الدولار» يُحرج ميقاتي وحكومته ويهدد إنجازهما الأول وربما الوحيد حتى الآن، والذي تمثّلَ في انخفاض سعر صرف العملة الصعبة لبعض الوقت.

أمام هذه "الانبعاثات" الأولية وما يمكن أن يليها في المستقبل، يبدو ان ميقاتي المعروف بأنه صاحب نفس طويل وخبير في تدوير الزوايا والخلافات، لن يقبل باستخدامه حَطباً في موقدة المصالح الانتخابية والسياسية، ولن يسمح بأن يكون كبش محرقة للقوى التي تريد أن تصفّي حسابات او ان تلجأ الى الشعبوية لربح الانتخابات على حسابه، كما تؤكد شخصية سياسية على صِلة به. وبناء عليه، تُحذّر تلك الشخصية من انّ الرجل الذي اشتهر بديبلوماسيته ومرونته حتى اقصى الحدود الى درجة انه قادر على احتواء ألد خصومه وكسب ودهم، قد يضطر في لحظة ما الى اتخاذ مواقف حاسمة وقاطعة، اذا وجد انّ ذلك ضرورياً لحماية التجربة المتجددة التي يخوضها في السلطة، لا سيما انه يعتبر انّ المهمة التي وافقَ على تأديتها لا تتحمّل القسمة على اثنين، فإمّا ان تنجح ولو بالحد الأدنى المقبول وإمّا ان تفشل، وعندها لن تقتصر التداعيات السلبية عليه بل البلد برمّته يكون قد خسر فرصة ثمينة وربما أخيرة لبدء رحلة الإنقاذ .والواضح انّ ميقاتي يواجه بشكل اساسي تحدّي صندوقين: صندوق النقد الدولي وصندوق الاقتراع. فإذا تمكّن من التوصّل الى اتفاق مع الأول واجراء الانتخابات في موعدها وبأعلى نسبة ممكنة من النزاهة، يكون هو وحكومته قد نالا علامة فوق المعدّل، من شأنها ان تؤهّله تلقائياً ليصبح المرشح الطبيعي الى رئاسة حكومة ما بعد الانتخابات، لاستكمال ما كان قد بدأه.