تفاصيل الخبر

بكركي غير "متحمسة" لجمع القيادات المسيحية تفادياً لمواجهات حادة في الانتخابات....

13/10/2021
البطريرك بشارة الراعي في آخر لقاء له مع القيادات الحزبية المسيحية.

البطريرك بشارة الراعي في آخر لقاء له مع القيادات الحزبية المسيحية.


 لا يختلف اثنان على أن المواجهات الأصعب في الانتخابات النيابية في الربيع المقبل، ستكون في المناطق المسيحية التي ستشهد دوائرها الانتخابية صراعاً قوياً بدأت طلائعه منذ اشهر من خلال المواقف المعلنة للاطراف المعنيين خصوصاً ان امكانية تأجيل الانتخابات غير واردة بوجود إرادتين داخلية وخارجية تدعوان الى إجرائها في موعدها الدستوري، اضافة الى أن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون اعلن اكثر من مرة عن دعمه المطلق لاجرائها وكذلك التزم رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في البيان الوزاري بحكومته بأن تتم الانتخابات في موعدها من دون ان يحدد تاريخ الاستحقاق النيابي الذي يتأرجح بين 27 آذار (مارس) وايار (مايو) المقبلين. وبعيداً عن الصراع القائم حالياً حول مشاركة المغتربين في الاقتراع كما حصل في دورة 2018 وانتخاب ستة نواب يمثلون الاغتراب، فإن المشهد الداخلي يوحي بأن الاحزاب المسيحية لاسيما "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" وتيار "المردة" ستكون امام خيارات صعبة في عدد من الدوائر لاسيما تلك التي لا تضم ناخبين مؤثرين من الطوائف الاسلامية، ويتوقع ان تلعب تجمعات المعارضة وما يعرف بــ"الحراك المدني" دورا مباشرا في هذه الدوائر، لأن المناطق الشيعية مثلا مقفلة في وجهها نتيجة قوة "الثنائي الشيعي" من خلال التحالف بين حركة "امل" وحزب الله، فيما المناطق السنية من الصعب اختراقها راهناً بوجود تيار "المستقبل" الذي تراجع حضوره في بعض الدوائر لاسيما في البقاع الغربي وعكار والضنية والمنية الا انه يبقى الاقوى بين الاحزاب الاخرى التي تتحرك على الساحة السنية مثل الجماعة الاسلامية وغيرها، وفي مثل هذه البيئة لا امكانية لمواجهات قاسية كما هو الحال بالنسبة الى المناطق المسيحية، فضلا عن ان قدرة "الحراك المدني" على تحقيق انجازات، صعبة وان كان البعض يتحدث عن خروقات محدودة ممكنة. كذلك الحال بالنسبة الى المناطق ذات الاكثرية الدرزية حيث تبقى المنافسة غير متكافئة بين اعضاء الحزب التقدمي الاشتراكي ورئيسه وليد جنبلاط، ومؤيدي الحزب الديموقراطي اللبناني ورئيسه النائب طلال ارسلان، و"حزب التوحيد العربي" ورئيسه الوزير السابق وئام وهاب...

 كل الأجواء توحي ان الزخم الانتخابي سيكون في الدوائر المسيحية التي تستعد منذ الآن لمعركة "كسر عضم" خصوصاً في الدوائر "الصافية" مثل كسروان وجبيل والمتن الشمالي والبترون والكورة وبشري وجزين وزحلة، والمعطيات تشير الى ان هذه المواجهات لن تكون سهلة وسط مخاوف من ان تتجاوز الشق السياسي، الى مناوشات تحدث اضطرابات امنية او في احسن الحالات توترات فتتراجع اذ ذاك نسبة الاقبال على الاقتراع ما يؤثر سلباً على نسبة التصويت لاسيما لدى المجموعات المعروفة بــ "المترددة" اي غير الحزبية، والتي لا تبدي عادة اهتماماً بالمشاركة بالانتخابات، فكيف والظروف الراهنة اقتصاديا ومعيشيا قد تجعل عدد المستنكفين كبيراً جداً، علماً ان الانتخابات السابقة لم تشهد حركة كبيرة اذ لم تتجاوز نسبة المقترعين النصف. ولعل الضائقة المالية التي يمر بها اللبنانيون ستعطي الافضلية لحملة "الاوراق الخضر"، اي الدولار، الذي سيلعب دورا اساسيا في جعل الاقبال على التصويت جيدا او وسطا او ضعيفا! وفي هذا السياق تقول جهات تلعب عادة دورا مهما في تركيب "الماكينات" الانتخابية ان الانفاق في الدورة المقبلة سيكون اربعة اضعاف عما كان عليه في الدورة السابقة اذا لم تتجاوز الحدود المعقولة ليصل الى خمسة او ستة اضعاف.

 المواجهات الانتخابية- مسيحية!

من هنا، تبدو المناطق المسيحية في حالة ترقب عما ستكون عليه صورة التحالفات السياسية، علما ان الاقطاب الثلاثة اي "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر" و"المردة" لن تجمعهم اي لوائح مشتركة ما يعني ان التوجه سيكون حول تحالفات مع مجموعات سياسية صغيرة بهدف تأمين الحاصل الانتخابي للوائحهم، لان امكانية التلاقي مع مجموعات الحراك المدني غير واردة بالمطلق. علما ان هذه المجموعات لم تتوحد بعد ولم تشكل قيادة واحدة يمكن التفاوض معها، على رغم المحاولة التي ولدت قبل اسبوعين في مقر حزب الوطنيين الاحرار في الاشرفية – السوديكو من خلال ما سمي بــ "الجبهة السيادية" التي عقدت اول اجتماع لها وكان بمثابة عودة حزب الاحرار الى الحياة من جديد، بعد التغيير الذي طاول قيادته رئيسا واعضاء بعدما كان الحزب شبه غائب عن الساحة السياسية اللبنانية بعد غياب رئيسه السابق دوري شمعون عن الندوة البرلمانية، ثم حلول نجله كميل في رئاسة الحزب، وثمة معلومات تشير الى امكانية ترشيح كريمة الشهيد داني شمعون السفيرة السابقة في الاردن ترايسي شمعون التي انضمت الى مجموعات الرافضين والمنتفضين ودعاة "كلن يعني كلن". والهدف من اجتماع السوديكو تأمين قاعدة مسيحية لمواجهة التيار الوطني الحر والمردة وبعض المستقلين من هنا وهناك. ضم الاجتماع حزب القوات اللبنانية وحزب "حراس الارز" ولقاء "سيدة الجبل"، لتكون هذه المكونات، اضافة الى الاحرار، الخلطة التي يعوّل عليها لتحقيق التوازن المسيحي. اللقاء اعطى لنفسه غطاء سياسياً مناهضاً لحزب الله، لكن هدفه الحقيقي هو الانتخابات.

 غير ان علامات استفهام كثيرة بدأت تُطرح منذ انتهاء اللقاء الاول، وتطال مجالات عدة، اهمها الدور الذي تلعبه بكركي في هذا المجال، وهل يهمها بالفعل اتخاذ موقف غير جامع بالنسبة الى المسيحيين، بعد ان فشلت محاولاتها المتعددة في جمع الاطراف المسيحية على كلمة وموقف واحد؟ ولن ينفع في هذا المجال اقامة تشبيه بين "الجبهة السيادية" و"لقاء قرنة شهوان" لان الظروف مغايرة تماماً، وليس هناك من وصي على لبنان يضع جنوده فيه لفرض مواقفه، وليس هناك من غطاء دولي لتأمين الدفع اللازم والمرجو لتحقيق هدف واحد يجمع مختلف الاطراف، خصوصاً بعد ان بدا واضحاً موافقة فرنسا والولايات المتحدة والدول الكبرى على تشكيل الحكومة الجديدة التي ضمت احزاباً وتيارات سياسية كانت تواجه "فيتو" عالي السقف سابقاً. لذلك، فإن الهدف الواحد السياسي الذي يمكن ان يجمع اعضاء الجبهة الجديدة، يبدو بعيد المنال، ولا يبقى سوى هدف وحيد غير معلن وهو الانتخابات، ولكن... هل فعلاً يمكن التعويل على هذا الاستحقاق لجمع الاطراف؟ الجواب ايجابي، لانه معلوم ان الانتخابات غالباً ما تكون فرصة لجمع الاطراف لنيل مصلحة واحدة وهي تحقيق اكبر عدد ممكن من المقاعد، وليس من الضروري ان تكون التحالفات عميقة وطويلة الامد، بل من المرجح ان تكون فترة صلاحيتها قصيرة جداً، وهي غير ملزمة لاحد. واذا ما تم الاتفاق على الحصص الانتخابية (والتي ستكون نسبتها مرتبطة بمدى الشبه الذي يتمتع به كل حزب او تيار)، فسنكون امام جبهة انتخابية وليس سياسية، يستفيد منها من لا يملك حضوراً في بعض المناطق المعروفة بتأييدها لهذا الحزب او التيار، فيما ستنعكس ايجاباً على الاطراف الاخرى الاكثر تواضعاً من حيث التمثيل الشعبي، كونها ستضمن الحصول على اكبر عدد ممكن (ولو كان صغيراً بالاجمال)، لكنه سيعتبر خطوة مهمة للتوسع والانتشار في مناطق لا وجود لها فيها.

ويتحدث مطلعون عن ان بكركي مدعوة للعب دور في جمع القيادات المسيحية كي تبقى المواجهات الانتخابية في ما بينها سياسية ولا تنعكس خلافات على الارض بين المناصرين تعيد فتح جروح الماضي حين حصلت مواجهات بين المسيحيين سقط فيها شهداء وجرحى، وهاجر ما تيسر منهم الى الخارج، واصيب التأثير المسيحي في الحياة السياسية اللبنانية بالهوان وتراجعت قدرة المسيحيين على احداث فرق في الاداء السياسي للدولة. الا ان هؤلاء المطلعين يستدركون بأن التجارب السابقة غير مشجعة بمعنى ان البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي سعى مراراً الى جمع القيادات المسيحية في الصرح البطريركي في بكركي، الا ان تلك اللقاءات لم تحقق الحد الادنى من النتائج المرجوة ولا هي ساعدت في ايجاد حلول بعيدة المدى، بل ان مفعولها لم يدم سوى ايام...لذلك لا يبدو البطريرك الراعي "متحمساً" لاي خطوة لجمع "الاضداد" لانه يعرف سلفا انها لن تؤتي ثمارها بل بالعكس يمكن ان تعمق هذه الخلافات بدلا من ان تردمها ولو جزئيا... وعليه فإن كل طرف من الاطراف المسيحيين المشاركين في الانتخابات النيابية سيتكل على قاعدته ويستعد للمواجهة الكبرى!