تفاصيل الخبر

من قصد صفي الدين عندما هدد بإخراج أميركا من أجهزة الدولة؟

13/10/2021
السيد هاشم صفي الدين يتحدث في خطاب له عن التغلغل الأميركي في الدولة .

السيد هاشم صفي الدين يتحدث في خطاب له عن التغلغل الأميركي في الدولة .


  كيف تبدو العلاقة هذه الأيام بين الجيش اللبناني وحزب الله، وهل صحيح ما تردد عن وجود "فتور" بين الطرفين ترجم حتى الآن من خلال مواقف صدرت عن قياديين في حزب الله كان آخرهم رئيس المجلس التنفيذي في الحزب السيد هاشم صفي الدين، قوبلت بمواقف من قائد الجيش العماد جوزف عون قيل إنها تشكل ردوداً غير مباشرة على مسؤولي الحزب؟ هذا السؤال طرح بقوة في الأيام الماضية لاسيما بعد تزايد المواقف التي صدرت عن السفيرة الاميركية في بيروت دوروثي شيا وجهات اخرى تدعم الجيش وتتحدث عن دوره في "تعزيز" السيادة الوطنية ومنع "قيام دويلة ضمن الدولة" وغيرها من العبارات التي تقرأ عادة في المفهوم السياسي اللبناني بأنها موجهة ضد حزب الله الذي حرك ايضاً ردود فعل معترضة على استيراد الفيول الايراني وعبور قوافل الصهاريج من خلال معابر غير شرعية على طول الحدود اللبنانية - السورية، من دون ان تكون هناك اي ردة فعل رسمية باستثناء "الحزن" الذي عبر عنه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي عندما سئل عن هذا العبور الذي تم في وضح النهار من دون رقابة المؤسسات المعنية في الدولة لاسيما وزارة الطاقة والمياه للتأكد من جودة الفيول الايراني، ومن دون دفع اي رسم لصالح الحزينة اللبنانية....

لكن الكلام الذي قاله السيد صفي الدين حمل ابعاداً احتاجت الى تفسيرات من جانب حزب الله لم تصدر على رغم "النصائح" التي تلقاها عدد من قياديي الحزب من حلفاء واصدقاء منعاً لتفسيرات تزيد الأمور تعقيداً. فقد قال السيد صفي الدين ما حرفيته: "الاميركيون أقوياء في الدولة اللبنانية، ولديهم الكثير داخلها وحتى الآن لم نخض معركة اخراج الولايات المتحدة الاميركية من اجهزة الدولة، ولكن اذا جاء اليوم المناسب وخضنا هذه المعركة، فسيشاهد اللبنانيون شيئاً آخر. ما ان صدر هذا الكلام عن السيد صفي الدين حتى وضعه خصوم الحزب في خانة توجيه رسالة تهديد الى الجيش تحديداً، ما أحدث تململاً لدى الاطراف السياسيين الذين يشكون من مواقف حزب الله ووجوده "شحمة على فطيرة" لاطلاق المواقف المشككة والتي تدعو الدولة الى اثبات وجودها وغيرها من المواقف الاستعراضية التي استفادت من كلام صفي الدين لتطلق تفسيرات تسيء الى العلاقة بين الجيش والمقاومة التي ظلت متوازنة طوال الاعوام الماضية على رغم "الطحشة" الاميركية الدائمة لصالح الجيش، والحضور الاميركي العسكري المنتظم من خلال زيارات كبار الضباط والمناورات المشتركة والتبرع بآليات وتجهيزات (كان آخرها 6 طائرات هليكوبتر) وغيرها من الخطوات الاميركية تجاه الجيش التي تثير ريبة الحزب وحلفائه.

قائد الجيش والميليشيات المسلحة

 وسط هذه الاجواء، صدر كلام عن قائد الجيش العماد جوزف عون خلال اجتماع في اليرزة مع اركان القيادة وقادة الوحدات والافواج والضباط القادة والعامين في حضور اعضاء المجلس العسكري تحدث فيه عن الظروف الصعبة التي ينفذ فيها الجيش المهمات الموكلة اليه "بمهنية وحرفية" وانضباط للمحافظة على الامن والاستقرار في لبنان". كما تحدث عن الجهود الاستثنائية التي قام بها الجيش في ظل ظروف سياسية معقدة ودقيقة حميتم خلالها الكيان اللبناني وصنتم السلم الاهلي ومنعتم الفتنة من التسلل مجدداً. ولعل المقطع الاكثر دقة قول العماد عون للضباط: "لبنان بحاجة إلينا اليوم أكثر من أي وقت مضى. مهمتنا في الدفاع عن الوطن مقدسة، عقيدتنا ثابتة والتضحية في صلب شعارنا. الجيش تضحية وليس وظيفة. نحن نتعاطى بمسؤولية ونقف على مسافة واحدة من الجميع، لكننا لن نسمح بزعزعة الوضع الأمني ولا بإيقاظ الفتنة. الجيش هو الأمان والضمانة للبنان وشعبه، وإلا فالميليشيات المسلحة ستستعيد سيطرتها".

وأضاف: "لا شك في ان المؤسسة العسكرية تأثرت الى حد بعيد بالازمة الاقتصادية التي قد تطول بانتظار الحلول المرجوة، ما انعكس على الاوضاع الاجتماعية لعسكريينا وعائلاتهم، بسبب تدني قيمة رواتبهم وغلاء المعيشة والمحروقات، في وقت يطلب منهم القيام بمهمات كثيرة والانتقال الى مراكز خدمتهم البعيدة عن منازلهم. علينا كعسكريين في مؤسسة الشرف والتضحية والوفاء الثبات في وجه هذه العاصفة التي ستزول حتماً، فالخيار الوحيد هو الجيش والحفاظ عليه واجب الجميع بما فيهم المسؤولون. لا تكترثوا للشائعات وحملات التحريض والمقالات المسيئة الساعية إلى أهداف بتنا نعرف خلفياتها. نحن ماضون في القيام بواجباتنا باقتناع ومسؤولية. لا تصدقوا ما يقال عن فرار آلاف العسكريين، فالعدد لا يزال مقبولاً نسبة إلى الوضع وعديد الجيش، كما أن جزءاً لا بأس به من هؤلاء عاد إلى المؤسسة، قناعة منهم بأن الجيش هو الضمانة والخلاص والباقي معهم والوفي لهم طوال حياتهم".

حزب الله: لا استهداف للجيش

وتقول مصادر متابعة ان كلام العماد عون انتشر بقوة لاسيما عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وربط البعض بين ما قاله وبين ما المح اليه السيد صفي الدين، او بالاصح ما قيل انه يستهدف الجيش من دون ان يسميه لاسيما وان المؤسسة العسكرية، اكثر من غيرها من المؤسسات، ترتبط بعلاقة وثيقة وتاريخية مع الولايات المتحدة الاميركية وتحصل على مساعدات منها. وذهب البعض الاخر الى حد تفسير كلام السيد صفي الدين بأنه محاولة لـــ"تطويع" الجيش لسياسات حزب الله الذي لم يعد يحتمل تمايز الجيش وصلاته القوية مع واشنطن في وقت يواجه الحزب الاميركيين على الساحة اللبنانية ويتهمهم بمحاصرة اللبنانين وتجويعهم ومنع المساعدات الخارجية عنهم. حيال هذه التفسيرات وردود الفعل عليها كان حرص من السيد صفي الدين، على حد ما نقل مطلعون عنه، على القول إنه لم يكن يقصد بكلامه الجيش على الإطلاق «خلافاً لما ذهب اليه البعض من أصحاب الاجتهادات المغلوطة». أكثر من ذلك، ومنعاً لأي تأويلات في غير محلها، يجزم العارفون في الحزب بأنّ ما طرحَه رئيس مجلسه التنفيذي لا علاقة له بتاتاً بالاستحقاقات المقبلة ولا يجوز لأحد أن يربطه بأيّ استحقاق، وذلك في إشارة ضمنية الى الانتخابات الرئاسية المقبلة التي قد يكون قائد الجيش العماد جوزف عون احد المعنيين بها ربطاً بالعرف اللبناني. 


ويلفت القريبون من الحزب الى ان علاقته بالمؤسسة العسكرية وقيادتها ممتازة، وهو اساساً صاحب معادلة «الجيش والشعب والمقاومة» في مواجهة العدو الاسرائيلي، فكيف له ان يتطوّع لنسف إحدى ركائز هذه المعادلة، خصوصاً ان الجيش أثبت عبر سلوكه في محطات مفصلية أنه يشكل جزءاً من خطوط الدفاع عن لبنان؟. ويحرص الحزب على الاستمرار في سياسة التعاون والتفاهم مع المؤسسة العسكرية، لا سيما انه يعرف أهمية مردودها الاستراتيجي بالنسبة إلى المقاومة، إضافة إلى أنه يعلم أيضاً ان هناك في الداخل والخارج من لا يستسيغ هذا التعايش المنظّم بين الجانبين ويحاول استغلال اي فرصة لتحريض كل منهما على الآخر، بُغية دق إسفين بينهما واستدراجهما الى نزاع عبثي من شأنه إلحاق الضرر بالمقاومة، وهذا فخ لن يقع فيه الحزب الذي أثبتَ عبر اكثر من تجربة صعبة أنه قادر على تفاديه»، وفق المواكبين لمجريات الأمور على خط اليرزة - الضاحية. ولا تخفي الاوساط القريبة من الحزب انه يتمايَز عن الجيش او يتباين معه أحياناً في مقاربة جزئيات ظرفية، كما جرى على سبيل المثال حيال مسألة إقفال الطرق خلال فترة الاحتجاجات في الشارع، «لكن هذا النوع من الاختلافات الموضعية يُعالج من خلال التواصل المباشر مع المؤسسة العسكرية»، كما تؤكد تلك الاوساط.

في ضوء هذا الشرح بقي السؤال من كان يستهدف صفي الدين برسالته الشديدة اللهجة؟ يوضح العارفون ان «الرشقات التحذيرية» التي أطلقها المسؤول الكبير في الحزب إنما كانت تندرج ضمن إطار «لفت الانتباه الى خطورة النفوذ الأميركي المزمن والمتمدد داخل الادارات الرسمية وصولاً الى الدولة العميقة، متخذاً مظاهر عدة، كان من أحدثها التدخل العلني في التحقيق القضائي المتعلق بقضية انفجار المرفأ». ويعتبر الحزب، بحسب المحيطين به، انه وخلافاً للاتهام الذي يصوّب نحوه، فإن واشنطن هي التي بنت دولة داخل الدولة، مستندة الى امتدادات لها في معظم المجالات. اما مناسبة فتح هذا الملف، فتعود وفق المطلعين، الى إطلاق «حزب الله» معركة كسر الحصار والعقوبات، «واقتناعه بأن هناك ضرورة لتوسيع تلك المعركة في التوقيت المناسب حتى تشمل كل القطاعات المتأثرة بالنفوذ الأميركي، على قاعدة ان لا نهوض كاملاً للبلد ولا تعافياً تاماً له ما لم يُرفع عنه ضغط الولايات المتحدة الذي يتخذ تارة شكل الترغيب وطوراً شكل الترهيب»، تِبعاً للمقاربة المعتمدة من قبل الحزب.


قائد الجيش العماد جوزف عون يتحدث الى الضباط في اليرزة.

قائد الجيش العماد جوزف عون يتحدث الى الضباط في اليرزة.