تفاصيل الخبر

زيارة عبد اللهيان الى بيروت سياسية بامتياز من دون إغفال الرغبة في المساعدة كهربائياً وانمائياً....

13/10/2021
الوزير حسين أمير عبد اللهيان مع الرئيس نبيه بري.

الوزير حسين أمير عبد اللهيان مع الرئيس نبيه بري.


 لم تكن مصادفة أن تتزامن زيارة وزير خارجية الجمهورية الاسلامية الإيرانية حسين أمير عبد اللهيان الى بيروت، مع وصول الدفعة الثانية من المازوت الإيراني المرسل الى لبنان بمبادرة من حزب الله لتوفير المحروفات "وفك الحصار" عن اللبنانيين، كما تقول قيادة الحزب في تبرير الخطوة التي اقدمت عليها باستقدام بواخر تحمل نفطاً ايرانياً ترسو في مرفأ طرطوس السوري وتنقل حمولتها الى الاراضي اللبنانية عبر صهاريج تدخل من خلال معابر غير شرعية ومن دون ان تدفع الرسوم المحددة في القوانين اللبنانية، ثم تتوالى شركة "الأمانة" التي تفرض عليها عقوبات اميركية، توزيعها على المستشفيات والأفران ومولدات الكهرباء الخاصة وغيرها، وفق آلية أعدها الحزب ونفذتها ماكينته بدقة وشملت مناطق لبنانية متعددة تسلمت المازوت بــ"اسعار الكلفة" فيما مناطق أخرى تنتظر وفق الجدول المحدد وصول الشحنات الى طرطوس ومنها الى لبنان. لقد واكبت الأوساط السياسية والدبلوماسية زيارة الوزير عبد اللهيان بكثير من الدقة، واهتمت خصوصاً لمعرفة مضمون المحادثات التي أجراها مع المسؤولين اللبنانيين وتوجها بلقاء مع الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وانهاها بمؤتمر صحافي تحدث فيه عن مضمون محادثاته مورداً ادق التفاصيل التي اثارها مع المسؤولين اللبنانيين، مثله مثل معظم الوفود العربية والاجنبية التي زارت لبنان بعد تشكيل الحكومة الجديدة لاستقراء المرحلة المقبلة، ومعرفة ما تعد حكومة الرئيس نجيب ميقاتي من مشاريع واستشراف ما يمكن ان تقدمه هذه الدول من مساهمات في مرحلة تنفيذ خطة النهوض والتعافي،  بل اكثر ما يمكن ان يكون لها من دور في المشاريع الانمائية المتوقعة، لاسيما في ما يتعلق بقطاع الكهرباء واعادة تأهيل مرفأ بيروت بعد انفجار 4 آب (اغسطس) المروع.

قد يكون البعض رأى في زيارة عبد اللهيان "تكريساً للوصاية الايرانية" على لبنان، فيما اعتبرها البعض الاخر زيارة طبيعية من دولة مهتمة بالشأن اللبناني ولها في القواعد الشعبية اللبنانية، مؤيدين داعمين ومرحبين لكن الوقائع التي ظهرت خلال الزيارة والمواضيع التي طرحت فيها والمعطيات التي برزت خلال المحادثات لم تظهر في الواقع ان الضيف الايراني جاء ليؤكد "وصايته" على لبنان، ولا لـــ"تعزيز الهيمنة الايرانية" على بلاد الارز لأن مثل هذه التوصيفات التي ترددت على ألسنة سياسيين واعلاميين فيها الكثير من المبالغة بالنظر الى موقع ايران في المنطقة من جهة، وسياق العلاقات بين دولة واخرى، لاسيما وان وزير خارجية ايران ليس الوحيد الذي خصص  لبنان بزيارة في سياق جولة له في المنطقة شملت ايضاً سوريا، ذلك ان وزراء عدة تناوبوا في الاسبوعين الماضيين على زيارة بيروت وابدوا استعداد دولهم للمساهمة في عملية اعادة اعمار المرفأ وتحسين وضع الكهرباء وغيرها من المشاريع التي يتوقع ان تطلقها الحكومة اللبنانية في المرحلة المقبلة. وهذا الاهتمام الذي ابداه الوزير الايراني، ينطبق على كل من فرنسا والمانيا والولايات المتحدة الاميركية وجمهورية مصر العربية وبالتالي هل ما يسري على بقية الدول لا يسري على طهران مثلاً؟

عروض كهربائية وانمائية 

في اي حال زيارة عبد اللهيان الى بيروت يراها بعض الديبلوماسيين تكريساً لرغبة ايران بوجود علاقة مميزة مع لبنان، لاسيما وانها من الدول التي ترى في لبنان مدخلاً اقليمياً اسوة بغيرها من الدول. وحرص الزائر الايراني على اظهار الكثير من الود للمسؤولين اللبنانيين ولاسيما لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي قال انه "لعب دوراً مهماً في تاريخ لبنان المعاصر" وانه "موضع احترام القيادة الايرانية" لكن الامر لم يقتصر على عبارات الود التي يكثر الايرانيون من استعمالها في لقاءاتهم الرسمية، اذ حمل عبد اللهيان عروضاً وصفها بأنها "جدية" للبنان بانشاء معملين لتوليد الكهرباء خلال 18 شهرا ، واحد في بيروت، وآخر في الجنوب، من دون ان يفوته التذكير بزيارته الى لبنان قبل سبع سنوات كمساعد لوزير الخارجية، يوم عرض على رئيس الحكومة آنذاك نجيب ميقاتي تقديم الدعم بأن تبني شركة "مبنى" الإيرانية مصنعين لتوليد الكهرباء بقوة 2000 ميغاواط، وهذه الشركة الايرانية المعروفة تعادل شركة "سيمنز" الإلمانية حسب قوله، ولكن الاقتراح سقط يومها. وللمفارقة فقد عاد كوزير للخارجية فيما ميقاتي رئيساً للحكومة مجدداً، فهل سيكون لدى الحكومة جرأة التعاطي بجدية مع العرض الايراني ام ستقيّد نفسها بالعقوبات المفروضة على ايران؟ والى الكهرباء جدد الضيف الايراني عرض المساعدة في مجالات إقتصادية - إنمائية، وقال للمسؤولين صراحة: "بإمكانكم أن تتكلوا على إيران لتحقيق هدفكم بمعالجة الكهرباء". وخلال جولاته على المسؤولين حرص وزير الخارجية الايراني على التأكيد على عمق العلاقة مع لبنان وابداء الاستعداد للمساعدة في شتى الميادين. 

ولكن بعيداً من الشق المتعلق بالمساعدات التي عرضها على اهميتها، فللزيارة شق سياسي مرتبط بالتحولات التي تشهدها المنطقة والعلاقة الاميركية الايرانية. وكأن الزائر الديبلوماسي جاء حاملاً تطمينات الى مستقبل المنطقة ربطاً بملف مفاوضاته النووية مع الاميركيين، ولقاءاته مع السعوديين، وتغير المناخ العربي والدولي تجاه سوريا.

ولم تقتصر مشاوراته على الشأن اللبناني الداخلي بل وضع من التقاهم في اجواء المراحل التي قطعتها بلاده على مستوى اكثر من ملف خارجي. ونقلاً عن مصادر ديبلوماسية واكبته في جولاته فقد كشف عبد اللهيان في ما يتعلق بملف المفاوضات السعودية - الإيرانية أن هذه المفاوضات جرت على اربع مراحل: الجانب المخابراتي - الأمني والجانب السياسي - الأمني، متحدثاً عن أجواء إيجابية وبناءة وان بلاده توصلت مع السعوديين الى اتفاقات جيدة للغاية في بعض المجالات تظهر الرغبة من البلدين بعودة العلاقة الى طبيعتها ولذا تحدث عن مقدّمات وُضعت يتم السير على اساسها لتعود العلاقات الطبيعية، مبدياً تفاؤل بلاده بالنتائج واستعدادها لإنجاح الاتصالات لكن السعودية، وفق ما قال، ولاعتبارات خاصة بها تتريث حتى تنجز بعض الخطوات قبل أن تُعيد العلاقات معنا".


أما عن المفاوضات مع أميركا فكشف عبد اللهيان عن انه وخلال الزيارة التي قام بها الى الولايات المتحدة الأميركية قبل أسبوعين، اجتمع خلالها مع عدد من وزراء خارجية أوروبا، وكان اللافت أن بعضهم اعترض على سياسة تصنيف "حزب الله" بالإرهابي واعتبروا أن مثل هذا التصنيف لا يدخل في صلب إرادة أوروبا بل قوة اللوبي الصهيوني. وتحدث عبد اللهيان عن سعي عدد من المسؤولين الاميركيين للاجتماع به خلال وجوده في نيويورك، لكن لم يلتق أياً منهم بل اجتمع بأشخاص كانوا مسؤولين في الإدارة الأميركية سابقاً في إطار لقاءات ذات طابع حزبي، وتركز البحث حول الملف النووي السلمي الإيراني والملف الأفغاني. شارحاً كيف ان الاميركيين الذين يدركون تأثير إيران في أفغانستان التي تستضيف أكثر من 4 ملايين لاجئ أفغاني، يشعرون بالفشل في أفغانستان وينتقدون تعاطي المبعوث الأميركي الخاص زلماي خليل زاده الذي يدّعي السيطرة على الملف.


كما أكد رئيس الديبلوماسية الايرانية ان بلاده ستعود الى المفاوضات النووية قريباً ولكن ليس قبل أن تحصل صراحةً على تعهد بالتزام جميع الأطراف بالإتفاق خصوصاً الدول الأوروبية المعنيّة.

لبنان.... مستمع ولا موقف

والسؤال الذي حرصت المراجع الديبلوماسية على معرفة الاجابة عنه تمحور حول الرد اللبناني على العروض الايرانية الكهربائية والانمائية ومنها "مترو" الانفاق، والجواب كان دائماً في الاستماع الى الطروحات الايرانية من دون وعود بالتجاوب معها ولا الافصاح عن رفضها وذلك للاعتبارات المعروفة، على رغم ان الوزير الايراني حرص على الاشارة بوضوح الى ان زيارته الى بيروت اندرجت في سياق جولة شملت روسيا وسوريا، وذلك للتدليل على المكانة التي يحتلها لبنان في التفكير الاستراتيجي الايراني وأهميته في المجال الحيوي الايراني على المستويين السياسي والامني، فضلاً عن ان الزيارة الى بيروت ومن ثم دمشق بعد زيارة الى بغداد في آب (اغسطس) الماضي تؤكد على الاهمية المتساوية للبلدين بالنسبة الى الجمهورية الاسلامية الايرانية. وفضلاً عن ذلك، اعتبرت الزيارة، رسالة ايرانية إلى الخارج، مغزاها بأن الصراع مع إسرائيل لا يزال يحتل صدارة الأولويات لدى طهران، بعد أن طغى الملف النووي على جدول أعمال الحكومة السابقة. وعزز ذلك اللقاء الذي جمع عبد اللهيان والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرلله. كما اتت الزيارة بعد الخطوة الأولى في عملية كسر الحصار، والتي تمثلت باستقدام بواخر المحروقات الإيرانية للتخفيف من الأزمة على رغم كل التهديدات الخارجية، لتؤكد بأن الجمهورية الإسلامية جاهزة لمزيد من الإجراءات التي تساعد في كسر الحصار، ودعم حزب الله في مواجهته للحرب الاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة ضد لبنان، ويمكنها أن تكون حاضرة وشريكة في مجالات أبعد بكثير من مجرد نقل المحروقات. وهو ما أشار إليه الزائر الإيراني بوضوح عندما أكد أن بلاده على استعداد لتأمين حاجات لبنان من الأدوية والأغذية والمستحضرات الطبية وللتعاون في المجالات كافة، لافتاً الى "ان دول المنطقة وشعوبها لن تسمح للولايات المتحدة ان تنجح في حربها الاقتصادية وحصارها على لبنان، ونأمل من خلال الانفتاح الاقليمي بكسر الحصار الذي يستهدفنا جميعا".

في اي حال زيارة الوزير عبد اللهيان سوف تفتح الباب لزيارات من مسؤولين في دول اخرى كي لا تبدو ايران وحدها مهتمة بلبنان وبمسيرة اعادة الاعمار فيه، ما يضع لبنان امام خيارات متنوعة عليه ان يختار منها ما يناسبه ويحميه من المضاعفات التي لا يزال المجتمع الدولي يلوح بها على قاعدة "العصا والجزرة"!.

في ضيافة السيد حسن نصر الله.

في ضيافة السيد حسن نصر الله.

مع الرئيس نجيب ميقاتي.

مع الرئيس نجيب ميقاتي.