تفاصيل الخبر

الرئيس ميشال عون يترأس الاجتماع الاقتصادي والمالي والقضائي والأمني في القصر الجمهوري.
الرئيس ميشال عون يترأس الاجتماع الاقتصادي والمالي والقضائي والأمني في القصر الجمهوري.
17/03/2021

اجتماع بعبدا الاقتصادي والأمني والمالي كرس "اعتكاف" الحكومة كلها... وليس رئيسها فقط!

صحيح أن رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب هدد بالاعتكاف والتوقف عن ممارسة الحد الأدنى من تصريف الأعمال كما ينص عليه الدستور، لكن الصحيح ايضاً أن الحكومة المستقيلة هي عملياً في مرحلة الاعتكاف غير المعلن لأنها وسط الازمات، تقف عاجزة بشكل كامل عن اتخاذ اي اجراء او خطوة عملية لحل الازمات الاقتصادية والاجتماعية التي تفاقمت مؤخراً بشكل دراماتيكي بشكل يفوق التصور، وحجة تصريف الاعمال التي تتذرع بها لم تعد مقنعة ولا هي مقبولة اساساً. لقد بدا بوضوح ان حكومة الاختصاصيين التي وصفها رئيسها بأنها حكومة مواجهة التحديات، لم تتمكن عملياً من تسجيل انجازات تخفف من التحديات التي تواجه البلاد. ويرى المراقبون ان انتقال الرئيس دياب من موقـــع رئيس الحكومــة الى مـــوقع "الشاكي والباكي" على الوضع السياسي الراهن،  يؤكد مرة جديدة ان تهديده بــ "الاعتكاف" لن يقدم جديداً.

 الذين تابعوا وقائع الاجتماع الاقتصادي والمالي والقضائي والأمني الذي عقد في قصر بعبدا في بداية الاسبوع الماضي، لاحظوا بوضوح مدى العجز الذي أصاب الحاضرين من وزراء وقادة أمنيين وقضاة، بدليل ان القرارات التي صدرت عملياً بقيت من دون تنفيذ بدليل استمرار ارتفاع سعر الدولار قياساً الى الليرة اللبنانية، وإن كانت الطرق المقفلة فتحت بعد 48 ساعة على انتهاء الاجتماع وليس "فوراً" كما "قرر" المجتمعون. ويضيف هؤلاء المتابعون ان ثمة من يعمل على ابراز "عجز" الحكومة أكثر فأكثر، بدليل ان قرارتها لا تبقى بلا تنفيذ فحسب، بل يعمل على عكسها كما ظهر من أداء بعض الادارات والاجهزة بعد اجتماع بعبدا وان كانت القرارات التي صدرت عنه هي "ألف باء" لأي معالجة ممكنة للأزمات المتلاحقة. 

 وبقيت مداخلات عدد من المسؤولين الحاضرين دون مستوى الاحداث الخطيرة التي كانت تعصف بالبلاد يومها من قطع للطرق الدولية وتجمعات شعبية، وارتفاع سعر الدولار والنقصان في المواد الغذائية وتهافت الناس على المتاجر والمحلات بحثاً عن "المواد المدعومة" التي لم تعد موجودة إلا في بيانات وزير الاقتصاد راوول نعمة الذي عوض ان يقدم في اجتماع بعبدا اقتراحات لحلول عملية، بدا وهو يرثي الدولة وقدراتها ليرفع منسوب اليأس عند المواطنين. ولعل ابرز ما تمخض عنه اجتماع بعبدا، غير الكلام المهم الذي قاله رئيس الجمهورية العماد ميشال عون عن خطورة الموقف وحتمية الوصول الى حلول عملية، كان ضرورة الوصول الى حل سياسي لأنه المدخل لاي حلول اخرى، وهو تشكيل حكومة جديدة تواجه ما يجري بمواقف اكثر جدية من تلك التي اعتمدتها حكومة دياب. والخيار السياسي الذي التقى اكثر من مسؤول خلال الاجتماع على ضرورة التأكيد عليه، تجاهله الاجتماع الموسع ولم يرد الا في سطر واحد من البيان المسهب الذي صدر عن الاجتماع وبدا مثل "البلاغ رقم 1"!.

موقف سياسي....

حيال هذا الوضع شبه الميؤوس منه حكومياً، يبقى السؤال في نظر المراقبين لماذا يهدد الرئيس دياب بالاعتكاف، وهو يعرف اصلاً ان حكومته "معتكفة" عملياً عن اتخاذ القرارات التنفيذية، او هي قاصرة عن تحقيقها في حال اتخاذها لأن الأجهزة المعنية بالتنفيذ اما عاجزة عملياً او مقصرة او .. بكل بساطة، غير راغبة في مواجهة احد خلال فترة الضياع الذي تعيشه البلاد، والدليل القاطع كان بقاء قرارات اجتماع بعبدا حبراً على ورق وصورة باهتة على شاشات التلفزيون؟. يجيب مراقبون ان موقف دياب لا يمكن فصله عما يريده رؤساء الحكومة السابقون من جهة وارضاء للرئيس المكلف سعد الحريري الذي يخوض مواجهة مفتوحة مع رئيس الجمهورية في معركة التأليف، فالرئيس المستقيل يتماهى الى حد كبير مع رؤساء الحكومة لحماية الموقع السني في السراي من جهة ووفاء او رد جميل من رئيس حكومة تصريف الاعمال الى الرئيس الحريري بعد وقوفه الى جانب دياب في معركة الصلاحيات التي شنت عليه اكثر من مرة من بعبدا وبعد الاستدعاء الذي وجه اليه مع الوزراء السابقين من قبل المحقق العدلي السابق فادي صوان. 

 قد يكون موقف الرئيس المستقيل حسان دياب في اطار الدفاع عن الحكومة التي لم تسلم منذ تأليفها من الهجومات على ادائها قبل ان تعصف بها الازمات وتصيبها بقوة بعد انتفاضة 17 تشرين. فالحكومة المستقيلة انهكتها النيران الصديقة والعدوة فتعرضت اولاً لحصار من اهل البيت بمقاطعة سنية لرئيس الحكومة استمرت أشهراً طويلة لم تنته الا بعد ادعاء المحقق العدلي على الرئيس دياب وطلب الاستماع الى افادته في قضية المرفأ، كما تم رمي الازمات جميعها في اتجاهها مع توجه لتحميلها تبعات الانهيار والافلاس والازمة المالية الحادة في ظل المخاوف بأن يتم رمي الفلتان الاجتماعي والفوضى عليها مما دفع دياب كما تقول مصادر سياسية الى قلب الطاولة في وجه الجميع لحماية نفسه اولاً والحكومة من تبعات النزول الى جهنم من جهة، وفي اتجاهات اخرى ولعدة اهداف ايضاً.

....ومخالف للدستور

  إلا أن الموقف السياسي، في اي اتجاه ذهب، ولو انه قاله ضد قناعاته، يبقى موقفاً مخالفاً للدستور على حد ما اكد خبراء القانون واهل الدستور في اكثر من اتجاه، مع العلم بأن الاعتكاف ليس موجهـــاً فقط لرئيس الدولـــة بدرجـــة اولى، بل كذلك الـــى مجلس النواب الذي "تقاعس" هو ايضاً عن القيام بواجبه من خلال اقرار مشاريع قوانين احالتها الحكومة، وتجاهله حتى عن درس اقتراحات قدمها نواب كانت ترى فيها الحكومة عوامل ايجابية لاخراج البلاد من حالة الجمود التي تعيشها. وفي رأي مرجع قانوني ان الاعتكاف خلال العمل الحكومي خرق للدستور، والاعتكاف خلال فترة تصريف الاعمال خرق للاخلاق. لذلك فإن ثمة اجماعاً على ان كلام الرئيس دياب عن الاعتكاف هو كلام سياسي قبل ان يكون دستورياً وهو وجداني له علاقة بالناس وبمطالبها ومشاعرها. ويضيف الحقوقيون انه لا يوجد اي شيء بالدستور اسمه اعتكاف، وعندما تصبح الحكومة مستقيلة تصبح حكومة تصريف الاعمال فقط لا غير، واذا كان الاعتكاف سيؤدي الى وقف تصريف الاعمال فنحن سنذهب الى تعطيل للامور وعرقلة لشؤون الناس والمواطن. في عام 1994 اعتكف رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري عن ممارسة مهامه، وان هناك فرقاً بين وزير معتكف ورئيس للحكومة معتكف. وكان الوزير السابق زياد بارود اعتكف عن ممارسة مهامه كوزير للداخلية في ايار عام 2011 بعدما اعلن استقالته من الحكومة المستقيلة آنذاك واعتكافه عن تصريف الاعمال على خلفية ما سماه حينها "البقاء في موقع شاهد الزور، والاشمئزاز من مشهد انحلال الدولة" الذي ظهر في مبنى وزارة الاتصالات، وما قال انه انتهاك دستوري يسقط صلاحية الوزير بسبب عدم امتثال المدير العام لتوجيهات الوزير وتعليماته. 

 وللتذكير، فإن خطوة الاعتكاف تعود الى ما قبل الطائف، وكان اول من اقدم عليها رئيس الحكومة الشهيد رشيد كرامي بعد احداث عام 1969 عقب المواجهات المسلحة التي حصلت بين الجيش والقوى الامنية والتنظيمات الفلسطينية، حيث اعتكف عن العمل الحكومي حتى انتهاء الازمة وتوقيع "اتفاق القاهرة".