تفاصيل الخبر

لا مفاوضات جدية قبل توحيد أرقام الخسائر ولا قرار نهائياً لصندوق النقد قبل الانتخابات النيابية!

05/10/2021
لقاء رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مع فريق "لازارد".

لقاء رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مع فريق "لازارد".


 اذا كانت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي نجحت بالتعاون مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في تعيين اللجنة الوزارية التي ستتولى التفاوض مع صندوق النقد الدولي، خلال مهلة قياسية لم تتجاوز الاسبوع الواحد، واعطيت اللجنة حق التعاون مع خبراء في المجال، وانضمام وزراء اليها لدى مناقشة القطاعات المعنية بهم، الا ان ذلك لا يعني  بالضرورة ان عملية التفاوض مع الصندوق ستكون "مسهلة" كما كانت عملية تشكيل اللجنة لأن دون ذلك الطموح الكثير من العقبات التي يقتضي تذليلها لعدم تكرار ما حصل مع الصندوق خلال ولاية حكومة الرئيس حسان دياب وما نتج عن ذلك من مضاعفات "زعزعت" ثقة ادارة الصندوق بالدولة اللبنانية وبرغبتها الجدية في تحقيق الاصلاحات التي يشترط المجتمع الدولي حصولها في النظام الاقتصادي اللبناني كي يساهم الصندوق اولاً، ثم الدول المانحة ثانياً من انهاض الوضع الاقتصادي ومحاولة اخراج لبنان تدريجياً من حالة الانهيار الذي وصل اليه وان كان الارتطام لم يحصل بعد...

ويرى متابعون ان الدولة اللبنانية ارسلت من خلال تشكيل الحكومة بسرعة لجنة التفاوض التي يرأسها نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي وتضم في عضويتها كل من وزير المال يوسف الخليل ووزير الاقتصاد والتجارة امين سلام وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة وعدد من الخبراء، اشعاراً ايجابياً الى ادارة صندوق النقد الدولي لاظهار النيات الجدية في تغيير السلوك ومنهجية العمل قبيل استئناف جولات التفاوض الجديدة التي لن تحصل عملياً قبل ثلاثة اشهر والتي لن تقتصر على الاتفاق على برنامج تمويلي فحسب، انما توخياً للبناء على استجابة المؤسسة المالية الدولية لاعادة بناء جسور التعاملات والثقة مع الدول والمؤسسات التي أبدت استعدادات مشروطة للمساهمة في اخراج البلاد من قعر الازمات المتراكمة منذ سنتين. لقد بدا واضحاً خلال الاجتماع التمهيدي الذي عقد في قصر بعبدا قبيل جلسة مجلس الوزراء التي انبثقت عنها لجنة التفاوض، الاصرار على توفير كل مقتضيات استكمال المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والتحضيرات اللازمة لذلك بما يشمل التوافق المستبق على مجموعة قرارات تنفيذية ستتخذ لمشاركة مسؤولي القطاع المالي في اعادة صوغ خطة التعافي التي طرحتها الحكومة، السابقة على ادارة الصندوق، والتي ستعتمد كأساس تتم ادخال تعديلات عليه و... الارقام لتتناسب مع التطورات المالية التي حصلت منذ تاريخ انجاز خطة التعافي حتى اليوم. وفي تقدير هؤلاء المتابعين للملف ان احراز تقدم نوعي في ادارة المهمة وامكانية نجاحها، سيكون مرهوناً بعدة عوامل متداخلة اولها السرعة من دون التسرع في اتمام التحضيرات وبدء المفاوضات مع فريق الموظفين في الصندوق خلال ثلاثة اسابيع او شهر على الاكثر، وثانيها وجود تغطية سياسية واسعة تؤكد استجابة السلطتين التنفيذية والتشريعية في مواكبة البنود الاساسية التي يجري الاتفاق على الشروع في تنفيذها، وثالثها التثبت من اولوية التدقيق والمساءلة في الانفاق بدءاً بمعالجة ازمة الكهرباء التي استهلكت ملايين الدولارات من دون الوصول الى نتيجة تعيد التيار تدريجياً الى البلاد.

اتفاق على الإسراع بين عون وميقاتي

لقد توافق الرئيس ميقاتي مع الرئيس عون، وقبله مع الرئيس نبيه بري، على أن يتابع شخصياً الإشراف السياسي على الملف نظراً لحساسيته البالغة في ضوء التجربة التي خاضتها الحكومة السابقة عبر 17 جولة مفاوضات رسمية لم تحقق اي تقدم يذكر، وستكون رئاسة الفريق التقني الى نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي للاستفادة من امكانية تفرغه لهذه المهمة وكونه عايش من خلال وظيفته السابقة في الصندوق، المناخات التي يعمل الصندوق في هديها، على ان يكون التنسيق مباشراً مع لجنة المال والموازنة النيابية التي يرأسها النائب ابراهيم كنعان، وجمعية المصارف بغية توحيد الرؤى وارقام الخسائر وضمان اظهار روحية الفريق الواحد. ويقول احد المسؤولين المتابعين لعمل الصندوق، انه يقتضي التخلي عن اللعبة اللبنانية المعهودة في توصيف المعالجات ثم التنصل من موجباتها على منوال تكرار التهرب من الالتزامات الاصلاحية المقابلة في اربعة مؤتمرات دولية سابقة خصت لبنان بمنح ومساعدات وقروض بمليارات الدولارات، كما الخروج من حال الانكار التي أدت الى انفاق اكثر من 10 مليارات دولار من احتياطي العملات الصعبة على خيارات لم تصل ثلث مبالغها الى المستهدفين مثل الدعم الذي اقرته الحكومة السابقة للمحروقات التي تم تهريبها الى سوريا، وكذلك الادوية والمواد الغذائية والسلع الضرورية.... وفي تقدير المسؤول المالي المتابع لعمل الصندوق ان على الجانب اللبناني ألا "يتذاكى" في حرف تركيز ادارة الصندوق وخبرائه عن مسارات الاولويات المحددة بوضوح تام من قبلهم، والتي وردت في ورقة العمل التي رفعتها المديرة العامة للصندوق كريستالينا غورغيفا، قبل اقل من شهرين، الى مؤتمر باريس الدولي لدعم بيروت والشعب اللبناني الذي حشد له الرئيس الفرنسي مشاركة واسعة من المانحين العرب والدوليين.

وينوه المسؤول المالي بإن إدارة الصندوق تكرر تأكيداتها ومن دون اي مواربة، بأن الالتزام بجدول الاصلاحات سيحرر مليارات الدولارات لمصلحة الشعب اللبناني. وهذه هي اللحظة التي يتعين فيها على صناع السياسات اللبنانيين ان يقوموا بتحرك حاسم للحصول على مساعدة الصندوق والمانحين من المجتمع الدولي. وفي الاولويات، يتعين استعادة ملاءة الموارد العامة وصلابة النظام المالي، مرفقاً بالتحذير بأنه ان لم يكن الدين العام مستداماً، فسوف يرزح الجيل الحالي والاجيال القادمة من اللبنانيين تحت وطأة مزيد من الديون تفوق قدرتهم على السداد. وهذا ما يجعل الصندوق يطالب باستدامة الديون كأحد شروط الاقراض، مما يعني اهمية المسارعة الى اجراء مفاوضات موازية مع الدائنين المحللين والخارجيين، وبالاضافة الى ذلك، ينبغي ان يتسم النظام المالي بالملاءة، فالذين سبق واستفادوا من العائدات المفرطة في السابق يجب ان يتشاركوا اعباء اعادة رسملة البنوك لضمان حماية مدخرات الغالبية العظمى من المودعين اللبنانيين العاديين. وينبغي، بحسب ورقة العمل، وضع ضمانات وقائية مؤقتة لتجنب استمرار خروج رؤوس الاموال الذي يمكن ان يزيد من ضعف النظام المالي خلال فترة ترسخ الاصلاحات المطلوبة. وذلك يشمل اقرار مشروع قانون ضوابط رأس المال في النظام المالي (الكابيتال كونترول) والغاء نظام سعر الصرف المتعدد القائم حالياً مما يساعد على حماية الاحتياطات الدولية في لبنان مع الحد من مساعي التربح والفساد. وايضاً قمة حاجة لخطوات صريحة لتخفيض الخسائر طويلة الامد في كثير من المؤسسات العامة، كما ينبغي وجود درجة اكبر من قابلية التنبؤ، والشفافية، والمساءلة واجراء تدقيق شامل في المؤسسات المفصلية ومنها المصرف المركزي، فضلاً عن إرساء شبكة موسعة للأمان الاجتماعي من اجل حماية فئات الشعب اللبناني الأكثر هشاشة.

ثلاثة أسابيع غير كافية

وتقول مصادر حكومية إن الرئيس ميقاتي أعطى نفسه ولجنة التفاوض ثلاثة أسابيع لتقديم ورقة موحدة بصياغة ملائمة للتفاوض مع صندوق النقد الدولي. ولعل ما يوجب هذه المهلة القصيرة، هو أن الصندوق نفسه لا ينخرط في مفاوضات مع اي دولة خلال فترة قريبة من الاستحقاقات السياسية، وبالتالي فإن إعداد الخطة والاتفاق على الارقام والمقاربات الموحدة بأن شرطاً لبدء المفاوضات معه خلال الشهر الجاري كحد اقصى عندها سيكون ممكناً الاتفاق مع الصندوق خلال فترة وجيزة تبدأ نتائجها بالظهور مطلع السنة المقبلة، قبل الانتخابات النيابية اذا ما تمت في نهاية آذار (مارس) 2022، علماً بأن مصادر في ادارة صندوق النقد تستبعد بروز اي نتائج في وقت قريب. لا بل ترى انه سيكون من الصعب خلال فترة اشهر قليلة إعداد الاطار الذي يسمح بالتوافق على برنامج عمل بين الصندوق والحكومة اللبنانية.

وفي المعلومات أنه خلال الاجتماع الذي عقد مع فريق المستشار المالي "لازارد" الذي طلب منه بدء العمل على تحديث الارقام والمعطيات وادخال المعطيات الجديدة عن سعر الصرف والاحتياطات بالعملات الاجنبية وتضخم الاسعار والناتج المحلي، وارقام الدين العام وسواها من المؤشرات في نموذج رياضي اعد ايام حكومة حسان دياب بهدف تحديد الخسائر والنتائج المتوقعة من فرضيات مختلفة. مهمة "لازارد" ستكون تقنية الى حد كبير، بينما يبقى على عاتق اللجنة الاتفاق على قواعد العمل وبناء الفرضيات وتدبيجها مع معايير صندوق النقد الدولي. وترى مصادر مالية ان الاتفاق على تحديد الخسائر وعلى توحيد مقاربة توزيعها، ليس مسألة عابرة في الصراع حول تحديد قيمة الخسائر في مصرف لبنان والمصارف، ثم توزيعها او اطفائها.


 نصائح فريق "لازارد"

لذلك شدد فريق "لازارد" خلال اجتماع عقد في قصر بعبدا مع الرئيس عون على اهمية حصول تعاون مع حاكم مصرف لبنان وسائر الافرقاء المعنيين للوصول الى موقف موحد لانه من غير الجائز حصول انقسام حول هذه المسألة الحساسة، والوعود والكلام "اللطيف" لا يكفي للوصول الى اتفاق. وفي قناعة فريق "لازارد" التي ابلغت الى الرئيسين عون وميقاتي ان الطموح مشروع، لكن المهم هو التعاطي بواقعية في العمل مع فريق صندوق النقد الدولي خصوصاً ان استحقاق الانتخابات النيابية يجعل الوقت ضيقاً علماً ان اسلوب الصندوق في التفاوض "معقد" وسيكون من الصعب الوصول الى قرار من مجلس ادارة الصندوق في شأن حجم الدعم المالي الذي سيقدم الى لبنان، قبل الانتخابات النيابية وبالتالي سيكون على لبنان الانتظار الى ما بعد الانتخابات لمعرفة توجهات الحكومة الجديدة التي يفترض ان تشكل وما اذا كانت ستتبنى القرارات نفسها التي ستصدر عن الحكومة الحالية. ويرى فريق "لازارد" ان الامل الوحيد هو الوصول الى اتفاق مع فريق العمل المفاوض قبل الوصول الى مجلس ادارة الصندوق مع العلم ان فريق العمل المؤلف عادة من موظفين وخبراء في الصندوق غالباً ما يكون "متوتراً وصعباً" في التفاوض عندما يقترب من اي استحقاق انتخابي في بلد ما لانه لا يعرف ما اذا كان الفريق الذي سيفاوضه سيكون هو نفسه او يتغير. لذلك، يرى فريق "لازارد" ضرورة الوصول الى "تفاهم سريع" مع فريق العمل قبل الوصول الى قرار مجلس ادارة الصندوق، وهذا يفترض اقتراح برنامج متكامل يتضمن تصحيحاً للموازنة والاصلاحات المطلوبة وتناغماً في سعر صرف الدولار، اضافة الى تناول النظام المصرفي اللبناني لاعادة تكوينه. ويعتبر فريق "لازارد" انه من المهم التوافق على "الاعتراف" بالخسائر والجهات التي ستتحملها، هل الفقراء وحدهم او الاغنياء مع الفقراء وهذا قرار على الحكومة ان تتخذه وتبلغه الى لجنة التفاوض. وتوقف فريق "لازارد" عند اعلان الرئيس ميقاتي في مقابلة تلفزيونية انه سيكون بامكان اصحاب الودائع بين 50 و و70 الف دولار استرداد ودائعهم بالكامل من دون "هيركات" متسائلاً ما اذا كانت هذه الارقام نهائية ام مجرد اقتراح للنقاش. ويشدد فريق "لازارد" على اهمية دعم رئيس الجمهورية والحكومة للوصول الى المعلومات بشفافية والتعاون مع الجميع، علماً ان الوعود المعطاة لهذا الفريق كثيرة، لكن التزام هذه الوعود هو الاساس!.

في اي حال، يبقى التوافق على رقم الخسائر هو الاساس في رأي الخبراء الماليين، للتفاوض انطلاقاً منه مع صندوق النقد الدولي لاسيما وانه خلال فترة التفاوض السابقة لم يكن هناك اتفاق على الارقام بين مصرف لبنان والحكومة وجمعية المصارف ومجلس النواب، فهل سيعتمد رقم خطة التعافي المالي اي 240 الف مليار ليرة، مع العلم ان هذا التقييم يؤدي الى تحميل المصارف الجزء الاكبر من الخسائر، وسيضطر مصرف لبنان الى الغاء ديونه مع الحكومة والقطاع المصرفي، وكما هو معلوم ليس لدى المصارف النية لتحمل هذا الحجم من الخسائر، فهل ستعتمد نظرة القطاع المصرفي التي تقلص الخسائر وفق اجراءات دفترية بحت وتوزعها على فترات زمنية طويلة؟

تقديرات لجنة تقصي الحقائق بالبرلمان التي اعترضت على الرقم في الخطة فهي 82 الف مليار ليرة وبعض وسائل الاعلام ذكرت 104 الاف مليار ليرة، فكان الاجماع السياسي لاعتماد رؤية القطاع المصرفي بتقليل الخسائر وتوزيعها على فترة اطول وهو ما يعارضه صندوق النقد الدولي.

وفي هذا الاطار اشارت مصادر شديدة الاطلاع ان استئناف المفاوضات سيكون وفق رقم الخطة، لأن صندوق النقد لن يقبل بالطرح الثاني، الذي اعتبرته المصادر "سخيفاً" ولفتت الى ان الخلاف كان مفتعلاً وغير دقيق، هدفه عدم متابعة الخطة وايقاف التحقيق الجنائي، في ما صندوق النقد يريد تحقيقاً جنائياً شاملاً!.