تفاصيل الخبر

"شهية" الوزراء على المشاركة في اللجان هل تترك لهم وقتاً للعمل في وزاراتهم؟!

05/10/2021
جلسة الحكومة الأولى بعد نيل الثقة.

جلسة الحكومة الأولى بعد نيل الثقة.


 إذا كان المثل الشائع يقول "المكتوب يقرأ من عنوانه"، فإن الجلسة الأولى لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي بعد نيلها ثقة مجلس النواب والتي انعقدت في بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، اظهرت أن لبنان أمام حكومة أريد لها أن تكون "حكومة اختصاصيين" فاذا بها تضم عدداً من الاختصاصيين المسيسين الذين يريدون ان يلعبوا دوراً سياسياً وليس فقط عملاً اختصاصيين، وعدد هؤلاء في حكومة الـــ 24 وزيراً ليس بقليل، في حين ان هناك مجموعة اخرى من الوزراء الذين تنطبق عليهم صفة "الاختصاص". صحيح ان الجلسة لم تشهد جدالات سياسية حادة، ولا نقاش حول مواضيع سياسية، الا انه بدا من خلال مناقشة بندين اساسيين في الجلسة، ان الاعتقاد الذي ساد بأن هؤلاء الوزراء سيقاربون المسائل المطروحة بعقلية غير تقليدية وبالتالي فإن الأمور ستكون "مسهلة"، لم يكن في محله لأن بعض الوزراء ناقش بالتفاصيل وطرح اسئلة كثيرة وعلق على نقاط  اكثر في البندين المشار اليهما وهما، البند الذي تعلق بالموافقات الاستثنائية التي صدرت خلال فترة تصريف حكومة الرئيس حسان دياب الاعمال بعد استقالتها في 10 آب (اغسطس) 2020، والتي بلغ عددها 561 "موافقة استثنائية"، هذه البدعة غير المنصوص عنها في اي قانون او في الدستور والتي "اخترعها" الامين العام السابق لمجلس الوزراء المرحوم سهيل بوجي، والبند المتعلق بتشكيل اللجان الوزارية.

يقول مصدر وزاري مطلع ان التوجه الذي كان وضعه الرئيس ميقاتي، بالاتفاق مع الرئيس عون، ان يقر هذا البند ككل من دون الدخول في التفاصيل وأعدت لهذه الغاية لائحة بالموافقات الاستثنائية التي صدرت في ايام حكومة الرئيس حسان دياب تتضمن عناوين كل موافقة، لاسيما وان هذه الموافقات اقترنت بالتنفيذ من خلال مراسيم صدرت واصبحت نافذة، الا ان الوزراء الذين كانوا "في جو" التفاهم الذي تم بين الرئيسين عون وميقاتي، فوجئوا بأن حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر، اذ دخل بعض الوزراء في التفاصيل وطلبوا إعادة النظر في عدد من هذه الموافقات منها ما تعلق بوضع إهراءات القمح في مرفأ بيروت الآيلة الى السقوط مع حصول انحناءات متتالية وشبه يومية تضع هذه الاهراءات تحت الخطر مع ما يمكن ان يترتب عن ذلك من تداعيات سلبية واضرار مادية وبشرية. وفيما كان الوزراء يتداولون في الموافقات، اثيرت مسألة وجود عدد من الموافقات على بنود نالت موافقة استثنائية خلافاً لرأي ديوان المحاسبة ومنها عقود مصالحة وتسديد ديون وغير ذلك. وقد تدخل الرئيس ميقاتي معتبراً ان كل الموافقات التي صدرت خلافاً لرأي ديوان المحاسبة يجب ان تعرض على مجلس الوزراء مجدداً لمعرفة الاسباب والظروف التي جعلت ديوان المحاسبة يعترض عليها. وعليه تم فصل الموافقات التي صدرت من دون موافقة ديوان المحاسبة لتعرض لاحقاً بعد سماع رئيس ديوان المحاسبة القاضي محمد بدران. ويضيف المصدر الوزاري في معرض شرحه لما حصل ان الامين العام لمجلس الوزراء القاضي محمود مكية تدخل اكثر من مرة للتوضيح بأن هذه الموافقات المعترض عليها، ارفقت بمراسيم نافذة وتم تطبيق مفاعيلها القانونية والادارية، الا ان الرئيس ميقاتي ومعه عدد من الوزراء اصروا على اعادة درس هذه البنود بعد سماع رئيس الديوان.


"حماسة" منقطعة النظير!

اما البند الذي حرك "حماسة" الوزراء، فكان اعادة النظر بتشكيل اللجان الوزارية التي كانت شكلت في ظل حكومة الرئيس دياب، خصوصاً وان الرئيس السابق للحكومة اشتهر بكثرة تشكيل اللجان لمواضيع مختلفة كان يمكن للوزراء المختصين البت بها من دون تشكيل لجنة واضاعة الوقت. وهنا، يقول المصدر الوزاري، فتحت شهية الوزراء للدخول في اللجان لاسيما بعد استطلاع مهامها لأن العناوين التي وضعت لاسماء اللجان كانت عامة ولم يكن في مقدور الوزراء فهم مهماتها. وهنا بدا ان بعض الوزراء يريد ان يكون في اكثر من لجنة، علماً ان القاعدة المعتمدة في تشكيل اللجان ان يكون في عداد كل لجنة وزراء من مختلف المكونات السياسية والطائفية المشاركة في الحكومة لأن مهمة اللجان تحضير المواضيع المطروحة والوصول الى تصور يعرض على مجلس الوزراء للبت فيه الامر الذي يوجب وجود ممثلين عن الكتل المشاركة واستطراداً عن الطوائف والمذاهب ما يسقط عملياً صفة الاختصاص عن الحكومة التي بدت في هذه المسألة، تقليدية ومثل الحكومات السابقة. 

ودار النقاش طويلاً بين الوزراء حول اللجان وتم الغاء بعضها لانتفاء الحاجة اليها، ودمج اكثر من لجنة بواحدة، واستحداث لجان جديدة. اما في ما خص لجنة التفاوض مع صندوق النقد الدولي فاختلف الامر اذ بادر الرئيس ميقاتي الى "إعلام" الوزراء بأنه توافق مع الرئيس عون على اعطاء التفويض للجنة برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء سعادة الشامي ووزير المال يوسف الخليل ووزير الاقتصاد الوطني امين سلام وحاكم مصرف لبنان وخبيرين يمثلان رئاسة الجمهورية، سوف تتولى التفاوض مع صندوق النقد الدولي. وهنا طالب عدد من الوزراء بأن يكونوا اعضاء في اللجنة، الامر الذي دفع الرئيس ميقاتي، بعدما لاحظ اندفاعة الوزراء، الى القول "إن اللجنة سوف تستعين بالوزير المختص بكل قطاع تدرسه على حدة ولا داعي بالتالي ان تتحول اللجنة الى مجلس وزراء مصغر"، معطياً المثل من نفسه اذ قال ميقاتي انه لن يتمثل بهذه اللجنة لانه يعتبر الوزراء يمثلونه!.

ويقول المصدر الوزاري انه بعد ذلك عبرت الجلسة بسلاسة الى ان وصل النقاش الى البند المتعلق بمشروع مرسوم ابرام اتفاقية قرض بين الجمهورية اللبنانية والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية للمساهمة في تمويل مشروع توفير المياه لاغراض الشرب والري في منطقة الضنية حيث برزت اعتراضات حول دور مجلس الانماء والاعمار وضرورة تكليف جهة اخرى الاشراف على العمل لاسيما وان مؤسسة مياه الشمال رفضت تسلم المشروع لوجود عيوب كبيرة فيه وكلام كثير حول طريقة تنفيذه التي ادت الى هدر اموال كثيرة اثارت علامات استفهام. وكاد النقاش يتطور في هذا المجال الى ان حسم بالطلب الى وزير الطاقة والمياه وليد فياض متابعة الموضوع، علماً ان الاعتراض الاقوى اتى من وزير الاشغال علي حمية الذي شكك بعمل مجلس الانماء والاعمار والاستشاري الذي اشرف على التنفيذ دار الهندسة.

ويكشف المصدر الوزاري ان القاسم المشترك لمداخلات الوزراء في الجلسة الاولى بعد الثقة هو "النق" اذ لم يبق وزير إلا وتحدث عن الظروف الصعبة التي تمر بها وزارته، اذ لا قرطاسية ولا مازوت ولا كهرباء ولا حضور للموظفين بسبب غلاء سعر صفيحة البنزين، والاخطر ان لا قدرة على اجراء مناقصات للتجهيز او لتأمين القرطاسية لأن الموردين الذين كانوا يتهافتون من اجل الحصول على تلزيمات وصفقات، انكفأوا ولم يسحبوا حتى دفاتر الشروط بسبب الوضع المالي للدولة من جهة، ولعدم استقرار سعر صرف الدولار من جهة ثانية. وهذه المسائل التي شكا منها الوزراء بشكل دراماتيكي غير مسبوق فتح "الردة" فيها وزير التربية القاضي عباس الحلبي حينما تحدث عن واقع وزارة التربية والمدارس الرسمية واضرابات المعلمين وخلو المدارس من الحد الادنى من القدرة على مباشرة التدريس.... وما قاله الوزير الحلبي، قال مثله وزير العدل القاضي هنري خوري حول الوضع في قصور العدل واضراب المساعدين القضائيين وتعطل الجلسات وتوقف المحاكمات....

وبلغ "النق" حداً دفع بالرئيس ميقاتي الى الطلب من وزرائه اقتراح حلول وليس الاكتفاء بالتوصيف والشكوى، لأن مسؤولية الوزير تقديم اقتراحات لحلول تواجهه وليس فقط تعدادها او توصيفها. ولم ينته الجدل هنا، بل اخذ موضوع الكهرباء نقاشاً طويلاً انتهى بالموافقة على طلب وزير الطاقة استقراض مبلغ 100 مليون دولار (وليس 200 مليون كما طلب في الاساس) لتأمين محروقات لمعامل الانتاج لتأمين بعض ساعات من الكهرباء، واجراء الصيانة على المعامل لتصبح قادرة على زيادة عدد ساعات التغذية.


اللجان الوزارية

وانتهت الجلسة الاولى للحكومة على خير بعدما ضمن معظم الوزراء وجودهم في اللجان التي توزعت على الكتل والطوائف، وهي كلها برئاسة الرئيس ميقاتي لكن عملياً ستكون برئاسة نائبه سعادة الشامي، وفق الآتي:

1- لجنة دراسة موضوع تزويد الاجهزة الامنية والعسكرية بحركة الاتصالات الكاملة (التنصت) ضمت: وزراء الداخلية والبلديات، الدفاع الوطني، العدل، الاتصالات، الاشغال العامة والنقل.

2- لجنة دراسة التوصيف الوظيفي في اطار هيكلة الادارة التي دمجت مع لجنة درس الغاء المؤسسات العامة والمصالح المستقلة، درس آلية التعيينات في الادارات والمؤسسات العامة ضمت: وزيرة الدولة لشؤون التنمية الادارية، ووزراء المالية والعدل والعمل والسياحة والداخلية والبلديات والزراعة، ورئيس مجلس الخدمة المدنية، ورئيس التفتيش المركزي.

3- لجنة متابعة اعادة النازحين السوريين الى بلدهم بأمان وكرامة ضمت: وزراء الخارجية والداخلية والدفاع الوطني والشؤون الاجتماعية والعدل والمهجرين والعمل.

4- لجنة قطاع الكهرباء وضمت 11 وزيراً، وهي الاكبر بين اللجان، وهم: وزراء الطاقة والمياه، المالية، الصناعة، الاشغال العامة والنقل، البيئة، العدل، الزراعة، الثقافة، التربية والتعليم العالي، الاتصالات، الشؤون الاجتماعية، ورئيس مجلس الانماء والاعمار.

5- لجنة قطاع الاتصالات وضمت وزراء الاتصالات والمالية والداخلية والعدل والدفاع الوطني والاشغال والاعلام.

6- لجنة دراسة موضوع معالجة النفايات المنزلية الصلبة وتحديد مواقعهم ومراكزهم، وضمت: وزراء البيئة، الصناعة، الداخلية، الزراعة، الصحة العامة، التنمية الادارية، ورئيس مجلس الانماء والاعمار.

7- لجنة إعداد تصور عام لتوحيد الاستفادة من تقديمات صناديق التعاضد كافة لاسيما المساعدات المرضية والاستشفاء والادوية وفي حال الوفاة ومنح الزواج والولادة والتعليم، ضمت وزراء التربية والتعليم العالي، المالية، الداخلية والبلديات، الدفاع الوطني، العدل، الصحة، الشؤون الاجتماعية.

8- لجنة دراسة تأهيل وتشغيل مطاري رينه معوض في القليعات ومطار رياق (لجنة مستحدثة بطلب من الرئيس ميقاتي)، ضمت وزراء الدفاع، الاشغال، الداخلية، المالية، السياحة، الاقتصاد والتجارة، الصناعة، ورئيس مجلس الانماء والاعمار). 

9- لجنة معالجة تداعيات الازمة المالية على سير المرفق العام، ضمت وزراء المالية، التنمية الادارية، العمل، الشؤون الاجتماعية، الصحة، الداخلية، الاشغال، الصناعة، العدل، التربية.

والغى مجلس الوزراء لجنة كانت مهمتها الاهتمام بالانماء الريفي وتقوية شبكة الامان الاجتماعي، ما اثار اعتراض وزير المهجرين عصام شرف الدين وهدد بالاستقالة اذ حجبت عنه كل اللجان الوزارية باستثناء تلك المعنية بموضوع النازحين السوريين، في حين شارك وزراء في اكثر من لجنة. وقد كلف شرف الدين اعداد دراسة حول موضوع الانماء الريفي لكنه لم يقبل وتمسك بموقفه لجهة ابقاء اللجنة الوزارية. وكلف وزير المالية اعداد دراسة حول موضوع التعويضات من جراء اشغال اللاجئين الفلسطينيين لبعض العقارات الخاصة على الاراضي اللبنانية....

احد الوزراء السابقين المخضرمين اطلع على توزيع الوزراء على اللجان فكان تعليقه: كيف سيتمكن عدد من الوزراء من العمل في وزاراتهم والانتاج وهم اعضاء في معظم اللجان الوزارية التي يفترض ان تعقد اجتماعات متتالية، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، وزير الداخلية ووزير الدفاع ووزير العدل ووزير الاشغال وغيرهم بحيث لا تكاد تخلو لجنة من اسمائهم!.