تفاصيل الخبر

تعيين أعضاء مجلس القضاء الأعلى أولوية لوقف النزف في الجسم القضائي وإجراء تشكيلات

05/10/2021
وزير العدل هنري خوري.

وزير العدل هنري خوري.

     

 اذا كان "قطوع" تأليف لجنة التفاوض مع صندوق النقد الدولي، قد مرّ على سلام بفعل الاتفاق الذي تم بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي، فإن الأوساط السياسية تترقب الطريقة التي سيتم التعاطي معها في ما خص التعيينات المتوقعة لاسيما الملح منها، وفي مقدمتها تعيين ستة اعضاء في مجلس القضاء الأعلى لتكتمل هيئة المجلس التي تتألف حالياً من الأعضاء الحكميين الثلاثة وقاض فاز بالتزكية مؤخراً، إلاأان وجود اربعة قضاة حالياً لا يمكن المجلس من اتخاذ اي قرار لعدم توافر النصاب القانوني فيه، وهو ثمانية قضاة على الأقل من أصل عشرة يتوزعون كالآتي: 3 اعضاء حكميين هم رئيسه القاضي سهيل عبود، والمدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات، ورئيس هيئة التفتيش القاضي بركان سعد. ومن ضمن الأعضاء السبعة غير الحكميين في مجلس القضاء الاعلى، قاضيان ينتخبان من رؤساء غرف التمييز، إلا إنه بسبب عدم صدور التشكيلات القضائية ووجود عدد من هؤلاء بالانتداب فاز القاضي عفيف حكيم بالتزكية في 18 ايار (مايو) الماضي، لأن القضاة بالانتداب لا يحق لهم الترشيح الى عضوية مجلس القضاء الاعلى الا اذا كانوا بالأصالة، ولم يترشح يومها القاضي جمال الحجار لكون الحصة السنية في المجلس ممثلة بالقاضيين عويدات وسعد. ويقتضي على مجلس الوزراء تعيين اربعة اعضاء في مجلس القضاء لكي يكتمل النصاب، ويوم كانت وزيرة العدل السابقة ماري كلود نجم في موقع المسؤولية، اعدت مرسوماً بتعيين الاربعة لكن الرئيس حسان دياب رفض توقيعه بحجـــة ان الحكومة مستقيلة وتصرف الاعمال فحسب، وبذلك لم يصل المرسوم الى قصر بعبدا ليوقعه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي كان موافقاً على الاسماء المقترحة من الوزيرة السابقة نجم.


وفيما لم يبرر مجلس القضاء الأعلى عدم موافقته على الأسماء المقترحة من الوزيرة نجم، وهم القضاة جويل فواز وسامر يونس ورولا الحسيني ودانيا الدحداح، قيل ان القاضي عبود اعترض على اسم القاضي يونس الذي سبق للوزيرة السابقة نجم ان اقترحته محققاً عدلياً في جريمة انفجار المرفأ بعد احالتها على المجلس العدلي ورفض مجلس القضاء اقتراحها، ثم اعادت الكرة من جديد بعد اعفاء المحقق العدلي السابق القاضي فادي صوان، فكرر مجلس القضاء الرفض الى ان قبل بتعيين القاضي طارق البيطار. واليوم تنتظر الاوساط القضائية والسياسية على حد سواء ما سيكون عليه موقف وزير العدل هنري خوري الذي يعود له ان يقترح اسماء خمسة من اصل القضاة الستة بموجب مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء، لكن في المرحلة الاولى يعد مرسوماً يتضمن اسماء اربعة قضاة فقط، وفي حال سلك مرسوم التعيين طريقه الى التوقيع من قبل رئيسي الحكومة والجمهورية، يصبح عدد اعضاء المجلس ثمانية، وهو العدد الذي يوفر النصاب لانعقاده. عندئذ يدعو مجلس القضاء الاعلى الى انتخاب قاض من بين رؤساء غرف التمييز العشرة (يمكن ان يكون من اي مذهب او طائفة، وهذا ما يتحدد بناء على الاسماء الاربعة التي طرحها وزير العدل)، لكن على الارجح بعد اجراء تشكيلات جزئية لملء الشواغر في غرف التمييز، بحيث يكون القضاء في مواقعهم بالاصالة وليس بالانتداب. وبعد ان يصبح عدد اعضاء مجلس القضاء الاعلى تسعة، يعد وزير العدل مرسوماً باسم القاضي العاشر. ويؤكد مطلعون ان الرئيس عون ستكون له، عبر الوزير  خوري، كلمته الحاسمة في اختيار القضاة المسيحيين. وقد يعاد سيناريو "مرسوم نجم" الذي تضمن اسماً رفضه مجلس القضاء الاعلى، ولولا تمنع دياب عن التوقيع لكان "كبر المشكل" بين بعبدا ومجلس القضاء الاعلى.


تعيين أعضاء مجلس القضاء أمر ملحّ

فهل في حساب الوزير خوري الإسراع في انجاز هذه التعيينات ليعود الى مجلس القضاء الأعلى دوره، ام ان "حسابات" اخرى قد تؤجل التعيين مرة جديدة الى اجل غير مسمى خصوصاً اذا دخلت الخلافات السياسية من الباب واستقرت داخل مجلس القضاء؟ يقول مطلعون على موقف الوزير خوري إنه يولي مسألة تعيين الاعضاء الخمسة في مجلس القضاء اولوية تمهيداً لاحالة اقتراحه قريباً على رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لسببين: وقف النزف الذي يتهدد الجسم القضائي، والتهيؤ لاحتمالات المرحلة المقبلة على صعيد القرارات التي ستصدر عن محكمتي الاستئناف المدنية ثم التمييز الجزائية في طلبي رد قاضي التحقيق العدلي طارق البيطار ونقل ملف انفجار المرفأ الى قاضي آخر في حال انتهتا الى قبول اي من الطلبين، فعدم تعيين اعضاء المجلس يعني استمرار توقف التحقيق في هذه القضية والذي تجاوز عتبة اسبوعين في غياب امكان تعيين محقق عدلي جديد لا يبصر النور الا بقرار من وزير العدل بعد موافقة مجلس القضاء. وفي المعلومات ان هذه التعيينات وضعت على النار ولن تستنفد شهر تشرين الاول (اكتوبر) الجاري كونها تحمل طابع العجلة بمقدار ما ستشكل من اختبار لوزير العدل وهو القاضي الذي يدرك تماماً اهمية ملاقاة جرعة الصمود التي ضخها القاضي عبود في نفوس القضاة امام تهافت طلبات الاستقالة والاستيداع، سواء في ديوانه او في وزارة العدل، بازاء الانهيار الحاصل في البلاد، وخصوصاً ان دفع هذه الملاقاة تعززها علاقة جيدة تربط الرجلين تمتد الى قبل وصولهما الى سدة المسؤوليات القضائية. وقد جمعهما اكثر من لقاء بعد تشكيل الحكومة الذي فتح كوة امل وترك ارتياحاً، بحسب مصادر قضائية مطلعة شددت على اهمية اكتمال عقد مجلس القضاء لأن "كل شيء يبدأ من هذا المجلس لانطلاق مسار قصور العدل وإدارتها كمرفق عدالة". ولا تخفي ان ظاهرة تقديم طلبات الاستيداع التي تعلق عمل القاضي لسنتين او اكثر بقصد العمل في الخارج تشكل خطراً على انهيار هذا المرفق الذي يحتاج الى عناية خاصة ودعم استمراريته امام جرس انذار هذه الطلبات وهي كثيرة شفهياً بسبب الازمة الاقتصادية والاجتماعية والوضع العام غير المستقر في البلاد، علماً ان المساعي حثيثة لوقف النزف الحاصل في جسم القضاء، في اتجاه جهات دولية محايدة تتمثل بمنظمة الدول الفرانكوفونية والامم المتحدة وجامعة الدول العربية لتأمين هبات وتقديمات عينية عن طريق صندوق تعاضد القضاة في وزارة العدل بهدف الوصول الى صمود القضاة في وجه طلبات الاستيداع والاستقالة وهي كثيرة. 

وتتوقع المصادر القضائية المعنية ان يصار بعد تعيين القضاة الخمسة الى جانب الاعضاء الثلاثة الحكميين الى الاعداد لمشروع تشكيلات قضائية جديدة لملء الشغور بسبب تقاعد قضاة وتعيين قاضيين اخيراً في الحكومة هما وزير الداخلية والبلديات بسام مولوي والثقافة القاضي محمد وسام مرتضى، وتعيين قضاة اصيلين في محكمة التمييز المشغولة غرفها العشر بالانابة باستثناء غرفتين، وتوزيع قضاة خريجي معهد الدروس القضائية على المحاكم. واذا تحققت هذه التشكيلات فستكون الاولى منذ العام 2017 التي اجريت خلال ولاية الوزير السابق للعدل سليم جريصاتي.

المدير العام لوزارة العدل

الا ان مسألة التعيينات القضائية لا تقتصر فقط على القضاة في المحاكم والغرف وغيرها، بل تشمل ايضاً تعيين مدير للعدل خلفاً للقاضية رلى جدايل التي احيلت على التقاعد بسبب بلوغها السن القانونية لتحل محلها بالوكالة القاضية هيلانة اسكندر رئيسة هيئة القضايا والاستشارات في وزارة العدل وهي الاكبر في وحدات الوزارة.

وبحسب الدستور فقد نصت شروط المنصب للادارة العامة لوزارة العدل، ان يشغلها قاض ذو درجات مرتفعة. ويتم هذا  التعيين بناء على اقتراح وزير العدل، وهو تعيين فئة اولى يقدم الى رئاسة الحكومة على ان يتخذ مجلس الوزراء قراره بالتعيين بعد التصويت عليه. وفي الوقائع، تعتبر المصادر القضائية المعنية، ان تعيين المدير العام لوزارة العدل ليس اولوية اليوم، وتبعاته ستولد مشكلات ستعوق بدورها امراره لدى بعض الوزراء في الحكومة، بحجة وجوب ملء الشغور ايضاً في كل المراكز الادارية، لاسيما منها المراكز المسيحية الشاغرة، ولذلك ترجح المصادر نفسها تأخير هذا التعيين في المرحلة الحالية والاكتفاء بادارة اسكندر للمنصب الى حين تحديد مصير هذا الموقع مع سائر المراكز القضائية الشاغرة، والتي تعتبر في نظر المعنيين اهم من منصب المدير العام لوزارة العدل، من مثل تعيينات مجلس القضاء الاعلى فالمهم في نظر المعنيين ان تتم تغطية المركز لكي لا يبقى شاغراً.

 فقد درجت العادة ان يتم تعيين القاضي الاعلى درجة في منصب المدير العام لوزارة العدل، وقد تم تعيين جدايل على هذا الاساس، الا ان التنافس اليوم وبحسب المعلومات هو سيد الموقف، اذ انه لم تعد هناك اي اعتبارات للدرجات، بل ان المعركة مفتوحة، والقضاة الشبان يتأهبون ومتحمسون للتنافس على تلك المناصب الشاغرة، غير آبهين بالعرف القائل بأحقية القضاة الاعلى درجة، علماً ان القضاة "الطاحشين" حسب ما يكشف مصدر قضائي، هم قضاة من الدرجات المتدنية. ويقول ان هذا الامر دمر الادارة، لأن تعيين قضاة شبان لا يملكون الخبرة الكافية في مراكز الادارة يشكل أمراً خطيراً، نظراً لأهمية العمل الاداري في السلك القضائي، لافتاً الى خطورة الاطاحة بالعرف وكسر مبدأ التسلسل الاداري، اي الاطاحة بالاقدمية والدرجات. وبحسب المعلومات، فإن بعض القضاة بدأوا جولاتهم على عدد من المقامات والزعامات السياسية في البلاد. لأنهم يعلمون ان قرار تعيينهم سيصدر عن الطاقم السياسي، متسلحين بالتجربة التي عينت امثالهم، اي القضاة الشبان، في المناصب الادارية المهمة، ومثالاً على ذلك تعيين القاضي محمد مكاوي محافظاً لجبل لبنان، والقاضي جورج عطية رئيساً لهيئة التفتيش المركزي، والقاضي كمال ابو جودة محافظاً للبقاع، والقاضي محمود مكية اميناً عاماً لمجلس الوزراء وغيرهم....

 لقد برزت في الآونة الأخيرة، دعوات الى عدم تعيين قضاة في مراكز ادارية لأن القاضي يجب ان يتفرغ لعمله وألا يكون القضاء بالنسبة اليه جسر عبور الى العمل في الادارة لأنه في الاساس كرس نفسه ليكون قاضياً لأن العكس قد يضطره الى مسايرة السياسيين او اقامة علاقات معهم، الأمر المنافي لعمل القاضي، ويقول دعاة هذا الرأي حبذا لو تخف "الهجمات" على المراكز الادارية في الوزارات، لكي يبقى القاضي قاضياً وفي مكانه الصحيح. اما بالنسبة الى وزارة العدل فالأمر مختلف لأن القانون يتطلب اختيار قاض لادارتها، وان الطامحين لتولي ادارة وزارة العدل كثر، لكن القاضي الأكفأ هو الاولى لتولي هذا المنصب بغض النظر عن الدرجات. علماً انه امام التساوي في الكفاية بين القاضي الشاب والقاضي صاحب الدرجة المرتفعة، يفضل بالتأكيد اختيار القاضي الأعلى درجة.



رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود.

رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود.