تفاصيل الخبر

تجدد رحلات الهجرة السرية للنازحين السوريين الى قبرص واليونان وتركيا ومنها الى دول أوروبية...

05/10/2021
مخيمات للسوريين في عرسال.

مخيمات للسوريين في عرسال.

 مرة جديدة عادت قضية النازحين السوريين الى لبنان الى الواجهة من جديد بعد تجاهل كل النداءات التي وجهها لبنان الى دول العالم لمساعدته على تسهيل عودة النازحين السوريين الى بلادهم، لاسيما الى المناطق السورية التي لم تعد تشهد قتالاً منذ زمن، ووسط تطورات سياسية جديدة تشهدها الساحة السورية التي عاد اليها العديد من دول العالم، سواء مباشرة او مداورة، ومن بينها دول عربية وخليجية. وفي كل مرة كان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ينادي المجتمع الدولي لدعم موقف لبنان، كانت تقابل دعوته بالتجاهل، وآخر هذه الدعوات كان في الكلمة التي القاها امام الجمعية العامة للامم المتحدة في نيويورك عبر تقنية الفيديو والتي اعاد التأكيد فيها على الثوابت التي تحكم موقفه، لاسيما وأن لبنان لم يعد في مقدوره تحمل تكاليف رعاية النازحين التي تناهز الــ 7 مليارات دولار سنوياً، بسبب الاوضاع الاقتصادية والمالية الصعبة التي يعيشها منذ سنة ونصف السنة. ولعل اكثر ما يثير القلق هو ردود الفعل التي باتت تصدر عن المواطنين اللبنانيين الذي يرون النازحين السوريين امام المصارف اللبنانية يسحبون من الـــ ATM  المثبتة عند المدخل، اموالاً بالعملة الصعبة نتيجة البطاقات التي توزعها عليهم شهرياً الامم المتحدة بالدولار، وهم - اي اللبنانيين - غير قادرين على سحب دولار واحد من ودائعهم في هذا المصرف او ذاك بفعل الاجراءات التي تعتمدها المصارف اللبنانية هذه الايام.

لا شك ان ما من لبناني إلا ويريد الخير لاشقائه السوريين، الا ان ما يحصل من تمييز في تعامل المصارف اللبنانية بين النازحين السوريين واللبنانيين بدأ يثير ردود فعل غير مستحبة، فالامم المتحدة تؤمن شهرياً للنازح السوري بطاقة (CREDIT CARD) تمكنه من سحب مبلغ شهري محدد لشراء حاجياته وبالدولار، وهو امر غير متوافر للبنانيين الذين تنتظر العائلات الفقيرة منهم البطاقة التمويلية بفارغ الصبر، علماً ان انتظارهم قد يطول بسبب اجراءات روتينية ولوجستية لا تزال تؤخر انجاز هذه البطاقة التي دار الحديث عنها منذ سنة ولم تبصر النور بعد. في المقابل لا تزال الدعوات اللبنانية الى تسهيل اعادة النازحين بلا صدى في المحافل الدولية، ما يزيد من النقمة في نفوس اللبنانيين الذين يمرون في ضائقة اقتصادية غير مسبوقة، وخلال اللقاءات التي يعقدها الرئيس عون مع وفود اجنبية يكرر امام الاعضاء فيها موقفه المعروف في هذا المجال، يسمع من الموفدين الدوليين عبارات "الثناء" على "استضافة" لبنان للنازحين و"الرعاية" التي تقدمها لهم الدولة اللبنانية، وغيرها من العبارات التي لا يستسيغ المسؤولون في لبنان سماعها هذه الايام، لأنهم يريدون تجاوبات مع مطلبهم بعودة النازحين الى بلادهم معززين مكرمين لاسيما وان المنظمات الدولية قادرة على تقديم الدعم لهم وهم على الاراضي السورية، اضافة الى عدم تسجيل اي حوادث سلبية مع العائدين الذين تركوا لبنان طوعاً مؤخراً بعدما ضاقت الاوضاع الاقتصادية وتراجعت فرص العمل المتوافرة لهم في لبنان، ما يدل على ان نزوح هؤلاء الاشخاص لم يعد نزوحاً سياسياً او هرباً من الحرب، بل بات نزوحاً اقتصادياً اذ انهم يستفيدون من تقديمات المنظمات الدولية ومنهم من يذهب الى سوريا دورياً للعمل هناك والعودة الى لبنان في آخر الشهر للحصول على البطاقة الممغنطة التي تمكنهم من سحب اموالهم "كاش" بالدولار من اجهزة الصراف الالي (ATM) في المصارف اللبنانية.


الهجرة السرية

ويقول مرجع امني بارز، ان ثمة اسباباً اخرى تبقي بعض السوريين في لبنان بهدف الانتقال سراً الى دول اوروبية مثل قبرص واليونان حيث اشارت التقارير الامنية الى ان حركة الهجرة غير الشرعية عبر البحر من مناطق الشمال خصوصاً، قد استعادت حركتها بعدما كانت تراجعت لفترة على اثر ملاحقة الاجهزة الامنية المختصة وتعقب الرؤوس المدبرة واصحاب مراكب السفر وتوقيف العديد منهم في مناطق عدة، فتوقفت الرحلات لاشهر لاسيما بعد حادثة غرق ما سمي بــ "مركب الموت" بين لبنان وقبرص العام الماضي، قبل ان تستأنف مجدداً، وسط حديث في مناطق شمالية لا سيما في عكار وطرابلس، عن وصول اكثر من مركب اقلت لبنانيين وسوريين الى قبرص ومنها الى أوروبا، لكن المهرِبين والمهرَبين هذه المرة احاطوا انفسهم وكذلك عملياتهم وتحركاتهم بسرية تامة، خوفاً من افتضاح امرهم. وعلم في هذه الصدد انه وبعد انتشار فيديوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن وصول مراكب هجرة غير شرعية الى ايطاليا، يرجح انها انطلقت من قبالة الحدود السورية - اللبنانية البحرية في عكار، وكذلك من ميناء طرابلس، فتحت الاجهة الامنية تحقيقاً بالأمر لمعرفة الجهة التي قامت بتهريبهم وكذلك اسماء الاشخاص الذين كانوا على متن هذه الرحلات. كذلك علم ان اكثر من مركب يستعد للانطلاق باتجاه قبرص اليونانية ومنها الى اوروبا في الايام المقبلة، وان المهربين هذه المرة لم يعودوا يتعاملون مع الاشخاص المهاجرين عبر البحر بشكل مباشر، انما هناك وسطاء يعتمدونهم لهذه الغاية، ويتم تغيير ارقام الهواتف التي يستخدمونها بشكل دائم حتى لا يكشف امرهم وتحركاتهم، فالمهربون نظموا امورهم اكثر وباتوا لا يعتمدون في المركب الواحد اكثر من 20 راكباً حتى ولو كان يتسع لاكثر من هذا العدد، وذلك تفادياً لغرق تلك المراكب من جهة، وللوصول الى الحدود البحرية القبرصية بسرعة وتخطي خفر السواحل التي تترصد هذا النوع من الهجرة غير الشرعية، بالاضافة الى الاعتماد على سائقين مدربين على دراية كاملة بالطريق البحري الذي يوفر الوصول الآمن والسريع في آن.

ويؤكد المرجع الامني في هذا السياق، ان الجهات المنظمة لهذه الرحلات باتت تتكتم عن حركتها خلافاً لما كان يحصل في السابق. كذلك لم يعد طالبو الهجرة يجاهرون برغباتهم خوفاً من الملاحقة. الا ان الوسطاء المعتمدين لهذه الغاية ينشطون بشكل سري في المناطق الشمالية هم اشخاص ليسوا بالضرورة من رواد البحر ولا يعملون في هذا المجال الأمر الذي يسهم في إبعاد الشكوك من حولهم.


تدهور في ظروف المعيشة

في المقابل، تقول مصادر اممية إن من اسباب إقدام مجموعات من النازحين السوريين الى الانتقال سراً الى دول مجاورة للبنان هو التدهور السريع في الظروف المعيشية لهؤلاء النازحين الذين باتوا بعاجزين عن توفير الحد الادنى من الاشخاص اللازم لضمان البقاء على قيد الحياة. وكشفت النتائج الاولية لتقييم جوانب الضعف لدى النازحين عن العام 2021 عن وضع بائس اذ ان تسعة من اصل كل 10 نازحين لا يزالون يعيشون اليوم في فقر مدقع. وفي عام 2021 واصل غالبية النازحين الاعتماد على استراتيجيات مواجهة سلبية للبقاء على قيد الحياة، مثل التسول او اقتراض المال او التوقف عن ارسال اطفالهم الى المدرسة او تقليص النفقات الصحية او عدم تسديد الايجار. يشير هذا التقييم الى انه في عام 2021 ازداد افراد الأسر الذين اضطروا الى قبول وظائف زهيدة الاجر او شديدة الخطورة او نوبات عمل اضافية لتأمين الدخل نفسه الذي كانت الاسرة قادرة على توفيره في العام 2020، وتؤثر استراتيجيات المواجهة هذه بشكل سلبي على القدرة على التأقلم وعلى توليد الدخل في المستقبل، مما يجعل أسر النازحين اكثر عرضة لانعدام الامن الغذائي واكثر اعتماداً على المساعدات الانسانية.

وقد شدّد ممثل المفوضة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان "اياكي ايتو"، على انه "على مدى الاشهر الثمانية عشر الماضية، فقدت العملة اللبنانية اكثر من 85 في المائة من قيمتها، فارتفعت الاسعار بشكل كبير، واصبح مجرد البقاء على قيد الحياة بعيداً عن متناول عائلات السوريين. سيكون لهذه الازمة تأثير طويل الامد على النازحين، ومستقبل اطفالهم، كما انها تهدد المكاسب التي تم تحقيقها في السابق مثل امكانية الوصول الى الخدمات الاساسية". كما اشار "ايتو" الى "ان  العائلات اللبنانية تكافح هي ايضاً. فثمة حاجة ماسة الى تعزيز الدعم المقدم الى السكان اللبنانيين والفئات الاخرى المهمشة في هذه الفترة العصيبة. لا يمكننا ان نخذلهم الآن". 

وقد اثر التضخم بشكل كبير على اسعار المواد الغذائية. فخلال الفترة الممتدة بين تشرين الاول (أكتوبر) 2019 وحزيران 2021 (يونيو)، ارتفعت تكلفة المواد الغذائية بنسبة 404 في المائة، مما ادى الى مستويات مقلقة من انعدام الامن الغذائي وسط عائلات النازحين السوريين.  في شهر حزيران (يونيو) من العام 2021، بلغت نسبة عائلات السوريين الذين يعانون من انعدام الامن الغذائي 49 في المائة. وقد اضطر ثلثا العائلات الى تقليص حجم حصص الطعام او تقليل عدد الوجبات المستهلكة يومياً. 

يتحمل الاطفال السوريون الجزء الاكبر من اعباء الازمة. فثلاثون في المئة من الاطفال الذين هم في سن الدراسة (بين 6 و 17 عاماً) لم يدخلوا المدرسة قط. وقد انخفض معدل الالتحاق بالمدارس الابتدائية للاطفال الذين تتراوح اعمارهم بين 6  و14 عاماً بنسبة 25 في المائة في عام 2021، بالاضافة الى ذلك، استمر الاتجاه التصاعدي في عمالة الاطفال في اوساط الاطفال السوريين في عام 2021، اذ بلغ عدد الاطفال السوريين النازحين المنخرطين في سوق العمل ما لا يقل عن 27.825 طفلاً. كما يكشف التقييم ان فتاة من اصل كل خمس فتيات تتراوح اعمارهن بين 15 و19 عاماً متزوجة. اكثر من نصف (56 في المئة) الاطفال الذين تتراوح اعمارهم بين 1 و14 عاماً قد تعرضوا لشكل واحد على الاقل من اشكال التأديب القائم على العنف.

نازحون سوريون يعودون الى بلادهم عبر بوابة المصنع الحدودية.

نازحون سوريون يعودون الى بلادهم عبر بوابة المصنع الحدودية.