تفاصيل الخبر

ردّ جنبلاط على "الهجمة الشرسة ضده":"تغريدة" عن "الممانعة" وتفرد بتعيين شيخ عقل جديد

05/10/2021
لقاء خلدة الثلاثي الذي ضم النائب السابق وليد جنبلاط  مع النائب طلال ارسلان والوزير السابق وئام وهاب.

لقاء خلدة الثلاثي الذي ضم النائب السابق وليد جنبلاط مع النائب طلال ارسلان والوزير السابق وئام وهاب.


 أسلوب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في كتابة "تغريداته" على صفحته على "تويتر"، جعله يتميز عن غيره من السياسيين الذين يستعملون التكنولوجيا الحديثة للتعبير عن آرائهم ومواقفهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لذلك فإن كل "تغريدة" لجنبلاط تحمل في حد ذاتها رسالة يفترض بالمعنيين حسن قراءتها لفهم أبعادها والمراد منها، لأن الزعيم الدرزي لا يطلق "تغريدات" للتسلية او لمواكبة تطور العصر في عالم "السوشيل ميديا"... من هنا توقف المراقبون عند "التغريدة" التي نشرها جنبلاط  منذ ايام وقال فيها: "لا ينطقون إلا بالتهديد والوعيد. يا أهل ما يسمى بالممانعة، أذكركم بأنه قبل ان تحضر جحافلكم كان الحزب الاشتراكي ولاحقاً الحركة الوطنية، يواجهان اسرائيل. فكفانا مزايدة. لكن نؤمن بلبنان المتنوع الذي تريدون الغاءه. لبنان العربي. لبنان الرسالة الذي تريدون الغاءه. لبنان الحر غير المصادر". كلام جنبلاط أثار الكثير من التساؤلات حول توقيته أولاً وخلفياته ثانياً لاسيما وانه لا يستعمل هذا الحيز الافتراضي إلا لايصال رسائل معينة الى أفرقاء محددين. 

وفي هذا السياق تقول مصادر قريبة من الزعيم الدرزي إنه يشعر منذ فترة بأنه يتعرض لهجمة شرسة، عبر عنها عبر توصيف "التهديد والوعيد"، ولم يتردد في اتهام "محور الممانعة" بالوقوف وراء هذه الحملة التي تشن عليه بعناوين مختلفة وعبر وسائل متنوعة، ما دفع به الى وضع الاصبع على الجرح، وكأنه يقول لمن يتهمهم بــ "التحريض" عليه، ان الرسالة وصلت، وفهم فحواها! في الفترة الاخيرة، وتحديداً منذ قرر جنبلاط الترويج لحكومة تفاهمية تعيد بعض الاستقرار السياسي الى المشهد الداخلي، سعى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الى التخفيف قدر المستطاع من العناوين الخلافية، حاول النأي بنفسه وبناسه عن خطوط الاشتباك مع مختلف الاطراف السياسية، فكان اكثر من تخلى عن المطالب الوزارية، كما يقول المطلعون على موقفه، من باب تسهيل ولادة الحكومة وافساح المجال امام المبادرة الفرنسية كي تبصر النور وتتحول من ورق الى افعال تنفيذية. مد يد التعاون مع رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري كي يتمكن الاخير من العودة الى السراي الحكومي، ولو ان بعض الالتباسات سادت العلاقة الثنائية في بعض المحطات. ثم عاد واستخدم خراطيم اطفاء الحرائق السياسية كي يزيح الاسلاك الشائكة من امام الرئيس نجيب ميقاتي لينجز ما عجز سلفه عن القيام به، في محاولة منه للاقلاع بالطائرة الحكومية بأقل اضرار ممكنة عل ميقاتي ينجح في كبح الانهيار والتخفيف من تبعاته الاجتماعية والاقتصادية.

 بالتوازي، كان جنبلاط، وفق المطلعين، يسعى لتأمين حضانة اجتماعية لناسه في الجبل، ولو بالحد الادنى من الامكانات في محاولة لتهدئة روع البركان الاجتماعي الآخذ في الغليان، وفي الوقت نفسه، يعمل على تمتين شبكة ربط نزاع سياسي مع خصومه التقليديين، بدءاً بــ "حزب الله" من خلال خط تواصل مباشر وغير مباشر لضبط المناطق المشتركة، ومع "التيار الوطني الحر" لمنع الاحتكاكات السلبية في الجبل، من دون ان يفجر في المقابل اي قنابل خلافية مع "القوات اللبنانية" او مع تيار "المستقبل" ولو ان العلاقتين ليستا في احسن احوالهما.

 في المقابل، فقد حرص جنبلاط على عدم التخلي عن خطابه "السيادي" سواء ما خص ملف العلاقة مع سوريا او في ما يخص، وعلى سبيل المثال، قضية النفط الايراني.... وكل ذلك مع الاحتفاظ بعلاقة استثنائية مع صديقه العتيق رئيس مجلس النواب نبيه بري، ومع دول الخليج، فيما ساهم موقفه المسهل لولادة الحكومة في تمتين علاقته بالادارة الفرنسية، وسط معلومات عن ان السفيرة الفرنسية في بيروت "آن غريو" عبرت  عن امتنان بلادها لموقف جنبلاط التي تقول المعلومات انه يمكن ان يزور باريس في الاتي من الايام ويستقبله الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" في بادرة وفاء لموقفه الداعم للمسعى الفرنسي الذي بذل لتمكين الرئيس نجيب ميقاتي من تشكيل حكومته والاقلاع بها من دون ان يضع اي شروط او عوائق في دربه. وهو بدا كمن يمسك العصا من وسطها  لادراكه ربما انها مرحلة التحولات الكبرى في المنطقة، ولا بد بالتالي من تهدئة اللعب على كل الجبهات، ولاقتناعه ان الرمال اللبنانية قد تبتلع كل من يحاول التصدي لها عنوة فقرر مواجهة العواصف على طريقة "إحناء الرأس".... هذه الوضعية "المريحة" نسبياً، تشكل وفق المطلعين على موقف جنبلاط، عامل قلق ازاءه بالنسبة لخصومه، خصوصاً وأن سلوكه لا يظهر بأنه مغلوب على أمره، لا بل يتصرف بكثير من الاستقلالية والهامش الواسع. وقد تكون هذه الرسائل تهدف الى تضييق هذا الهامش عشية الدخول في مدار الانتخابات النيابية وسط غموض يلف سلوك الحزب التقدمي التحالفي في هذا الاستحقاق، ما يدفع بخصومه الى البحث عن اجابات عن بعض الاسئلة، ولكن من دون جدوى، ومنهـا مثلاً: "مع من سيتحالف الاشتراكيون في الجبل والبقاع وبيروت؟ هل من الممكن تشكيل لــوائح مشتركة مع "المستقبل" و "القوات"؟ اين "التيار الوطني الحر" منه؟ كيف يمكن "تقريش" الدعم الفرنسي لجنبلاط؟ ماذا عن الدعم السعودي له؟

شيخ عقل جديد

كل هذه التساؤلات التي لا تزال من دون اجوبة حاسمة قد تدفع بخصومه الى التصويب عليه، وفق المطلعين على موقف جنبلاط، خصوصاً في هذه المرحلة الحرجة التي يحاول فيها النظام السوري التقاط انفاسه واستعادة بعض نفوذه في لبنان، وما الزيارة الموسعة التي قام بها الوفد الدرزي الى دمشق إلا رسالة واضحة باتجاه وليد جنبلاط الذي عرف كيف يقرأها. اذ علق احد مفاعيل الاجتماع الثلاثي الذي ضمه في خلده مع النائب طلال ارسلان والوزير السابق وئام وهاب في ما خص مسألة مشيخة عقل الطائفة الدرزية وضرورة تسوية الخلاف الذي أوجد مشيختين، واحدة مدعومة من جنبلاط واخرى من ارسلان، وتصرف بسرعة في ما اعتبر رداً على زيارة الوفد الدرزي الى سوريا الذي ضم عدداً من المشايخ ورؤساء البلديات والفعاليات، فاتصل بالشيخ سامي ابي المنى لتقديم اوراقه قبل اقفال باب الترشيحات متجاوزاً الوساطة التي كان يقوم بها الوزير السابق وهاب للاتفاق على مرشح واحد لمشيخة العقل، ونتيجة ذلك فاز الشيخ ابي المنى بالمنصب بالتزكية لأنه كان المرشح الوحيد، ما اثار غضب ارسلان الذي كان يرى وجوب التشاور مع المرجعيات الروحية والمشايخ قبل الإقدام على هذه الخطوة، وكرس بذلك وجود الشيخ ناصر الدين الغريب كشيخ عقل ثان لطائفة الموحدين الدروز. 

ولعل في "التغريدة" التي اطلقها جنبلاط عن "الممانعة" بعد مهادنة مع "حزب الله"، اشارة الى ان جنبلاط اعتمد اسلوب "الهجوم المضاد" ما اعاد الصراع الدرزي الى نقطة البداية ما يؤشر بالتالي الى معركة انتخابية قاسية ستحصل بين الاشتراكي  و"الديموقراطي"، وإن كان من المبكر الغوص في هذا الاستحقاق ومعرفة ماهية التحالفات المقبلة، لأن كل المفاجآت واردة، والسياسة بنت ساعتها والجميع يتذكر الحلف الرباعي، انما وبالملموس، ومن خلال الاجواء بين الجنبلاطيين والارسلانيين، فالمؤشرات تنذر بصراع سياسي وانتخابي وسباق محموم على الخدمات، وهي لا تعدو كونها مسكنات آنية امام المأساة الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة. ويبقى ان المعطى الاقليمي له دوره في تأجيج الصراع والخلافات على خط خلده المختارة، فالنائب ارسلان حليف وصديق للرئيس السوري بشار الاسد، وعلى علاقة وطيدة بايران  و"حزب الله"، في حين ان جنبلاط على خصومة سياسية حادة مع هذا المثلث، لذلك، يمكن القول ان الترقب سيد الموقف لما ستؤول اليه الاوضاع درزياً، خصوصاً وأن الايام المقبلة ستشهد تسلم الشيخ ابو المنى مهامه الاصيلة كشيخ عقل لطائفة الموحدين الدروز، وصولاً الى معطى الانتخابات النيابية الذي سيجري في حال بقيت الامور على ما هي عليه، على ايقاع السخونة والانقسام داخل البيت الواحد، وان كان ليس بجديد، في حين يطرح البعض السؤال الاكبر، ما اذا كان زعيم المختارة سيترك معقداً شاغراً لارسلان في عاليه، ام سيرشح درزياً آخر لهذا المقعد، او أن أواصر القربى بينهما ستبقي هذا المقعد ضمن التقليد المتبع شاغراً؟.

جنبلاط وشيخ العقل الجديد سامي أبو المنى.

جنبلاط وشيخ العقل الجديد سامي أبو المنى.