تفاصيل الخبر

هل ينجح "ماكرون" في فتح أبواب الخليج أمام حكومة ميقاتي الملتزمة بالاصلاحات المطلوبة دولياً؟

29/09/2021
الرئيس "ايمانويل ماكرون" يستقبل الرئيس نجيب ميقاتي في الإيليزيه في الأسبوع الماضي.

الرئيس "ايمانويل ماكرون" يستقبل الرئيس نجيب ميقاتي في الإيليزيه في الأسبوع الماضي.


 لم يكن سهلاً على الرئيس نجيب ميقاتي أن يقلب القاعدة التي كانت متبعة في السابق من رؤساء الحكومات الذين توالوا على السراي  الكبير قبل الطائف وبعده، ذلك أنهم كانوا يقصدون فور تسلمهم مقاليد السلطة التنفيذية زيارة كل من السعودية ومصر، وخلال فترة الوجود السوري، كانت المحطة الاولى دمشق. لكن الظروف بالنسبة الى الرئيس ميقاتي تغيرت، فأول زيارة خارجية له بعد أربعة أيام من نيل حكومته الثقة، كانت الى باريس في خطوة لها رمزيتها المرتكزة الى واقع رافق تشكيل الحكومة، فالرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" كان "العراب الخارجي" لولادة الحكومة ولولا اتصاله بالرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي لما تسهلت هذه الولادة بين ليلة وضحاها، او بالأحرى لما كان تكليفه اصلاً تشكيل الحكومة بعد اعتذار الرئيس سعد الحريري عن عدم التشكيل. يومها كان الضباب يخيم على موقف المشهد الحكومي وبدا أن ثمة استحالة قبول اي شخصية سنية لترؤس حكومة جديدة وكادت البلاد أن تدخل في ازمة حكم، الى أن دخل "ماكرون" على خط التكليف وبقوة بعدما ضمن أن الأمر لن يقتصر على تكليف من دون تشكيل كما روج البعض في حينه، فكان بمثابة "القابلة" التي أخرجت الحكومة من بطن التنين الذي كان يحتجز الولادة ويمنع على لبنان حكومة جديدة. 

 ذهب الرئيس ميقاتي الى باريس في اليوم التالي لتلقيه اتصال التهنئة من "ماكرون" الذي خصه باستقبال مميز: الحرس الجمهوري الفرنسي توزع في الباحة الخارجية لقصر الايليزيه محيياً رئيس حكومة وهو الذي اعتاد تحية رؤساء الدول، و"ماكرون" نفسه نزل درج الايليزيه ليرحب  بــ "صديقه" الرئيس ميقاتي الذي لم يشتاق اليه كثيراً لانه كان طوال مراحل تشكيل الحكومة على اتصال هاتفي شبه يومي معه الى درجة أنه دخل في اسماء عدد من الوزراء ومنحهم "ثقته" قبل ثقة الرئيس اللبناني، ثم مجلس النواب. وفي داخل جناح "ماكرون" كانت خلوة طويلة اعقبها لقاء موسع ضم عدداً من المستشارين، انما الكلام الاساسي قاله "ماكرون" للرئيس ميقاتي خلال تلك الخلوة التي قيل فيها "كلام مهم" لم يكشف عنه ماكرون ولا ميقاتي، لكنه زرع اطمئناناً في نفوس الرئيس الفرنسي "وصديقه نجيب". الا أن مهمة ميقاتي الصعبة من دون شك، ستكون لها من يسهلها عند الضرورة لأن قرار الرئيس الفرنسي كان ثابتاً ونهائياً: "لن اترك لبنان، وحده في هذه الظروف". عبارة  قالها "ماكرون" لميقاتي في الخلوة، ثم كررها على مسمع المستشارين، وكذلك امام الصحافيين عند مدخل الايليزيه حيث القى كل من الرئيسين بياناً مكتوباً كما يفعل عادة "ماكرون" مع ضيوفه من رؤساء الدولة.

درع التثبيت... والمطالب الفرنسية

 الحفاوة الفرنسية في الشكل، كانت ايضاً في الاساس، اي في صلب المحادثات بين "ماكرون" وميقاتي قيل عنها الكثير قبيل عودة ميقاتي الى بيروت وبعد عودته "المظفرة" ومعه "درع التثبيت" الفرنسي والضوء الاخضر كي يعمل مستنداً الى رافعة فرنسية سياسية مشابهة لتلك الرافعات التي ستحط لاحقاً في مرفأ بيروت عندما يفوز الفرنسيون في مناقصة اعادة اعمار المرفأ المدمر وتأهيل القسم الصالح منه. لكن الدعم الفرنسي لحكومة ميقاتي، ومن خلالها للبنان لن يكون "شيكاً على بياض"، كما سبق أن اكد الجانب الفرنسي في اكثر من مناسبة، لاسيما وزير الخارجية الفرنسية "جان ايف لودريان" الذي غاب عن محادثات الاليزيه، تماما كما غاب نظيره الفرنسي عبد الله بو حبيب الذي يواجه اصلاً مشكلة في الحديث باللغة الفرنسية لأن ثقافته انكليزية... او بالأحرى اميركية منذ كان في البنك الدولي، ثم سفيراً للبنان في الولايات المتحدة الاميركية بخيار من الرئيس امين الجميل في مطلع ولايته، لذا كانت الوعود الفرنسية بدعم لبنان وحكومته وشعبه مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمطالب ومواقف اساسية لعل ابرزها ضرورة  مباشرة التفاوض مع صندوق النقد الدولي بوفد لبنان رسمي موحد، يحمل وجهة نظر واحدة لا تكرر ما خبره الصندوق في المفاوضات السابقة التي اجراها في لبنان، إبان حكومة الرئيس حسان دياب، عندما وجد نفسه امام وفد لبناني منقسم على نفسه، تتجاذبه وجهتا نظر متناقضتان، احداهما كانت تمثل الحكومة والاخرى مصرف لبنان، ما تعذر معه الاتفاق على نحو جازم، قال الرئيس الفرنسي أن لا مساعدات للبنان اياً يكن حجمها ومستواها ومبررات الحاجة اليها، ما لم يقدم، بحكومته وبرلمانه على وضع اصلاحات حقيقية في نظاميه الاقتصادي والمالي، ومباشرة تطبيقها، من ثم بعد التأكد منها، تصل المساعدات تباعاً. وفي رأي "ماكرون" أنه لا يزال في وسع لبنان التعويل على قروض كان قدمها اليه البنك الدولي في ما مضى ولم يصر الى الاستفادة منها، بحسب باريس، ولا تزال اموال القروض المخصصة للبنان متوافرة، يمكن الاستعانة بها في مرحلة لاحقة لانطلاق الاصلاح وتلمس نتائجه. لقد وضع الفرنسيون بضع اولويات لمباشرة برنامج الاصلاح، هي الكهرباء، وخصوصاً تأليف الهيئة الناظمة، وادخال اصلاحات جوهرية في القطاع المصرفي كما في النقد ومالية الدولة، ناهيك بمصرف لبنان، وعولوا ايضاً على دعم الجيش اللبناني والاسلاك العسكرية الاخرى من اجل حماية ادوارها في البلاد. كما اظهروا اهتمامهم باعادة اعمار مرفأ بيروت، خصوصاً في الجزء غير المتصل بالاهراءات كما بالكهرباء على أن يشرف البنك الدولي على اعادة تأهيل الكهرباء في البلاد.

طرح "ماكرون" خلال الخلوة اسئلة مفصلة على ميقاتي منها عن علاقته برئيس الجمهورية العماد ميشال عون وعما اذا كان يسهل له عمله، فكان رد ميقاتي بالايجاب وفق المعلومات التي وردت من باريس، لكن السؤال عن رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل شابته محاذير معينة عبر عنها "ماكرون" الذي لم يظهر كأنه راض عن الطريقة التي تعامل معها باسيل مع المبادرة الفرنسية من جهة، ثم مع مسار تشكيل الحكومة في بداية الطريق، قبل أن يبدل مساره في النهاية في ما عرف بـــ"مفاوضات الصهرين".... وبدا لافتاً للانتباه "استطلاع" باريس عن الوزيرين الشيعيين اللذين سمّى احدهما حزب الله وهو وزير الاشغال العامة والنقل علي حمية والثاني وزير الزراعة عباس الحاج حسن الذي سمته حركة امل لانهما يحملان الجنسية الفرنسية ما يتيح التعاون معهما خصوصاً أن الفرنسيين حذرون ، لا بل متوجسون، من محاولة المانيا تولي اعادة اعمار مرفأ بيروت، لانهم يعلمون أن ثمة عقبات صعبة التذليل، منها -إن لم يكن ابرزها- إدراج المانيا حزب الله على لائحة المنظمات الارهابية، وبديهي والحالة هذه الا يسهل وزير الحزب، وهو وزير الوصاية على المرفأ، مهمة منح المانيا هذه المهمة، علماً أن الفرنسيين، خلافاً للالمان، حافظوا على تواصل مع الحزب وعلى حوار متقطع من خلال قنوات مباشرة وغير مباشرة تجلت في الاول من أيلول (سبتمبر) من العام 2020 بجلوس رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" الحاج محمد رعد الى الطاولة في قصر الصنوبر مع رؤساء الكتل النيابية الاساسية برئاسة "ماكرون" نفسه.

ماذا عن فتح أبواب الخليج؟

والى ما تقدم، ثمة مؤشر آخر لزيارة ميقاتي الى باريس، وهو أن اياً من دول الغرب والشرق لا يقاطع لبنان على رغم عدم استجابته في كثير من الاحيان مع ما يلمح عليه المجتمع الدولي لمساعدته ونجدته من ازماته الخانقة، فضلاً عن اهدار 13 شهراً بلا حكومة على رغم الحاح المجتمع الدولي على ضرورة تشكيل هذه الحكومة. واللافت ايضاً أن "ماكرون" ابدى استعداداً للمساعدة على ثني دول الخليج عن مقاطعة لبنان والابتعاد عنه، والطلب منها الوقوف الى جانبه ودعمه، صحيح أن المعلومات تحدثت عن ادراك "ماكرون" للموقف السعودي المتصلب حيال لبنان، لكن الصحيح ايضاً أن الديبلوماسية الفرنسية تعمل بعيداً عن الاضواء من اجل "تليين" الموقف السعودي تجاه لبنان، كمقدمة لما سيبحثه "ماكرون" مباشرة مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في لقائهما المرتقب خلال ايام. وقد اكدت مصادر ديبلوماسية اوروبية أن "ماكرون" عازم على مفاتحة محمد بن سلمان في ضرورة اعطاء فرصة للحكومة الميقاتية وعدم سد الأبواب في وجهها حتى ولو كانت هذه الأبواب "نصف فتحة" في بداية الأمر على أن تصبح "فتحة" كاملة في ضوء ممارسة الحكومة ومواقفها لاسيما من المواضيع التي تعتبرها السعودية اساسية لاعادة النظر في موقفها من لبنان وحكومته. قد لا يكون الرهان الفرنسي على تحقيق تقدم كبير في هذا المجال، لكن اي تطور ايجابي في هذا الصدد سيجد صداه الطيب لدى الفرنسيين الذين يدركون أن عمر هذه الحكومة قصير نسبياً بسبب استحقاق الانتخابات النيابية التي تريد باريس أن تتم في الربيع المقبل بمتابعة اوروبية مباشرة كي تكون هذه الانتخابات نزيهة وشفافة، وهذا ما التزمه ميقاتي امام "ماكرون" واعاد التأكيد عليه في اطلالات اعلامية متتالية في باريس وبيروت.

وتعتقد اوساط سياسية في بيروت أن باريس نفسها تعي تماماً حجم التحدي الذي تواجهه بعدما وضعت رصيدها وثقلها وراء ميقاتي لكي يعوضها عن "الخسائر" المعنوية التي منيت بها عندما ضاعت اولى مقدمات مبادراتها ... في الحيلولة دون ولادة حكومة السفير مصطفى اديب، لذلك اعدت باريس "خريطة طريق" فعلية بغية توفير الدعم الذي تحتاج اليه حكومة ميقاتي لكي تنجح وتكون على حجم الامال المعقودة عليها بعد السنوات العجاف التي ما زال لبنان خاضعاً لتأثيراتها السلبية. وفي رأي هذه الاوساط ان لدى العاصمة الفرنسية رصيد دعم جاهزاً ومعداً سلفاً ويتمثل بنتائج مؤتمر "سيدر" خصوصاً اذا ما وفت حكومة ميقاتي بوعدها باجراء الاصلاحات التي يطالب بها المجتمع الدولي وفي مقدمها استئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وهذا ما بدأ ميقاتي بالاتفاق مع الرئيس عون، الاعداد له من خلال تشكيل لجنة لمعاودة هذه المفاوضات يشرف عليها ميقاتي شخصياً، وستكون برئاسة نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي وعضوية وزير المال يوسف الخليل ووزير الاقتصاد امين سلام ووزير الشؤون الاجتماعية هيكتور الحجار وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وعدد من الخبراء يمثلون الرئيس عون والرئيس ميقاتي. وانطلاق عمل اللجنة في مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي سيكون سهلاً خصوصاً أن الجانب اللبناني لم تعد لديه هواجس ومخاوف من الشروط المعلومة التي يطلبها هذا الصندوق سلفاً ليقبل الدخول في هذه المفاوضات، ومنها تحرير سعر صرف الليرة قياساً الى الدولار ورفع الدعم وترشيق القطاع العام، وهي كلها تحققت بحكم الامر الواقع وما حصل من تطورات، والبعض الاخر على طريق التحقيق... فضلاً عن اعادة هيكلة القطاع المصرفي للمساعدة على اعادة انهاضه واستعادة الثقة المفقودة بدوره باعتبار أنه احد ابرز دعائم الاقتصاد اللبناني بل درة التاج فيه تاريخاً وحاضراً. وفي هذا الاطار، ثمة معلومات تناقلها لبنانيون مقيمون في باريس مفادها أن العاصمة الفرنسية خاضت اخيراً مع اقتصاديين مفاوضات بعيدة عن الانظار للتداول في سبل دعم القطاع المصرفي في لبنان وهو مقدمة لما يلي لاحقاً، ولكن كل هذه التطورات، على اهميتها، تبقى خطوات تمهيدية مطلوبة سيكتب لها النجاح والترسخ كلما اتضحت صورة التسويات الكبرى في الاقليم والتي باتت رهن مسار المفاوضات الاميركية – الايرانية التي لاحت بوادر استئنافها اخيراً من جهة العاصمة الإيرانية طهران.