تفاصيل الخبر

هل يتحرك الملف الحكومي المجمّد مع رئيس مكلف غير الحريري؟

17/03/2021
الرئيسان ميشال عون وسعد الحريري...ارتفاع منسوب الخلافات بينهما يعطل تأليف الحكومة

الرئيسان ميشال عون وسعد الحريري...ارتفاع منسوب الخلافات بينهما يعطل تأليف الحكومة

 الملف الحكومي المجمد منذ أشهر، قد يشهد خلال الأيام القليلة المقبلة تحريكاً يؤمل أن يؤدي الى حلحلة تساهم في تسهيل عملية تشكيل الحكومة العتيدة، علماً أن المؤشرات التي تصب في هذا الاتجاه ليست كثيرة لكن القليل منها يمكن أن يحمل في طياته بداية فرج على رغم العقبات التي تواجه عودة التقارب بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري مع ارتفاع منسوب الخلافات بين الرجلين وتزايد الانتقادات الموجهة من بعبدا في اتجاه "بيت الوسط" لاسيما مع استمرار الرحلات الاسبوعية تقريباً الى الخارج التي يقوم بها الرئيس الحريري من دون أن تتوافر معلومات دقيقة عن اهدافها وغاياتها.

 من أبرز المؤشرات التي أوحت بإمكانية تحريك الملف الحكومي، الزيارة التي قام بها مستشار رئيس الجمهورية الوزير السابق سليم جريصاتي الى السفير السعودي في بيروت وليد البخاري بعد انقطاع طويل بين العهد والسفير السعودي الذي لم يزر قصر بعبدا منذ مدة بعيدة، في وقت يكثر من الزيارات الى الافرقاء الذين يعتبرون من "المناوئين" للعهد الرئاسي لاسيما رئيس  القوات اللبنانية، الدكتور سمير جعجع وغيره. زيارة جريصاتي التي اتت على خلفية نقل اعتراض الرئيس عون على مضمون مقابلة تلفزيونية بثتها قناة "أو تي في" للاعلامي غسان سعود وهاجم فيها بقوة النظام السعودي وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لم يقتصر الحديث فيها  على رفض ما أورده سعود ضد المملكة والمسؤولين فيها، بل تجاوز الأمر الى بحث في العلاقات بين لبنان والسعودية عموماً، وبين الرئيس عون والقيادة في المملكة التي شابتها في الآونة الاخيرة سلبيات كثيرة على رغم أن أول زيارة قام بها الرئيس عون بعد انتخابه رئيساً للجمهورية كانت الى الرياض. 

 وما رشح من لقاء جريصاتي - البخاري أوحى بأن ثمة "حلحلة" في العلاقة بين بعبدا والسعودية لم ترتق بعد الى مستوى اعلى من المستوى الديبلوماسي الذي يمثله السفير البخاري الذي رفع تقريراً الى المسؤولين السعوديين عن اللقاء وهو ينتظر "التوجيهات" لتحديد مستقبل مسار هذه العلاقة، لأن السفير البخاري لا يستطيع وحده اتخاذ خطوات متقدمة في اتجاه بعبدا من دون ضوء اخضر من القيادة السعودية العليا التي لا تزال ترى ان التحالف القائم بين الرئيس عون وحزب الله يشكل عائقاً في طريق "تطبيع" العلاقات من جديد بين بعبدا والرياض، والكل يعلم ان موقف المملكة من حزب الله لا يمكن ان يتبدل بسهولة، بل يزداد سلبية يوماً بعد يوم.

 وتقول مصادر مطلعة إن عودة التواصل بين بعبدا والسفارة السعودية في لبنان وضع جانباً ملف العلاقة بين بعبدا وحزب الله لأن هذا الملف ليس موضع نقاش في الوقت الحاضر، بل يتقدمه الملف الحكومي خصوصاً أن ثمة من يعتبر أن أحد اسباب انكفاء الرئيس الحريري عن اعادة تحريك موضوع تشكيل الحكومة، عدم تلقيه اي اشارة ايجابية من الرياض توحي بــ "رضاها" على ان يتولى رئاسة الحكومة بعدما وصلت اليها معلومات مفادها ان الحريري لا يمكن ان يستبعد عن التشكيلة الحكومية ممثلين غير مباشرين لحزب الله، على رغم انه من خلال الاسماء الشيعية التي اوردها في لائحته التي سلمها الى الرئيس عون، اكد انه لم يستشر الحزب بها، بل اختار الاسماء مع قناعته بأنها لن "تستفز" قيادة الحزب لأنها معروفة بحيادها وعدم حزبيتها. لكن العنصر المثير الذي اشارت اليه المصادر نفسها هو ان الرياض لا تزال تعارض ترؤس الحريري الحكومة العتيدة وان البحث يمكن ان يجنح الى شخصية سنية اخرى غيره طالما ان العلاقة بينه وبين الرئيس عون تزداد سوءاً وطالما ان الحريري لا يزال يصر على عدم البحث مع رئيس تكتل لبنان القوي  النائب جبران باسيل في الملف الحكومي ولا في اي ملف آخر وتستمر الحملات الحريرية على باسيل وتحمله مسؤولية عرقلة تأليف الحكومة.

 ازدياد الحملات.... الى طريق مسدود

 ومن مظاهر هذه الحملات، ما قيل إن الرئيس عون ينوي توجيه رسالة الى مجلس النواب لــ "نزع" الوكالة من الحريري على خلفية "فشله" في تشكيل الحكومة واستمرار تنقلاته الخارجية وعدم تواصله مع قصر بعبدا منذ آخر زيارة قام بها بطلب من الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وتشجيع من البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي والتي لم تسفر كما بات معلوماً، عن اي تقدم في اتجاه ولادة الحكومة. وعلى رغم ان بعبدا نفت جملة وتفصيلاً ان تكون في وارد توجيه رسالة الى مجلس النواب لــ "نزع" التكليف من الرئيس الحريري لادراكها بعدم دستورية هذه الخطوة مهما تكاثرت الآراء الاستشارية القانونية في هذا الصدد، الا ان "الحرب" التي تحولت اخيراً من باردة الى بالغة السخونة بين الفريقين، بلغت أوجها في البيانات الدورية، اذ يكاد لا يخلو بيان "تكتل لبنان القوي" او هيئته السياسية من انتقاد الحريري "لاستهتاره في تشكيل الحكومة وامضاء وقته في السفر غير المجدي عوض الانكباب على تذليل العقبات التي تعترض التأليف في الداخل"، فيما يرد "تيار المستقبل" محملاً العهد وفريقه تباعات العرقلة. وازاء هذا الواقع- وفق الرواية عن الرسالة الى مجلس النواب - قرر الرئيس عون الخروج من نفق التفرج على البلاد تنهار في ظل استحالة تشكيل الحكومة مع الرئيس الحريري الى حيث يمكن ايجاد نقطة ضوء تساعد في ازالة المتاريس المرفوعة في وجه سحب التكليف. هذه النقطة تتمثل في طرح استنبطه احد مستشاري رئيس الجمهورية بعد جولات استشارية طويلة، يقضي بتوجيه رئيس الجمهورية رسالة الى المجلس النيابي لنزع الوكالة من الحريري بسبب فشله في التشكيل، وهو حق يكفله الدستور لرئيس البلاد، بدأ إعدادها في الدائرة المعنية في قصر بعبدا، على أن يصار الى ابلاغ رئيس مجلس النواب بالخطوة.

ويبدو أن نفي بعبدا لهذه الرواية لم يكفِ اذ استمر استثمارها سياسياً الى درجة ان ثمة من اعتبر ان التحركات الشعبية التي حصلت خلال الاسبوع الماضي اتت عملياً رداً على خطوة بعبدا وإن لم تتم لكن تحت شعار، اجتماعي وشعبي يتصل بالغلاء ويقول فريق الحكم إن الرئيس الحريري حرك الشارع للضغط على الرئيس عون رداً على ما تسرب عن الرسالة الرئاسية المزعومة الى مجلس النواب والتي نفت بعبدا وجودها. 

 وفي هذا السياق، تقول جهات مطلعة على الموقف الرئاسي إن الرئيس عون لم تخطر بباله مسألة "نزع" التكليف من خلال مجلس النواب، وإن كان بات يشعر بأن امكانية المساكنة مع الرئيس الحريري تكاد تصبح مستحيلة وهذا ما دفعه الى بدء البحث عن خلف للحريري يمكن توفير دعم له محلي واقليمي ودولي، علماً ان هذه المهمة لن تكون سهلة على الاطلاق، خصوصاً اذا ما حصل التفاف سني حول الرئيس الحريري يجعل قبول اي شخصية غيره لترؤس الحكومة العتيدة مسألة غير واردة على الاطلاق. واللافت ما تسرب عن مراجع قريبة من الفريق الحريري عن ربط اعتذار الرئيس المكلف باستقالة الرئيس عون، وهو أمر يبدو مستحيلاً بالنسبة الى بعبدا، وممكناً بالنسبة الى الفريق الذي روّج له خلال الأسبوعين الماضيين ومن أبرز أفراده النائب نهاد المشنوق الذي قال امام عارفيه انه ادلى بهذا الموقف من دون تنسيق مع الحريري، وترد مصادر رئاسية على طرح الاستقالة المتزامنة مع الاعتذار بأن من يروج لمثل هذه المعادلة لا يعرف الرئيس عون مطلقاً ولا هو مطلع على تاريخه، وقد تعمد خلال الاجتماع الاقتصادي والمالي والأمني الذي عقد في بعبدا الاسبوع الماضي، "تذكير"، العالم بأنه لم  يستسلم في الماضي تحت اي ضغط ولم يحصل العالم على توقيعه ولو استطاع سحقه، وهو بالتالي لم يتبدل ولن يقبل بلي ذراعه من أحد!.

 وترى مصادر سياسية متابعة ضمن هذا السياق ان الرئيس عون الذي يواجه في سنته الخامسة في الرئاسة هجوماً من اكثر من جهة، لا يزال يعتمد على قوة حضوره في الشارع المسيحي أولاً ولو تراجعت شعبيته، إلا انه يستند الى حليف في حجم "حزب الله"، ويعرف خصوم رئيس الجمهورية انه لن يغادر قصر بعبدا بسهولة، لكنهم يريدون فرض مزيد من الضغوط عليه من اجل الحصول منه على تنازلات اقله في تأليف الحكومة. وبات من لا يلتقي مع عون يعتبر انه يساهم في الامعان في ضرب الدستور في ظل انعدام التفاهم الداخلي المفقود. فالموجود هو سلطة وليس دولة تمارس أبسط الواجبات المطلوبة منها بعد تهديد مقومات الدولة: التعايش والتوافق بين المكونات، ولاسيما ان كل المؤشرات تتجه نحو الأسوأ على وقع اتساع التحركات الشعبية التي ترى في الأوضاع المعيشية الصعبة، سبباً اضافياً للتحرك ولو كان ذلك احياناً على خلفية سياسية.

نصيحة جنبلاط...

 هذا المشهد المأزوم يضع، في نظر المراقبين الملف الحكومي امام واقع استحالة التوافق بين الرئيسين عون والحريري ما يفرض ضرورة "إزاحة" أحدهما من الواجهة علماً ان "إزاحة" الرئيس عون غير ممكنة دستورياً وسياسياً وواقعياً للأسباب المعروفة، فيما يمكن البحث في "اقناع" الرئيس الحريري بالاعتذار عن الاستمرار في التكليف ضمن مخرج يتم التوافق عليه محلياً واقليمياً ودولياً لوضع حد لاستمرار حالة الفراغ في البلاد والتي تقود الى مزيد من التدهور والانهيار مع استمرار تردي الاوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية والصحية على حد سواء. 

ويؤكد المراقبون ان ظهور حزب لله الداعم الأقوى للرئيس عون وكأنه يقف على الحياد في الصراع بين عون والحريري، ليس بالضرورة الصورة الحقيقية لموقف الحزب الذي يعطي هامشاً كبيراً لدعم عون وهو ليس في وارد الضغط عليه لحمله على التنازل عن مطالبه التي لقيت تفهماً لدى الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله لاسيما مسألة تمثيل النائب طلال ارسلان في الحكومة العتيدة، علماً ان هذه المسألة التي كانت في الأمس القريب عقدة، بدا انها على طريق الحل لاسيما بعد الزيارة التي قام بها قبل ايام النائب ارسلان الى جنبلاط في دارته في كليمنصو في اول لقاء يجمع بين الرجلين بعد قطيعة استمرت طويلاً.

في اي حال، المعطيات التي دلت عن استحالة ايجاد حل للأزمة الحكومية مع الرئيس الحريري، قد تتبدل وتصبح ممكنة ربما من دون الرئيس الحريري... الا ان هذا الأمر دونه صعوبات تحتاج الى "مفاتيح" خارجية قادرة على الضغط على الداخل لإحداث تبديل في المواقف. في الماضي القريب نصح جنبلاط صديقه الرئيس الحريري ان يتخلى عن رئاسة الحكومة ويسلمها الى الفريق الآخر.... فهل تصح نصيحة جنبلاط.. ونبوءته هذه المرة؟!.