تفاصيل الخبر

نيل الحكومة الثقة هل ينسحب على استعادة الليرة مكانتها... ولو تدريجياً؟

28/09/2021
حركة ناشطة للصرافين سواء للشراء أو البيع في الأسبوع الماضي.

حركة ناشطة للصرافين سواء للشراء أو البيع في الأسبوع الماضي.


 أما وقد نالت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي ثقة مجلس النواب باكثرية 85 صوتاً في مقابل لا ثقة من 15 نائباً، فإن الآمال المعلقة عليها كبيرة ومتشعبة ومن الصعب التكهن بمدى قدرة الحكومة على طمأنة اللبنانيين بأن الآتي من الأيام سيكون أفضل، خصوصاً في مجال الخدمات الاساسية والمعيشية والصحية وغيرها. الا ان ما يبقى الهاجس الأبرز عند الناس هو سعر الدولار الذي "يتمرجح" صعوداً ونزولاً علماً ان اللبنانيين كانوا يتوقعون تحسن سعر صرف الليرة وتراجع غلاء الاسعار، لاسيما المواد الغذائية والادوية ومتمماتها. من هنا يبدو السؤال الذي يشغل الجميع: هل ستعود الثقة بالليرة اللبنانية، بعد نيل الحكومة الثقة ومباشرتها العمل وهي كاملة الاوصاف؟ من الصعب الرد بالايجاب على هذا التساؤل المشروع خصوصاً ان الانتعاش الذي سجل بعد ولادة الحكومة على سعر صرف الليرة سرعان ما تراجع مع ارتفاع سعر البنزين والمازوت، وظل الدولار يتحكم بمعظم مفاصل الحياة مع ادراك الناس بأن القفزات الجنونية لسعر صرف الدولار الاميركي بمواجهة الليرة في العامين الماضيين وما رافقها من غلاء فاحش ونقص في الكثير من المستلزمات الحياتية والصحية والغذائية وفقدان القدرة الشرائية للرواتب والاجور، اتت كلها كنتيجة لمجموعة من الاسباب السياسية والاقتصادية، اضافة الى غياب الرؤية الواضحة لدى المسؤولين لتفادي المصير الاسوأ والانهيار التي كانت كل المعطيات تشير الى انه آت لا محالة.

صحيح ان قفزات الدولار تراجعت نسبياً بعد تشكيل الحكومة وحصل تراجع في سعر صرف الدولار وخسارته نحو 20 في المئة من قيمته ازاء الليرة، الا ان صعوده المتدرج يوماً وهبوطه الرمزي يوماً آخر، زادا من قلق اللبنانيين الذين تتسمر غالبيتهم على المنصات الالكترونية لمتابعة سير الدولار صعوداً او نزولاً غير واثقين بامكانية الحكومة تثبيت سعر الورقة الخضراء على ارقام نهائية. على رغم ان بعض المراقبين يتوقع هبوطاً اكثر لسعر الدولار، تقابله مخاوف مراقبين اخرين من  صعود مفاجىء له لاسيما وان لبنان يعيش على صفيح سياسي واقتصادي متحرك من دون قيادة واحدة او خارطة طريق واضحة، ناهيك بالخلافات السياسية بين معظم الاحزاب والكتل ما يرفع درجة التشاؤم ويجعلها تتغلب على درجة التفاؤل. وقد وصل بعض الاقتصاديين والماليين الى حد نصح المواطنين بعدم المبادرة الى بيع دولاراتهم وعدم الدخول في لعبة المضاربة، علماً ان اللبناني لم يعد "غشيماً" وهو بات يميز بين الخيط الابيض والخيط الاسود لئلا يقع في الهاوية بسرعة.

لا إجراءات جدية 

ولم يعد سراً ان موضوع سعر صرف الدولار في السوق الموازية، بدأ يأخذ حيزاً كبيراً من النقاش والتكهنات، في حين ان سعر صرف الدولار لا يخضع للعرض والطلب انما للمضاربة لأن السلطات المعنية لم تتخذ من اندلاع "انتفاضة 17 تشرين" من العام 2019 اي اجراء جدي للجم التدهور وبدء استعادة عافية الاقتصاد اللبناني والنهوض من الازمة، ومن ناحية ثانية ولغاية الاسبوعين الماضيين بقي لبنان لمدة 13 شهراً من دون سلطة تنفيذية بسبب الشلل السياسي والفراغ الحكومي والمناكفات، وتالياً سمح هذا الامر بوجود فراغ حل مكانه المضاربون في السوق الموازية. ويقول خبراء اقتصاديون ان ثمة جهات عدة ادعت ان الدولار سيصل الى مستويات قياسية وان سعر صرف الليرة سيتدهور الى ما فوق الــ 30 الفاً والــ 40 الف ليرة لبنانية، وبعضهم قال ان سعر الدولار قد يصل الى 6 ارقام ما يستدعي شطب اصفار من العملة اللبنانية مستقبلاً، وما ترافق معها من سيناريوات برازيلية وفنزويلية. 

فالملاحظ ان هذه الجهات عينها بدت تتسابق بعد تشكيل الحكومة بالتحليل الى اي مدى سينخفض الدولار في السوق الموازية. وهذا كله من باب التكهنات ويخدم مصلحة المضاربين فقط، وبرأي الخبراء انفسهم يقتضي معرفة سبب وجود السوق الموازية للدولار ومعالجته وعدم الاكتفاء بتحليل ارتفاع او انخفاض سعر الليرة اللبنانية في هذه السوق. علماً ان وجود السوق سببه التراجع الحاد لتدفق رؤوس الاموال الى لبنان منذ العام 2019، والتوقف شبه الكامل لتدفق رؤوس الاموال بعد قرار الحكومة بالتوقف عن دفع مستحقات اليوروبوند في آذار (مارس) من العام 2020 وعدم مفاوضة حاملي هذه السندات، بما ادى الى تبخر الثقة والى تدهور سعر صرف الليرة، ناهيك بأن ظهور السوق الموازية وتراجع سعر صرف الليرة اللبنانية بشكل حاد، يعود الى ايلول من العام 2019 وذلك للمرة الاولى منذ 25 سنة.

الحل بتوحيد سعر الصرف؟

حيال هذا الواقع يبقى السؤال ما الحل لمعضلة تعدد اسعار صرف الليرة والى متى يستمر هذا الوضع الشاذ مع وجود اربعة اسعار للدولار؟ يرى الخبراء الاقتصاديون ان الحل الامثل يكون بتوحيد سعر الصرف في السوق اللبنانية لانه لا يمكن لاي اقتصاد ان ينهض ويكون طبيعيا مع هذا التعدد في اسعار الصرف، وهذا ما لفت اليه صندوق النقد الدولي على صعيد الاجراءات التي يتوقع ان تتخذها الدولة. وفي رأي الخبراء ان على مصرف لبنان ان يضع بالتعاون مع الحكومة ممثلة بوزارة المال هذه الالية وان تقدم من ضمن الخطة الاقتصادية المتكاملة التي يجب على الحكومة الجديدة ان تضعها وتذهب بها الى طاولة المفاوضات على ان يتم الاتفاق بين السلطات اللبنانية وصندوق النقد على تاريخ لتوحيد اسعار سعر الدولار في السوق اللبنانية بعد توقيع الاتفاق مع صندوق النقد وبعد بدء الاصلاحات وتحرير صندوق النقد للاموال المتفق عليها بين الطرفين، وبعد بدء مصرف لبنان تكوين احتياطه بالعملات الاجنبية. وهذه الالية تعود الى سعر صرف الليرة ليحدد بعدها سعر صرف الدولار بحسب العرض والطلب. اما العنصر الاهم، في نظر الخبراء، فيبقى استعادة الثقة والاصلاحات وضخ رؤوس اموال، كي يتمكن مصرف لبنان من التدخل في سوق القطع للحد من التقلبات الحادة لسعر صرف الدولار. وفيما يمتنع الخبراء عن اعطاء اي توقعات عن تحسن او تراجع الليرة اللبنانية خوفاً من خدمة المضاربين، يرون انه من الصعب جدا توقع تحسن سعر الليرة في مقابل الدولار طالما لم تبادر السلطات الرسمية الى الحد من ظاهرة التهريب التي ستبقي الطلب كبيرا على الدولار في السوق السوداء الموازية.

وتستغرب مصادر اقتصادية معنية لجوء البعض الى السوق السوداء رغم وجود منصة مصرف لبنان "صيرفة" علماً ان فارق سعر الصرف بين الجهتين كبير، وتعود وتوضح ان غالبية المتعاملين مع السوق السوداء هم من مبيضي الاموال والمتهربين من الضرائب، وتالياً لا يناسبهم التعامل مع المنصة الشرعية حتى لا ينفضح حجم اعمالهم السابق. وتؤكد المصادر عينها ان ما من سبيل لتعزيز وضع الليرة الا عبر استعادة وتعزيز الثقة بالوضع الاقتصادي والسياسي وتنفيذ الحكومة الجديدة للاصلاحات الكفيلة بجذب الاستثمارات والمساعدات الدولية، وتعزيز ثقة المغتربين لضخ دولارات في البلاد.

وتخلص الى أن "التقلبات الحادة في سعر الدولار لن تهدأ طالما أن السوق الموازية تشهد مضاربات كثيفة، وطالما أن طباعة الليرة مستمرة على نحو كبير لتمويل السحوبات بالليرة اللبنانية من المصارف ولسد عجز الموازنة، وطالما تستخدم الاحتياط الالزامي في مصرف لبنان للدعم وغيره...


العملة اللبنانية... المطلوب سريعاً حل معضلة تعدد أسعار صرفها.

العملة اللبنانية... المطلوب سريعاً حل معضلة تعدد أسعار صرفها.