تفاصيل الخبر

غياب الحريري عن الساحة السياسية "تكتيك" يمهد لعودة "قوية"... أم انكفاء قد يطول؟

28/09/2021
الرئيس سعد الحريري الغائب عن السمع بات في وضع سياسي صعب.

الرئيس سعد الحريري الغائب عن السمع بات في وضع سياسي صعب.


 منذ تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة الجديدة، غاب الرئيس سعد الحريري عن السمع باستثناء بعض "التغريدات" التي يمررها معاونوه على صفحة "تويتر" الخاصة به. صحيح انه مكث بضعة ايام في بيروت، لكن الصحيح ايضاً انه غادر العاصمة اللبنانية و"انقطعت" اخباره فلم يحضر ولادة الحكومة التي اعلن مراراً عن دعمه لرئيسها، ولا حضر جلسة الثقة الاسبوع الماضي، ولا صدرت اي اخبار عن نشاطات له في الخارج حيث سافر اما الى ابو ظبي للقاء عائلته، او الى باريس، والبعض قال الى اسبانيا واليونان لقضاء اجازة مع افراد العائلة.... ومع هذا الغياب كثرت الشائعات والاقاويل عن اسباب غيابه حيناً، وعن رغبته في الانكفاء الموقت احياناً، فيما ذهبت اصوات خصوم الحريري الى حد القول إنه يمر في مرحلة تراجع في الحضور السياسي والتأثير الفعال، وان وجود الرئيس ميقاتي في السرايا بعد  الثقة المريحة نسبياً ستجعل الاضواء تبتعد تدريجياً عن الحريري لتصب كلها على الرئيس ميقاتي كــ "زعيم " سني من دون منازع ينتظره مستقبل واعد داخل طائفته وخارجها، وفي لبنان والخارج على حد سواء....

ولعل ما زاد هذه الانطباعات انتشاراً، تراجع ايضاً حضور "نادي رؤساء الحكومة " عن الساحة، باستثناء اطلالات فردية للرئيس فؤاد السنيورة اثباتاً للوجود، ما جعل لهذا الغياب دلالات وابعاد عما سيكون عليه مستقبل هذا "النادي" الذي استظل لوقت طويل "بيت الوسط" وبات على درب "التقاعد السياسي" مع انتهاء الازمة الحكومية وولادة حكومة ميقاتي وسفر الحريري الى جهة لا تزال غير مؤكدة. حتى ان الرئيس تمام سلام، احد اركان "النادي" لم يكلف نفسه عناء جلسة الثقة النيابية ليمنح عضو "النادي" الرئيس ميقاتي ثقته، فيما لوحظ ان الرئيس السنيورة تعمد الادلاء بتصريح وصف فيه الدولة بأنها "مخطوفة" وان تشكيل الحكومة "لن يحررها" وهي عبارة وجد فيها المراقبون معادلة فعلية مع خطوة حجب الثقة في ما لو كان السنيورة لا يزال نائباً، في المقابل، حظي ميقاتي بمباركة دار الفتوى التي لم يتمكن الحريري في عز تعثره في تشكيل الحكومة، ان يستدرج هذه الدار الى اصطفاف طائفي لصالح معركته. كذلك حظي ميقاتي بغطاء سني آخر من "اللقاء التشاوري" الذي ابعد عن الحكومة العتيدة، ومع ذلك منح اصوات اركانه للحكومة ولرئيسها. وتردد في هذا السياق، ان لقاء جمع الرئيس ميقاتي بالنائب فيصل كرامي عشية جلسة التصويت على الثقة في رسالة واضحة الى الغطاء السني المعارض عادة الذي توافر للحكومة.

نادي رؤساء الحكومة السابقين مغيّب

واذا كان الرئيس ميقاتي ابدى حرصاً متكرراً على ابراز علاقته المتينة بالرئيس الحريري مؤكداً استمرار التحالف معه والتوافق على المبادىء الاساسية التي حددها "نادي رؤساء الحكومة السابقين" في اكثر من مناسبة، فإن استمرار غياب الرئيس الحريري عن البلاد جعل التساؤلات تتزايد عن الهدف من هذا الغياب وعن مدته واسبابه وتداعياته على زعامة رئيس تيار "المستقبل" على رغم ان موسم الانتخابات النيابية لم يعد بعيداً، ومن غير الطبيعي ان يغيب عنه الحريري الذي يطمح الى اعادة تكوين كتلة نيابية عابرة للمناطق والطوائف، في وقت تسجل الاحصاءات واستطلاعات الرأي تراجعاً في الحضور الحريري خصوصاً في الشمال والبقاع، مع استمرار حضوره في بيروت وصيدا. وفي هذا الاطار يستذكر المتابعون لحراك الحريري تجارب سابقة كان يبتعد خلالها الحريري طويلاً عن المسرح السياسي خصوصاً عند خروجه من السرايا لهذا السبب او ذاك ويوردون مثلاً على الغياب الاطول للحريري الذي امتد الى سنوات بعد تولي ميقاتي رئاسة الحكومة العام 2011، الامر الذي ترك فراغاً في تياره وبيئته ما سمح لعدد من منافسيه داخل البيت الحزبي الواحد وخارجه بتوسع ادوارهم ومواقعهم على حسابه. ولفت المراقبين الحملة التي شنتها محطة التلفزيون التابعة لشقيقه بهاء الحريري حول غياب سعد والاسئلة التي طرحتها حول هذا الغياب، ما جعل التساؤلات تدخل البيت العائلي الواحد على نحو ملفت يلاحظه متتبعو هذه المحطة التي تكثر من توجيه الانتقادات الى مواقف شقيق صاحبها وخياراته السياسية "غير الواضحة وغير المبررة" على ما ورد في احدى مقدمات نشرات الاخبار التي تبثها المحطة .

تطمينات "بيت الوسط"

في المقابل، هناك من يستبعد كلياً ان يكرر الحريري السيناريو المجرب وان يكون قد استخلص الدروس من تبعات الانكفاء السابق. وما يعزز هذا الاقتناع بعد اشهر قليلة اختباراً سياسياً قد يكون وجودياً بالنسبة اليه، ويتمثل في الانتخابات النيابية المقبلة. صحيح انها ليست اول انتخابات يخوضها الحريري، ولكنها هذه المرة تبدو له اقرب الى مسألة حياة او موت بالمعنى السياسي للكلمة، لاسيما وان خصومه، وحتى بعض المراقبين الحياديين، يعتبرون انه انتهى سياسياً ربطاً بالعوامل الآتية:

- اخفاقه في تشكيل الحكومة ونجاح ميقاتي في هذه المهمة.

- الصعوبات المالية المتراكمة التي يواجهها نتيجة الانتكاسات في اعماله التجارية، خصوصاً افلاس شركة "اوجيه" وما رتبه ذلك من تداعيات حادة على قدراته المادية.

- مشكلته الظاهرة او المستترة مع السعودية التي كانت الداعم الاساسي له في مراحل العز.

- الدور الصاعد لبهاء الحريري الآخذ في التمدد لبنانياً عبر انشطة اعلامية وخيرية تستفيد من تراجع نفوذ "تيار المستقبل" بل حتى "حزب الله" تمكن اخيراً من تحقيق خرق لافت في معقل التيار في منطقة عكار حيث قدم مساعدات مالية الى اهالي ضحايا انفجار التليل.

فتختلف القراءة والمقاربة حيث يعتبر القريبون منه ان هناك تضخيماً للعوامل المشار اليها ومبالغة في تقدير اثرها في مستقبل سعد الحريري السياسي. ووفق معلومات هؤلاء، فإن "الحريري موجود خارج لبنان لفترة قصيرة من اجل متابعة بعض الاعمال التي كانت مجمدة خلال فترة تكليفه" وهو يواكب الاوضاع الداخلية ويعقد اجتماعات عبر تقنية الــ "زوم" مع مساعديه في بيروت للبحث في شؤون سياسية واخرى تنظيمية على ان يعود قريباً الى قواعده في لبنان وبالتالي لا قرار بالانكفاء والابتعاد كما يروج البعض.

ويؤكد المطلعون على ما يدور في خاطر الحريري انه لا يخشى الانتخابات النيابية المقبلة، بل يثق في ان الناس سينصفوه  مع التشديد على انه يحترم في اي حال خيارات الناخبين، اياً تكن. ويلفت هؤلاء الى ان القاعدة الشعبية للحريري تتفهم واقعه المالي، وعلاقتها به تجاوزت اصلاً هذا الاطار الى البعد الاوسع، انطلاقاً مما يمثله كخيار سياسي وكحامل لارث والده بكل ما يرمز اليه من اعمار ونهوض وازدهار وعلم. ويهزأ المحيطون بالحريري من مقولة إنه انتهى سياسياً وشعبياً، مشيرين الى ان من يروج لها لا يعرف طبيعة الصلات التي تربط رئيس "المستقبل" بالناس، وصناديق الاقتراع ستفاجئهم بنتائجها. اما حكومة ميقاتي التي ولدت على انقاض تكليف الحريري، فإن اللصيقين برئيس "المستقبل" يتفادون اعطاء انطباع ايجابي عنها، مكتفين بالتشديد على ان الحريري كان قد تمسك خلال فترة تكليفه بتشكيل حكومة اختصاصيين غير حزبيين تنسجم مع المبادرة الفرنسية. وعندما تستفسر عما اذا كانت هذه المواصفات تنطبق على وزراء حكومة ميقاتي يأتي الجواب ملتبساً كالاتي: اسأل ميقاتي عن وزرائه..."

وضع الحريري "صعب"

ويرى مراقبون حياديون ان الحريري بات في وضع سياسي صعب في خضم الاحداث المتلاحقة التي طوقته بعدما "نجح" رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل في ابعاده عن السرايا الكبير، فضلاً عن علاقته التي لم تعد طبيعية مع حزب الله، والوعرة احياناً مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط حيث لا تحالف ثابتاً معه ولا خصومة دائمة، لكن "البعد جفا" كما يقول المثل العامي، فضلاً عن العلاقة شبه المقطوعة مع رئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع وان كان الطرفان يقولان الحقيقة في هذا المجال بعد سلسلة الاخفاقات التي ميزت هذه العلاقة على مر السنوات، ناهيك عن "القطيعة " الثابتة مع الرئاسة الاولى، والابتعاد عن رؤساء الحكومة السابقين، والفراق السعودي الظاهر بشكل واضح مع تصفية أملاكه وبيعها بالمزاد العلني في السعودية وعدم نجاح الوساطات التي حصلت لاعادة المياه الى مجاريها بين الحريري وولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان، وهذه الاضطرابات امتدت ايضاً الى اسرة الحريري ....

فهل سيكون انكفاء الحريري عن الساحة اللبنانية طويلاً، ام انه تراجع موقت لعودة اقوى قبيل بدء الموسم الانتخابي؟ سؤال لا يملك أحد الإجابة عنه... في الوقت الحاضر على الأقل!.