تفاصيل الخبر

بري "العراب المقنع" يريد للحكومة أن تنجز خلال 3 أشهر قبل الدخول في "مدار الانتخابات"

28/09/2021
الرؤساء ميشال عون ونبيه بري ونجيب ميقاتي.. التعاون ضروري بينهم لنجاح الحكومة.

الرؤساء ميشال عون ونبيه بري ونجيب ميقاتي.. التعاون ضروري بينهم لنجاح الحكومة.


 اذا كان لا يحلو للبعض أن يطلق على الرئيس نبيه بري توصيف "عراب ولادة الحكومة"، خصوصاً أنه لم يجاهر علناً بهذا الدور، إلا أن الذين واكبوا ولادة الحكومة الميقاتية يعرفون جيداً كيف أن "أبو مصطفى" وضع لمساته على التركيبة الحكومية تارة من اجل الاسراع في ولادتها، وتارة اخرى لدعم الرئيس ميقاتي في اعتراضه على أسماء قدمت اليه للتوزير ولم يكن ليقبل بها، وتارة ثالثة في "المونة" على بعض القيادات السياسية للقبول باقتراح ما او لرفض اقتراح آخر، لاسيما في اطار توزيع بعض الحقائب، وليس سراً ان الرئيس ميقاتي كان كلما "انحشر" يلجأ الى عين التينة لتساعده في ايجاد مخرج ما، او في سحب "أرنب" يكون مفيداً لتسهيل الحل او تعقيده ربما.... صحيح ان الرئيس بري يعرف كيف ومتى واين يتدخل، لكن الرئيس ميقاتي يدرك هو الآخر ان وقوف رئيس مجلس النواب الى جانبه مكنه من تذليل الكثير من العقبات التي كانت تلوح من حين الى آخر في مسيرة التشكيل، خصوصاً في مراحلها الاولى....

و"حاجة" ميقاتي الى بري وهندساته لن تقتصر فقط على مرحلة تشكيل الحكومة، بل تنسحب على ما بعد التشكيل، لأن اي خطوة اساسية للحكومة تحتاج الى موافقة مجلس النواب، ومن غير بري يملك القدرة على إدارة المجلس وجلساته وفق المرغوب، فيسهل الأمر على الحكومة عند اللزوم، ويعقدها عند الاقتضاء وفق المعطيات التي تتكون امامه، او حسب ما يراه هو مناسباً، خصوصاً ان لا شيء بــ "الجملة" عند بري، بل كل شيء بــ "المفرق"... لكن الدعوة التي اطلقها بري وهو يغادر قصر بعبدا قبل تلاوة مراسيم تشكيل الحكومة "حيّ على خير العمل" كانت معبرة ولخصت ما يطلبه رئيس السلطة التشريعية من رئيس السلطة التنفيذية، اي العمل لتعويض ما فات خلال الاشهر العشرية التي بقيت فيها البلاد من دون حكومة فعلية، بل حكومة تصريف للاعمال لم تكن على وفاق تام مع رئيس المجلس الذي لم "يرحمها" في انتقاداته المباشرة وغير المباشرة. 

من هنا يدرك الرئيس ميقاتي ضرورة البقاء على تواصل مع الرئيس بري وعلى علاقة متينة لأن من خلاله، وحده، يمكن تمرير الاصلاحات في مجلس النواب، والتدابير الاخرى على المستوى الوزاري، لأنه - أي بري - قادر على تعطيل قدرة الحكومة على الانتاج ساعة يشاء. وهذا ما ادركه الرئيس ميقاتي منذ اللحظة الاولى عندما سأله احد معاونيه ان ثمة رغبة من مرجعيات سياسية ان تعطى الحكومة صلاحيات تشريعية استثنائية كي تتمكن من تحقيق الانجازات المطلوبة.... فسارع ميقاتي الى القول إن هذا الأمر غير وارد في حساباته طالما ان التعاون مع الرئيس بري قائم ويمكنه من خلال ذلك، تحقيق كل ما هو مطلوب الوصول اليه في الصلاحيات التشريعية الاستثنائية... علماً ان ميقاتي يعرف ان بري اتخذ بعد اتفاق الطائف ومنذ ترأس مجلس النواب ولا يزال، موقفاً ثابتاً ان لا صلاحيات استثنائية للحكومات مهما كانت الاسباب والاهداف.

واذا كان ميقاتي مطمئن الى "التعاون" بينه وبين الرئيس بري على الصعيدين الشخصي والدستوري عملاً بمبدأ الفصل بين السلطات وتعاونها، فإن بري يقابله بالمثل فهو يثق بحماسة رئيس الحكومة للعمل والانجاز السريع، ويثني على اصراره على ان يتصدى لمهمته الصعبة. ويعتبر ان باب الانجازات السريعة ليس مقفلاً، بل هو مفتوح على مصراعيه وليس ما يبرر التأخر في ذلك تحت اي سبب او عنوان . وفي هذا السياق يقول بري إن ميقاتي متحمس، ويجب الا نغفل ان للرجل مروحة اتصالات خارجية قوية ومهمة يمكن استثمارها، والبناء عليها، لما يحقق مصلحة لبنان. ونأمل ان يتحقق خير من زيارته الى باريس انما لا اريد ان استبق الامور، بل فلننتظر ان كان "الفول سيصير في المكيول"، وامام زواره لا يقول بري انه متفائل او متشائم، على رغم ان المناخ العام يميل الى التفاؤل اكثر، فالمهم في رأيه "ان يرى الناس نتائج سريعة على الارض، والحكومة وعدت بذلك، وليس امامها خيار سوى ان تنجح في ذلك". ويضيف ان الانقاذ الشامل هو المطلوب، ووفق برنامج عمل يكبح الازمة ومتفرعاتها، ويعيد بناء ما تهدم، باصلاحات ضرورية على المستويات كافة بدءاً من الكهرباء الى المالية العامة ومكافحة الهدر والفساد واستعادة الاموال المنهوبة والمهربة، وما الى ذلك من العناصر المفاقمة لأزمة اللبنانيين، الا ان للضرورة احكامها، فالانقاذ الشامل لا يتم بكبسة زر، ولا بفترة زمنية قصيرة، بل يتطلب وقتاً طويلاً، الا ان الحكومة المطلوب منها انجازات سريعة، باتت محكومة لعامل الوقت الضيق امامها، لاصطدامها بالمرحلة التحضيرية للانتخابات النيابية.

ثلاثة أشهر.. و"أجندة إنجازات"

 لا يخفي بري امام زواره ان عامل الوقت مهم خصوصاً بعد الفراغ الذي عاشه لبنان في عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية، وثمة اولويات كثيرة لا بد من مقاربتها حكومياً لأن الوقت بات ضاغطاً، وهو- اي بري- يحدد مهلة ثلاثة اشهر فقط لتحقق الحكومة انجازات، اي الى آخر السنة الجارية، لأن الفترة التي ستلي ذلك سيدخل لبنان فيها مرحلة التحضير للانتخابات النيابية التي صارت على الابواب وكل الاطراف والمكونات السياسية وكذلك الحكومة ومجلس النواب، ستنهمك في هذه الانتخابات ولن يكون في مقدور احد ان يفعل شيئاً او يقوم بأي عمل لأن البلد سيكون دخل في "مدار" الانتخابات والمناخات الشعبية صارت في امكنة اخرى.... لذلك يقول بري امام زواره، ان على حكومة الرئيس ميقاتي ان تعتمد برنامجاً عاجلاً للاشهر الثلاثة المقبلة التي يقول بري عنها إنها "أشهر الإنجاز" في ملفات اساسية وحيوية تطمئن اللبنانيين القلقين، ولو كان هذا التطمين تدريجياً. وعندما يسأل بري عن "الاجندة" التي يضعها للحكومة خلال الاشهر الثلاثة التي اعتبرها "اشهر الانجاز" يجيب ان اولها موضوع الكهرباء بحيث يجب على الحكومة وضع هذا القطاع كبند اول في جدول عملها، بحيث تسلك الطريق الذي تضع هذا القطاع على سكة الحل والمعالجة والذي كان واجباً سلوكه منذ سنوات طويلة، اي المبادرة السريعة نحو التحضير الجدي لبناء معامل كهرباء جديدة، وتطمئن اللبنانيين فعلاً بأنه سيصبح لديهم كهرباء ولو بعد فترة. ويقترح بري للتعجيل في هذا الامر ان يستخدم مبلغ المليار و100 مليون دولار التي تلقاها لبنان مؤخراً من صندوق النقد الدولي في سبيل بناء معامل الكهرباء، علماً ان الشركة الالمانية "شيمنز" سبق لها ان قدمت عرضاً لبناء معملين للكهرباء بكلفة 700 مليون دولار.... وبالتوازي مع هذا التحضير، تبادر الحكومة الى العمل الدؤوب والفاعل لزيادة التغذية والتخفيف من ساعات التقنين ما امكن، والشروع فوراً في حسم البند الاصلاحي المنتظر والمتمثل بتعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء (وهو احد شروط سيدر)، وكذلك تعيين مجلس ادارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان.

وثاني هذه الاولويات ان تسارع الحكومة الى العمل على تحقيق الاستقرار النقدي وضبط سعر الدولار ومنع تفلته والتلاعب فيه ووضع حد للسوق السوداء، وثالثها مبادرة الحكومة سريعاً الى انهاء المشهد المأساوي الذي يتجلى في وقف طوابير اذلال المواطنين امام محطات المحروقات، وتوفير مادتي البنزين والمازوت. اما رابع الاولويات فهو مبادرة الحكومة الى تصحيح الاجور، بالشكل الذي يريح الموظفين ويعزز القدرة الشرائية لرواتبهم التي تآكلت، وفي الوقت نفسه لا يرهق الخزينة. 

ويؤكد بري ان تطبيق هذه البنود الاربعة من شأنه ان يحل جوانب اساسية من الازمة، ويضعها فعلاً على سكة الانفراج، ويشدد في الوقت نفسه على جهوزية المجلس النيابي لدعم الحكومة في كل مجال وهو قال لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون وللرئيس ميقاتي خلال اللقاء الثلاثي في بعبدا يوم صدور مراسيم تشكيل الحكومة إن المجلس النيابي حاضر لكي يكون مستنفراً 24 على 24 لمساعدة الحكومة ومواكبة عملها بكل ما تطلبه لتسهيل مهمتها، وتمكينها من النجاح وتحقيق الانجازات المطلوبة منها. ولكن هناك من يطالب بإقرار قوانين، وهذا ما يجب ان يحصل.... ولكن ما يجب ان يكون معلوماً هو ان العمل الذي يقوم به مجلس النواب في اقرار القوانين، يجب ان تكون له تتمته من خلال تطبيق القوانين التي يقرها بحذافيرها من دون اي ابطاء، وليس ان يقر قوانين ثم تعطل وتوضع في الادراج. علماً ان بري يتمسك بموقفه لجهة ضرورة وضع قوانين صدرت سابقاً موضع التنفيذ من خلال اصدار مراسيم تنظيمية لها وهي مرتبطة بمعظمها باصلاح ومكافحة الفساد.

وتؤكد مصادر حكومية مطلعة، ان "اجندة " الرئيس بري تلقى لدى الرئيس ميقاتي كل تجاوب وهو سيعمل على ان تكون منسجمة مع الاولويات التي حددها وتفاهم في شأنها مع رئيس الجمهورية الذي يرغب في ان يكون التعاون معه كاملاً ومستنداً على ثقة متبادلة تنسحب ايضاً على رغبته في ان تصبح العلاقة بين الرئيس عون وبري اكثر ايجابية لأنه مؤمن بأن تعاون الرؤساء الثلاثة اثبت في الماضي ايجابيته ويمكن بالتالي تكراره مع علمه اليقين بضرورة بذل جهد لتقريب وجهات النظر بين بعبدا وعين التينة لأن تداعيات التباعد بين المقرين ليست بالامر السهل. لكن ميقاتي يسارع الى القول إنه لا يريد إحياء ما كان يعرف بــ "الترويكا" لأن سلبياتها كانت اكثر من ايجابياتها، لذلك فهو سيركز على الايجابيات ويعمل على اسقاط السلبيات، وهو قادر على ذلك لأن الثقة به من الرئيسين عون وبري كفيلة بالوصول الى هذا الهدف....