تفاصيل الخبر

هل يؤثر التوتر الأميركي - الفرنسي المستجد على الدعم الخارجي الموعود لحكومة ميقاتي؟

22/09/2021
الرئيس نجيب ميقاتي يتلو البيان الوزاري لحكومته.

الرئيس نجيب ميقاتي يتلو البيان الوزاري لحكومته.


 بأكثرية 85 صوتاً ومعارضة 15، نالت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي ثقة مجلس النواب الاثنين الماضي، لتبدأ صفحة جديدة من صفحات العمل الحكومي في ظروف غير طبيعية نتيجة الانهيار الاقتصادي والمالي والمعيشي الذي تمر به البلاد... جلسة الثقة لم تكن مماثلة لجلسات سابقة فقد شاءها الرئيس نبيه بري سريعة وفي يوم واحد، وكان له ما أراد: الرئيس ميقاتي لم يكمل تلاوة البيان الوزاري على أساس أنه وزع على النواب ويفترض انهم قرأوه بامعان - مبدئياً، وبعض الكتل إرتأت بأن يكون لها متحدث واحد في الجلسة، في حين امتنعت كتل أخرى مثل "القوات اللبنانية" وبعض المستقلين. لكن الجلسة التي بدأت متأخرة ساعة عن موعدها لانقطاع التيار الكهربائي وعدم وجود مازوت لادارة المولد الخاص بقصر الاونيسكو والذي كان معطلاً اصلاً فتم اصلاحه، ولعدم تمكن مؤسسة كهرباء لبنان من مد التيار الى المقر الموقت لمجلس النواب... انتهت في التاسعة ليلاً بالتصويت برفع الايدي بوجود 100 نائب بمن فيهم الرئيس بري والرئيس ميقاتي.

قد يكون من باب اضاعة الوقت الكتابة عن مداولات جلسة الثقة، او التوقف عند الكلمات التي القاها عدد من النواب نظراً لما تضمنته من تكرار اولاً، ومن خروج عن الهدف اي مناقشة البيان الوزاري، فضلاً عن استخدام بعض النواب لمنبر جلسة الثقة لمخاطبة "ناخبيهم" ذلك ان الجلسة نقلت مباشرة على الهواء، وهي الاخيرة التي ستنقل مباشرة قبل حلول الموسم الانتخابي مع مطلع السنة الجديدة.... لذلك اكثر المتحدثون من كلمات "إثبات الوجود" في رسائل الى ناخبيهم، انهم ما زالوا "هنا" يتحدثون عن اوجاعهم ومطالبهم وآمالهم وتطلعاتهم... وغضبهم. ولولا المشادة التي وقعت بين رئيس  "تكتل لبنان القوي" النائب جبران باسيل، ونائب رئيس المجلس ايلي الفرزلي، ولولا المداخلات الاعتراضية للنائب علي عمار رداً على منتقدي حزب الله للمازوت الايراني، لمرت الجلسة في روتين عادي خرقته مداخلتان مميزتان، الاولى للنائب باسيل، والثانية لرئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد. وبذلك نجح الرئيس بري - كالعادة - في ضبط ايقاع جلسة الثقة التي اختتمها الرئيس ميقاتي بكلمة ارضى فيها النواب وملاحظاتهم، وإن كان بينه وبين نفسه، كان يعتبر بعض هذه المداخلات "سطحية وسخيفة"....

وهكذا انتهت "سكرة" الثقة وأتت "فكرة" ما بعد الثقة حيث الاستحقاقات كثيرة والوعود كثيرة والآمال كبيرة، من الاصلاح الاقتصادي الذي له الأولوية، الى التدقيق المالي الجنائي الذي يريده رئيس الجمهورية اولوية ايضاً، الى التفاوض مع صندوق النقد الدولي وخطة التعافي الاقتصادي والتحقيق في انفجار مرفأ بيروت... وصولاً الى الانتخابات النيابية في آخر عمر الحكومة، مبدئياً، في ايار (مايو) المقبل. هذه الاولويات التي تشكل التحدي الاكبر الذي سيواجه الرئيس ميقاتي مع وزرائه "الاختصاصيين" لن يكون من السهل مقاربتها تحت طابع العجلة، كما يرغب البعض، ومشوار الحكومة الميقاتية لن يكون سهلاً، ليس بسبب وجود معارضة قوية "ناطرة ع الكوع" بل بسبب حاجة الوزراء الجدد - او معظمهم على الاقل - الى اشهر عدة كي يتعرفوا على وزاراتهم ويعملوا لتحقيق شعار الحكومة "معاً للانقاذ" الذي حل مكان الشعار الاول "العزم والأمل" بعد اعتراض رئيس الجمهورية عليه لأنه حمل ايحاءات حزبية، ذلك ان "العزم" هو عنوان تيار الرئيس ميقاتي، و"الأمل" هو اسم الحركة السياسية التي يرأسها رئيس مجلس النواب الشريك الاول والاقوى مع ميقاتي في تشكيل الحكومة. وسيكون على الرئيس ميقاتي ان يتدخل في "كل شاردة وواردة" مع وزرائه الجدد لاسيما وان بعض هؤلاء بدا في جلسة مجلس الوزراء التي اقرت صيغة البيان الوزاري "خارج السمع"، عن جهل ربما للعبة السياسية والحنكة الوزارية، او عن عدم امتلاكه القدرة على التعبير او إبداء الرأي!.

ماكرون استضاف ميقاتي

لكن الرئيس لا يتكل عملياً على "اختصاص" وزرائه، ولا حنكة بعضهم، بل يرتكز على اكثرية نيابية ممثلة في الحكومة "خير تمثيل" تقيه شر المعارضة غير الفعالة، لأنها معارضة صوتية فحسب. ما يتكل عليه ميقاتي، اضافة الى الدعم الداخلي الواسع، هو الدعم الخارجي، وفي المقدمة دعم "صديقه" الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي تابع عملية تأليف الحكومة أول بأول، وكان له الرأي في عدد من اسماء المرشحين لدخول الجنة الحكومية، وطبيعي والحالة هذه، ان تكون اول زيارة عمل قام بها الرئيس ميقاتي الى باريس يوم الخميس الماضي بدعوة من الرئيس ماكرون الذي استضافه الى مأدبة غذاء، ظهر الجمعة في قصر الايليزيه في لفتة لها اكثر من معنى وسط معطيات عن رغبة "ماكرونية" بتنظيم مؤتمر رابع لدعم لبنان، او تفعيل مؤتمر "سيدر" بالتعاون مع الاوروبيين الذين يمون عليهم ماكرون الذي وعد ميقاتي ايضاً بأن يتحرك صوب دول الخليج ولاسيما المملكة العربية السعودية التي لم تبارك رئاسة ميقاتي وغابت عن  "السمع" كي لا تبدي اي موقف رسمي يرحب بولادة الحكومة، وغيبت سفيرها في بيروت وليد بخاري عن العاصمة اللبنانية بعدما استدعته على عجل الى الرياض. ولعل الاختبار الابرز سيكون في مدى "مونة" ماكرون على دول الخليج لتنضم الى الدول الداعمة للحكومة الجديدة والمسهلة لعملها، لاسيما وان الموقف الخليجي معروف بسلبيته من وجود وزراء يمثلون حزب الله في الحكومة الذي لا يترك أمينه العام السيد حسن نصر الله مناسبة إلا ويهاجم القيادة السعودية وعدداً من دول الخليج... والولايات الاميركية المتحدة التي قيل انها "فوضت" الى ماكرون معالجة الملف الحكومي اللبناني لانشغالها في ملفات اخرى ابرزها ملف افغانستان وخروجها غير الطبيعي منها.

تداعيات الخلاف الفرنسي - الأميركي

لكن ثمة مفارقة اساسية تتمثل بأن ولادة حكومة ميقاتي كانت بتوافق فرنسي - اميركي انطلق مع تسلم الرئيس جو بايدن زمام القيادة الاميركية بحيث نشأ تنسيق واضح بين وزيري الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان ونظيره الاميركي بلينكن منذ اللقاء في ايطاليا بمشاركة وزير الخارجية السعودية. الا ان الوفاق الفرنسي الاميركي تعرض في الاسبوع الماضي لنكسة كبيرة تحولت الى توتر نتيجة قرار استراليا الغاء صفقة شراء غواصات من فرنسا بتشجيع اميركي، الامر الذي جعل الاوساط السياسية اللبنانية تبدي تخوفاً من انعكاس ذلك التوتر على ادارة الملف اللبناني، خصوصاً ان باريس تطمح ايضاً بالفوز باستثمارات في لبنان، وواشنطن تتطلع ايضاً الى الهدف نفسه، ما سيحدث منافسة واضحة بين الدولتين خصوصاً اذا ما تفاقم التوتر بينهما، لاسيما وان لواشنطن القدرة على "الخربطة" على الدور الفرنسي من خلال حلفائها في الداخل اللبناني وفي الخارج ايضاً وخصوصاً دول الخليج. وثمة من يرى ان مقاربة الجانبين الاميركي والفرنسي للملف اللبناني ليست مقاربة "التزام"، وثمة خشية من ان يؤدي التدهور في العلاقات الاميركية الفرنسية الى مضاعفات على الساحة اللبنانية. الا ان ثمة خبراء يرون ان هذا التدهور لا يعني انقطاع التواصل والتنسيق بين الجانبين، لا بل يشير الى ان الهدف من المواقف الفرنسية العالية السقف قد يكون الوصول الى تسوية، ويؤكد انه في نهاية المطاف ستكون هناك تسوية ما بين الجانبين، خصوصاً ان المصالح المشتركة بينهما موجودة في اكثر من ساحة، وبالتالي قد يكون هناك ليونة من واشنطن في الملف اللبناني لارضاء باريس الغاضبة حالياً.

ولا بد من التوقف ايضاً عند ما تضمنه القرار الصادر عن البرلمان الاوروبي بشأن لبنان، في الاسبوع الماضي، حيث دعا الى تقديم المزيد من المساعدات الانسانية، لكنه طالب بتقديمها من خلال كيانات اخرى غير الكيانات العامة (الدولة)، مثل المنظمات غير الحكومية المعروفة ومنظمات المجتع المدني. ما يؤشر الى استمرار عدم الثقة بالسلطات الرسمية اللبنانية، بحسب المصادر المتابعة، الامر الذي ينبغي التوقف عنده مطولاً، خصوصاً ان البلاد على مقربة من موعد الانتخابات النيابية المقبلة. ذلك ان الدول الاوروبية ليست في وارد تقديم "شيك على بياض" في التعامل مع السلطة اللبنانية وان كانت الجهات الدولية مضطرة الى التعامل مع الامر الواقع القائم، اي القوى السياسية المنتخبة، والتعاون سيكون على اساس جدول اعمال وخارطة طريق سيكرسها صندوق النقد الدولي. علماً ان البرلمان الاوروبي يصدر توصيات ليست ملزمة للسلطات التنفيذية في الاتحاد، وفرنسا ستتسلم في الفترة المقبلة رئاسة الاتحاد الاوروبي، الامر الذي من المفترض ان ينعكس ايجاباً على علاقة الاتحاد بشكل عام مع لبنان.

مع صندوق النقد أولوية

في اي حال، "الحمل" سيكون ثقيلاً على الرئيس ميقاتي الذي نجح في اقامة علاقات جيدة مع الرئيس عون وصهره النائب جبران باسيل ما سيجعله مرتاحاً الى ان خاصرته الداخلية ستكون آمنة، في حين عليه ان يتحرك خارجياً،عربياً غربياً ـ طلباً للمساعدة، فضلاً عن قيادة التفاوض مع الهيئات والصناديق الدولية للاتفاق على اقرار الاصلاحات، فيما هو يتطلع الى اعادة المياه الى مجاريها بين لبنان ودول الخليج وفي مقدمها المملكة العربية السعودية، وهو امر يتحدث القريبون من ميقاتي، انه لن يكون مستحيلاً كما كان الوضع بالنسبة الى الرئيس سعد الحريري، وهو - اي ميقاتي - اذا ما دق الابواب الخليجية قد يجد بعضها مفتوحاً امامه خصوصاً اذا مهد ماكرون له الطريق، وعندما اختار ميقاتي شعار "معاً للانقاذ" لحكومته لم يقصد بـ"معاً" الاطراف اللبنانيين فقط، بل قصد ايضاً الاطراف الخارجيين الذين يعول عليهم في مهمته الجديدة والدلائل الاولية ستكون عندما يبدأ التفاوض مع صندوق النقد الدولي الذي تتمتع الولايات المتحدة الاميركية بتأثير فعال فيه.... لذلك يعتزم ميقاتي الانطلاق في مفاوضاته من توجهات محدثة عنوانها تغيير منهجية الصدام غير المبرر مع قيادات صناديق الدعم، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، خلافاً لما حصل مع حكومة الرئيس حسان دياب، والخطوة الاولى ستكون في تسمية اللجنة الوزارية المختصة للتفاوض مع ادارة الصندوق المرجح ان يترأسها نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي وتضم وزير المال يوسف خليل، ووزير الاقتصاد امين سلام، ووزير الطاقة وليد فياض، ووزير الشؤون الاجتماعية هيكتور حجار، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، مع امكانية ضم اعضاء رديفين ومعنيين من وزراء ومسؤولين اضافيين من القطاعين العام والخاص عند الاقتضاء وبحسب موضوعات جدول اعمال الجلسات الذي سيتم وضعه وتنسيقه مع ادارة الصندوق.

ومع التزام الحكومة المعلن والمرتقب خلال دخوله حيز التنفيذ خلال اسابيع قليلة وبما لا يتعدى الشهر باستئناف التفاوض مع صندوق النقد الدولي للوصول الى اتفاق على خطة دعم من الصندوق تعتمد برنامجاً انقاذياً قصيراً ومتوسط الأمد ينطلق من خطة التعافي بعد تحديثها ويتزامن مع المباشرة بتطبيق الاصلاحات في المجالات كافة والتي باتت معروفة ووفقاً للأولويات الملحة بما يحقق المصلحة العامة، ردت ادارة الصندوق التحية بالافصاح عن حصول بعض الاتصالات الودية مع اعضاء في الحكومة وابلاغهم بالاستعداد للانخراط والتأهب للتعاون في المفاوضات المشتركة.

وفي تقييم مسبق لهذه التوجهات، قدرت مؤسسة "موديز" للتصنيف الائتماني، ان تشكيل الحكومة يشكل خطوة اولى فقط نحو ايقاف الانهيار الاقتصادي واعادة هيكلة الدين ونقل البلاد نحو نموذج نمو اكثر استدامة يركز على الانتاج المحلي لكنها نوهت في احدث تقرير لها، الى ان وضع لبنان السيء قد تفاقم نتيجة استنزاف احتياطياته بالعملة الاجنبية مع اشتراط صندوق النقد الدولي تنفيذ اصلاحات عدة قبل الافراج عن اي مساعدات بحيث تتضمن هذه الاصلاحات تطوير انظمة الحوكمة والبدء بالتدقيق في حسابات مصرف لبنان والمؤسسات التابعة للدولة وتصحيح المالية العامة عبر إعادة هيكلة الدين وإلغاء تعدد أسعار الصرف وتطبيق قيود رسمية على تحويل الرساميل.

وفي تقريره الخاص عن لبنان، لاحظ "بنك اوف اميركا" ان تشكيل الحكومة الذي طال انتظاره وانهى 13 شهراً من الفراغ، سيؤمن بعض الاستقرار الاقتصادي ويتيح الفرصة للبدء بمحادثات مع الدائنين الدوليين. بيد ان وجود عوامل كالسجل التاريخي الضعيف وقرب الانتخابات النيابية والتأثير القوي للطبقة السياسية قد يطيح فرص القيام بإصلاحات جوهرية كما ان انهماك الحكومة بالتحضير للانتخابات المقبلة قد يخفف من فرصة انجاز اتفاق شامل مع صندوق النقد، غير ان هذه الوتيرة قد تتسارع بعد هذا الاستحقاق مع التنويه بأن تعيين المدير التنفيذي السابق للعمليات المالية في مصرف لبنان كوزير مالية قد يساعد في توحيد وجهات النظر بين وزارة المالية والبنك المركزي حيال المفاوضات مع الصندوق.

وفي السياق عينه، ورغم اجواء التفاؤل التي رصدها معهد التمويل الدولي في احدث تقرير له حول تشكيل الحكومة، فقد حذر بدوره من تبعات عدم اليقين حول امكانية التوصل الى اتفاق مع الصندوق لانتشال الاقتصاد من ازمته الحالية، مشيراً الى ان الحكومة قد تفشل في تنفيذ الاصلاحات الاقتصادية والمالية الاساسية، ومؤكداً ان بنود اعادة الهيكلة المقترحة في الخطة السابقة للميزانيات العمومية للبنوك التجارية ومصرف لبنان، بما في ذلك توزيع الخسائر، بحاجة الى اعادة نظر وتوصل الى اتفاق بين الحكومة والبنك المركزي حول الارقام قبل استئناف المفاوضات.


الرئيس نبيه بري يترأس جلسة مناقشة البيان الوزاري ومنح الثقة للحكومة في الاونيسكو.

الرئيس نبيه بري يترأس جلسة مناقشة البيان الوزاري ومنح الثقة للحكومة في الاونيسكو.

النائب جبران باسيل خلال إلقاء كلمته في جلسة الثقة.

النائب جبران باسيل خلال إلقاء كلمته في جلسة الثقة.

النائب محمد رعد يدلي بدلوه في جلسة الثقة.

النائب محمد رعد يدلي بدلوه في جلسة الثقة.