تفاصيل الخبر

مناورة "أمل" العسكرية في النبطية جهوزية لمواجهة العدو... أم مشهدية انتخابية؟

22/09/2021
الجنرال "استيفان دل كول" يحذر القيادة اللبنانية من "هشاشة" الوضع في الجنوب.

الجنرال "استيفان دل كول" يحذر القيادة اللبنانية من "هشاشة" الوضع في الجنوب.

 

 المناورة العسكرية "غير الصامتة" التي نفذتها حركة "أمل" في منطقة النبطية الجنوبية أثارت علامات استفهام كثيرة، لاسيما حول توقيتها ومكانها والغاية منها، في وقت يمتنع فيه حزب الله عن القيام بأي عرض عسكري، معلن او غير معلن في المنطقة، تحسساً مع مشاعر الجنوبيين الذين لم يعودوا متحمسين لمثل هذه الاستعراضات التي تتناقض مع حرص السياسيين اللبنانيين، وفي مقدمهم حركة "أمل" رئيساً ونواباً ومسؤولين، على ضرورة إبراز دور الدولة ومؤسساتها العسكرية والإدارية... ولعل ما حصل في تلك الليلة من الاسبوع الماضي في منطقة النبطية، خالف المواقف المعلنة وقد لا يكون هناك ما يبرره في هذه الظروف الدقيقة التي يمر بها لبنان في ظل ضائقة اقتصادية ومعيشية ومالية غير مسبوقة تركت تداعيات سلبية كثيرة على حياة اللبنانيين وعيشهم اليومي.

مفارقتان لا بد من تسجيلهما حيال ما حصل في منطقة النبطية، الاولى ان المناورة "الأملية" تزامنت مع تحذيرات نقلها قائد القوات الدولية العاملة في الجنوب الجنرال "استيفان دل كول" الى القيادة اللبنانية عن "هشاشة" الوضع في الجنوب مع استمرار ظهور مسلح في عدد من المناطق اللبنانية، واستمرار التعرض لافراد من "اليونيفيل" خلال تنقلهم داخل القرى والبلدات الجنوبية، وهو ما يثير اعتراضاً شديداً من المسؤولين الدوليين جرى التعبير عنه في القرار الذي صدر نهاية الشهر الماضي عن مجلس الامن الدولي في معرض التمديد للقوات الدولية سنة اضافية من دون تغيير في العديد او المهمات. اما المفارقة الثانية فيه تزامن "المناورة" مع تزايد الحديث داخل عدد من القرى الجنوبية عن تباينات في المواقف بين مناصري حزب الله ومناصري حركة "امل" في عدد من المواضيع الداخلية غير المرتبطة بالمسائل الاستراتيجية التي لا خلاف عليها بين الطرفين، الأمر الذي استوجب تدخل المسؤولين الحزبيين لدى الجانبين لمعالجة ما يحصل من خلافات بهدف حصرها في نطاقها الضيق، منعاً لأي مضاعفات غير محمودة.

تفاصيل "المناورة "

المعطيات التي توافرت حول "المناورة" تشير الى ان مئات العناصر من حركة "امل" في منطقة النبطية، نفذوا مناورة عسكرية تحت عنوان "الرعب الأعظم" وفيما تزامنت المناسبة مع قرب الذكرى الــ 33 لاغتيال القيادي داود داود ورفيقيه: محمود فقيه وحسن سبيتي، اكدت مصادر قريبة من "أمل" أن التوقيت ليس متصلاً بالذكرى، وروى متابعون لما جرى ان نحو الفي عنصر خرجوا من نقاط عسكرية وأمنية للحركة، ابرزها معسكر بلدة انصار (قضاء النبطية) وساروا مسلحين ببدلاتهم العسكرية، بمواكب "مؤللة" بين البلدات. ووفق شهود عيان، خرجت سيارات رباعية الدفع ترفع عليها اسلحة متوسطة، فيما تزود العناصر بالرشاشات الخفيفة. بعض المجموعات توزعت على مداخل عدد من البلدات واحيائها، من دون ان يتدخلوا مع المارة. واللافت مشاركة عناصر من الشرطة البلدية لعدد من المجالس البلدية المحسوبة على "امل". وفيما كان معظم المشاركين عسكريين، شهدت المناورة حضوراً لعشرات السيارات المدنية المقفلة، من طراز واحد، اضافة الى آليات تابعة لــ "الاسعاف الحربي". الاستعراض العسكري لم يكشف وجهاً مجهولاً لدى الحركة فتنظيمها المسلح لا يزال موجوداً، في مناطق انتشارها، وله هيكليته المتكاملة، وسبق ان شهدت مناطق كثيرة ظهوراً مسلحاً للحركة، في اكثر من مناسبة. وفي بعض الاحيان، كانت قيادة "امل" تتبرأ من مسلحيها، كما في بعض الاحداث التي تلت 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، لجهة الاعتداء على المتظاهرين. لكن ما جرى في الايام الماضية له سياق مختلف.

المناورة "غير الصامتة" جرت علناً، وبقرار من القيادة العليا في الحركة، وبعض قياديي الصف الاول لم يكونوا على علم مسبق بــ "الرعب الاعظم" الآتي من النبطية، مصدر مطلع لفت الى ان مسؤول الإعداد والتوجيه في الحركة في الجنوب ابو احمد صفاوي هو من نظم المناورة، منطلقاً من صلاحياته التي تشمل الأمن والعسكر في المنطقة، فضلاً عن كونه نائب مسؤول الإعداد والتوجيه في لبنان، واتت المناورة بعد انتهاء دورة عسكرية لمئات الحركيين الذين القى فيهم صفاوي خطاباً قبل انطلاق العرض العسكري، شدد فيه على وجوب "رفع الجهوزية لمواجهة اي عدوان اسرائيلي، او اي عودة محتملة للتكفيريين".

ومن اجل مزيد من الايضاحات حول ما حصل، اكدت مصادر "امل" ان "الحركة" لم تتوقف يوماً عن الاستعداد لمواجهة العدو الاسرائيلي الذي لم ولن تتوقف اطماعه في ارض لبنان. والمناورة الاخيرة ليست الا آخر فصول هذا التحضير، مشيرة الى خطاب الرئيس نبيه بري قبل ثلاث سنوات في ذكرى تغييب الامام موسى الصدر في النبطية، والذي قال فيه: "اتوجه الى افواج (المقاومة اللبنانية امل)، لأقول: كما كنتم مبتدأ المقاومة وحجر الزاوية، انتم مدعوون للبقاء على أهبة الجاهزية والاستعداد لافهام العدو بأن كل شبر من ارض لبنان مقاوم. وكرر الرئيس بري دعوته في خطاب هذه السنة ايضاً، حين قال: أيها الحركيون، ندائي لكم في ذكرى تغييب القائد المؤسس بأن تبقوا في الأمكنة التي تشمخ بحضوركم... كونوا حيث أرادكم الامام الصدر... الى جانب فلسطين وقضيتها وقضايا العرب والعروبة.... في الداخل دعاة حوار ووحدة.... وعلى الحدود مقاومون في مواجهة عدوانية اسرائيل والتضافر مع جيشكم وشعبكم ذوداً عن الارض والحدود والثروات والانسان من اجل ان يبقى لبنان وطناً نهائياً لجميع ابنائه". لذلك، رأت المصادر ان كلام الرئيس بري واضح، والمناورة اهدافها واضحة، ومن يعتبرها رسالة له فهو يضع نفسه في خانة العدو الصهيوني عينها. وتضيف المصادر أن حركة "أمل" هي أم المقاومة وستكون امام الجميع في الجبهة، عند اي تهديد للبنان.

لقد بدا واضحاً من كلام المصادر في "أمل" ان "المناورة "تتجاوز" جهوزية شباب الحركة لمواجهة العدو الاسرائيلي الى ما هو أبعد لاسيما الحديث عن كون حركة "أمل"، "أم المقاومة"  الأمر الذي استدعى اتصالات تمت على مستويات مختلفة لحصر "المناورة" بمفاعيلها المحلية والداخلية وعدم اعطائها اية ابعاد أخرى لاسيما ما يتصل منها بالعلاقة مع حزب الله الذي تحرص قيادته على تمتين العلاقة مع "امل" خصوصاً في القرى والبلدات الجنوبية انطلاقاً من ان العدو واحد، وبالتالي فإن الهدف يجب ان يكون واحداً، الا ان ثمة من ربط بين توقيت "المناورة" وبدء الحديث عن الانتخابات النيابية التي يفترض ان تجري في 8 ايار (مايو) 2022 ولا بد بالتالي من "شد عصب" المؤيدين والمترددين على حد سواء، على رغم ان اللوائح في الجنوب كانت دائماً مشتركة ولا خوف من اي اختراق لها، تماماً كما حصل في انتخابات العام 2018. لكن المهم هو في تسجيل عدد الاصوات التي نالها كل مرشح، وهنا تكمن اسرار اللعبة لأن ارقام الانتخابات الماضية لم تكن باهرة لصالح نواب "أمل" باستثناء الرئيس نبيه بري طبعاً، اذ تقدم نواب الحزب عن زملائهم في الحركة باشواط ما يوجب اعادة نظر في الواقع الانتخابي وتوزع الاصوات ومزاج القاعدة الشيعية في مختلف مناطق الجنوب والبقاع على حد سواء.